الأب بطرس دانيال يكتب: التواضع رفعة
الأب بطرس دانيال يكتب: التواضع رفعة
يقول سفر يشوع بن سيراخ: «ازدد تواضعاً ما ازددتَ عظمةً، فتنال حُظوةً لدى الرب» (18: 3). يُحكى عن إحدى الملكات أنها أرادت شباباً طوال القامة للعمل ضمن حرّاسها، وقد ذاع الخبر فى كل أنحاء المدينة، وكان امتيازاً فائقاً أن يكون الشخص فى خدمة الملكة، ولذا تمنى كل شاب أن ينجح فى الاختبار وأن يقع عليه الاختيار. وبعد ذلك قابل أحدهم صديقاً له فتحدّث إليه قائلاً: «أعتقد أن فرصتى أكبر منك، لأن قامتى أطول»، ثم وضعا كتفيهما جنباً إلى جنب ليتأكدا من حقيقة الأمر. ومما لا شك فيه أنها لم تكن هذه هى المقابلة الوحيدة التى جرت هكذا، فسرعان ما امتلأت المدينة بالمقارنات والقياسات. وتحدّث شاب مع نفسه قائلاً: «أعتقد أننى قمت بقياس نفسى مع كل شباب المدينة، وكانت النتيجة أن قامتى تعلوهم جميعاً، حتماً سوف أفوز». وجاء يوم الاختبار، واكتشف الشباب أن هناك شرطاً آخر، فالملكة لا تريد طوال القامة فقط؛ بل مَنْ يزيد منهم على المتر والتسعين سنتيمتراً.
وعاد الشاب السابق هامساً لذاته قائلاً: «حسناً بكل تأكيد سأكون حارساً للملكة، لأننى أطول الجميع». وتم قياس الأطوال بكل دقّة، وظهر أن طول هذا الشاب هو مائة وتسعة وثمانون سنتيمتراً ونصف. لذلك كان أقل قياساً من المطلوب بنصف سنتيمتر فقط، لكنه أمام شرط الملكة ما زال قصيراً، ولا فرق بينه وبين أقصر شاب فى المدينة، كلاهما مرفوض.
من المؤكد أن هذه القصة البسيطة تُعَبّر عن واقع حياتنا اليومية، كم من الأشخاص الذين يقارنون أنفسهم مثل هذا الشاب بالآخرين، حتى إنهم يسعون فى قياس أنفسهم ببقية الناس، ويتوهمون أنهم الأفضل أمام الله، ويقبلهم عن غيرهم، ويصل بهم الحال إلى احتقار الآخرين والسخرية منهم، ويتعالون عليهم؟ وهناك نوع من الناس يكره امتياز وتفوق الآخرين عليه، ويخاف خوفاً عميقاً من أن يرى شخصاً يتمتع بموهبة لامعة. هذا النوع يعادى الامتياز فى كل صوره، سواء كان هذا الامتياز وجهاً جميلاً، أو شخصاً محبوباً من الجميع، أو عملاً ناجحاً. ويصل به الحال إلى نقد أى إنسان متفوق، وتشويه صورته، وإقناع نفسه أولاً، ثم إقناع الناس، بأنه شخص لا أهمية له، ولا يستحق هذه الامتيازات. كما أن الشخص المتكبّر يضع مسئولية فشله على الغير، ويعتبر ذاته فى الوقت نفسه أنه خالٍ من العيوب، وأن العيب يكمن فى الآخرين. ويدّعى بأنه على جانب من الأهمية، وإن لم يكن مهمّاً ومتفوقاً وناجحاً، لما فكر أحد فى إيذائه والوقوف فى وجهه.
والإنسان المتكبّر يسعى فى إثبات الفشل والعجز فى الشخصيات الممتازة والمحبوبة، والبحث عن أخطائها، أو افتعال هذه الأخطاء إن لم تكن موجودة فى الواقع. بينما الإنسان المتواضع لا يحقد على أحد أو يتعدّى عليه، ولا يتفاخر بشخصه ومركزه وأعماله، كما أنه يحترم الجميع ويراهم أفضل منه، مهما تحلّى بامتيازات أو نال من مراكز ومناصب.
ونجد أن المتواضع لا يبالغ فى تقدير أعماله الشخصية بدافع الغرور أو الغيرة من الآخرين، كما أنه لا ينسب لنفسه ما يقوم به الغير من إنجازات ونجاحات، ويتحلّى بالصدق والاستقامة واحترام الغير، ولا يتأثر برضا الناس أو سخطهم. فالمتواضع يدرك قيمة وقدر ذاته وضعفه، ولا يلقى بفشله على الغير، معتبراً الآخرين أفضل منه فى كل شىء، ساعياً فى إرضاء الله بإصلاح ذاته والعمل بضمير.
وكما يحثنا بولس الرسول: «على كل منكم أن يتواضع ويَعْدّ غيره أفضل منه» (فيلبى 2: 3). كم هو مثير للضحك والسخرية تصرّف الإنسان المتكبّر الذى يتعالى على الآخرين! نجده كالطاووس، رمز الكبرياء، نافشاً ريشه، ورافعاً رأسه فوق الجميع، ناظراً إليهم بتهكّم وسخرية. والإنسان المتكبّر لا يصدّق إلا ذاته فقط، ويتأثر بكلام الناس من مدح أو ذم، حتى إن هذا التصرف يأخذ كل وقته، بدلاً من أن يستثمر الوقت لعملٍ مفيدٍ وجيد. كما أنه يعتبر قيمته الحقيقية فى أفواه الناس وليست من أعماله إن كانت حسنة، ويُبالغ فى تقدير ذاته بدافع الغرور أو الغيرة من نجاح الآخرين. بينما التواضع والبساطة هما الحد الفاصل الذى يمهّد لسمو الإنسان وتفوقه، ويستطيع الإنسان أن يرفع من قدر ذاته ويزداد فى النمو، عندما يتواضع أمام الجميع عارفاً حدوده وإمكانياته. ويعترف أن كل شخص منّا وهبه الله صفات ومواهب وقدرات فريدة تختلف عن الآخر، لذلك يجب عليه أن يستثمرها للخير. ونختم بكلمات السيد المسيح: «فمن رَفَعَ نفسه وُضِع، ومَنْ وَضَعَ نفسه رُفعَ».