رفعت رشاد يكتب: مليون جزائري في استقبال «عبدالناصر»
رفعت رشاد يكتب: مليون جزائري في استقبال «عبدالناصر»
فى الخامس من مايو عام 1963، ارتجت شوارع الجزائر العاصمة على وقع الهتاف العربى المدوّى، حين حلّ الزعيم جمال عبدالناصر ضيفاً على الجزائر المستقلة حديثاً بعد حرب تحريرية ضارية استمرت ثمانى سنوات كاملة ضد الاستعمار الفرنسى. خرج مليون مواطن حر من بلد المليون شهيد استقبلوا «ناصر» بعدما جاءوا من كل حدب وصوب إلى الجزائر العاصمة ولم يجدوا أماكن تكفيهم لانتظاره، فافترشوا الأرصفة واحتلوا الشوارع فى انتظار الزعيم العربى الكبير.
لم يكن مجرد استقبال رسمى لزعيم دولة شقيقة، بل كان زحفاً شعبياً مليونياً، خرج فيه الجزائريون ليهتفوا باسم «ناصر» فى مشهد نابض بالعروبة، تجلّى فيه الوجه المشرق للوحدة العربية، وللتضامن القومى الثورى فى أنقى صوره.
لم تكن مصر عبدالناصر على الحياد يوم اندلعت الثورة الجزائرية فى أول نوفمبر 1954، بل كانت فى قلب المعركة. فمنذ اللحظة الأولى، أدركت القاهرة أن كفاح الشعب الجزائرى ليس معزولاً، بل هو جزء من حركة تحررية عربية أوسع. وفّرت مصر الدعم السياسى واللوجيستى والإعلامى للثوار، واحتضنت قيادات جبهة التحرير الوطنى، وفتحت لهم منابرها الإعلامية، وساهمت فى إيصال صوتهم إلى العالم، متحملة فى سبيل ذلك كثيراً من الضغوط الدولية.
فى خطاب له عام 1958، قال «عبدالناصر» مؤكداً وحدة المصير: «إن الثورة لم تكن ثورة الجزائر وحدها، وإنما كانت ثورة كل العرب». وعبّر الرئيس الجزائرى أحمد بن بلة عن تقدير الجزائر لهذا الموقف التاريخى بقوله: «لو لم تكن مصر، ما انتصرت الثورة الجزائرية».
دفعت مصر ثمن موقفها القومى تجاه الجزائر غالياً، حين شاركت فرنسا فى العدوان الثلاثى على مصر عام 1956 إلى جانب بريطانيا وإسرائيل، بعد تأميم قناة السويس. لم يكن الأمر مجرد عقوبة على قرار سيادى مصرى، بل أيضاً كان انتقاماً فرنسياً من دعم القاهرة للثورة الجزائرية. ومع ذلك، لم تتراجع مصر عن موقفها، بل زادت من دعمها للثوار، وأصبحت الجزائر رمزاً مشتركاً لنضال الشعوب العربية ضد الاستعمار.
وفى خطاب له فى الجامعة العربية عام 1962، أكد «عبدالناصر» موقفه بوضوح: «الجزائر ليست وحدها، فنحن معها بدمنا وقلبنا وسلاحنا، ولن نسمح بأن تُكسر إرادتها».
حين نالت الجزائر استقلالها فى 1962، لم ينسَ الشعب الجزائرى مَن وقف بجانبه. وجاءت زيارة «عبدالناصر» فى مايو 1963 لتصبح شهادة تاريخية على قوة الترابط بين الشعبين. لم يكن فى المشهد مجرد زعيم عربى فى زيارة رسمية، بل كان رمزاً قومياً احتفى به شعب بأكمله كما يُحتفى بالبطل المنقذ. امتلأت الشوارع بلافتات الشكر والتحية، وتعالت الهتافات التى مزجت بين الجزائر ومصر فى نغمة قومية واحدة، تؤكد أن الجرح العربى واحد، كما أن الانتصار أيضاً مشترك. وفى خطابه بالجزائر، قال «ناصر» بتأثر بالغ أمام الحشود: «إننى حين أضع قدمى على أرض الجزائر، أشعر بأننى على أرض عربية محررة، كانت وما زالت رمزاً للصمود، وعنواناً للنصر».
جاءت الزيارة فى سياق مدّ قومى عربى صاعد، كانت مصر تتصدره برؤية تجمع بين التحرر من الاستعمار، والوحدة العربية، والعدالة الاجتماعية. ووجدت الجزائر بعد استقلالها فى هذا التوجه ملاذاً طبيعياً، فانضمت إلى دائرة القومية العربية، وبادلت مصر المواقف والدعم فى قضاياها الكبرى، خصوصاً فى مواجهة إسرائيل. وعبّر الرئيس هوارى بومدين عن رمزية «عبدالناصر» وتأثيره القومى بقوله: «كان عبدالناصر الأمل الكبير لنا، والقدوة التى ألهمتنا أن الحرية تنتزع ولا تُمنح».
لم يكن المشهد فى الجزائر عام 1963 حالة عاطفية عابرة، بل كانت تعبيراً عن توق عربى أصيل لوحدة مصير، ورغبة فى بناء نهضة شاملة تقودها شعوب تحررت من الاستعمار، وتؤمن بقدرتها على صناعة التاريخ.
إن استعادة تلك اللحظة اليوم ليست ترفاً من الذاكرة، بل حاجة سياسية وثقافية، خاصة فى ظل ما يشهده العالم العربى من تفكك وصراعات داخلية وتباين فى المواقف. إن العلاقات بين مصر والجزائر، التى تأسست على الدم والموقف والكرامة المشتركة، يمكن أن تكون نموذجاً ملهماً لإعادة بناء التضامن العربى على أسس صلبة من التاريخ والمصالح المشتركة.
فى زيارة «عبدالناصر» إلى الجزائر، وفى تصفيق الملايين له، لم يكن هناك خطاب رسمى بل صرخة وجدان، تقول: «نحن معاً أقوى، نحن عرب»، وهى الصرخة التى ما زال صداها ممكناً إذا صدقت النوايا وتوحدت الجهود.