الأب بطرس دانيال يكتب: لم يرحل بعد
الأب بطرس دانيال يكتب: لم يرحل بعد
الكتب المقدسة تنصحنا بمحبة الصديق والعدو، لأنهما خليقة الله. كان البابا فرنسيس يجول فى العالم حاملاً معه السلام الحقيقى، ونستشف ذلك من رسائله التى تدعونا إلى إرساء السلام والمحبة والعدل والقانون والمساواة، وقد عُرِف عن البابا فرنسيس دعمه للحركات الإنسانية والعمل على إذابة الطبقات بين المجتمع لتحقيق العدالة الاجتماعية وتشجيع الحوار الذى يساعد على التواصل بين مختلف الديانات والمعتقدات والثقافات، ويشجّعنا على الاحترام غير المشروط للإنسان وآدميته بنشر المساواة بين كافة المواطنين دون أدنى تمييز.
كان يحمل السلام والمحبة لكل فرد وفئة قائلاً: «واجب علينا أن نُعلِّم الأجيال القادمة أن الله خالق السماوات والأرض، وليس بحاجة إلى حماية من البشر، بل على العكس، هو الذى يحمى البشر، كما أنه لا يرغب مُطلقاً فى موت أبنائه بل فى حياتهم وسعادتهم».. وقد تجلّى ذلك فى كلمته الأخيرة بمناسبة عيد القيامة المجيد، والتى دعا من خلالها زعماء العالم للتدخل فى وقف العدوان الإسرائيلى، حتى ينعم أبناء الشعب الفلسطينى بالسلام والاستقرار.
وما يُعْرَف عن البابا فرنسيس محبته الحقيقية للجميع والانفتاح المصحوب بالاحترام الكامل لأصحاب الديانات والمعتقدات الأخرى، لهذا كان له أعظم تأثير على القادة وأصحاب القرار.
وهذا ما كان يقوم به البابا فرنسيس فى كل رحلاته، خاصةً زيارته لمصر والمحبة الحقيقية والمتبادلة مع أخيه قداسة البابا تواضروس الثانى، الذى قام بزيارة للفاتيكان بعد فترة انقطاع بين الكنيستين، وهو على يقين بأن كل هذا السلام يسبب له المضايقات من أعداء السلام الذين يجولون فى العالم حاملين الدمار والخراب والقتل والفناء.
كم كانت مؤثرة ومُعبّرة كلمات البابا فرنسيس فى الجلسة الختامية لمؤتمر الأزهر العالمى للسلام قائلاً: «إن مصر التى أنقذت الشعوب الأخرى فى زمن يوسف من المجاعة، هى مَدعُوّة اليوم أن تنقذهم من مجاعة المحبة والأخوّة، بتقديم قمح السلام لجميع القلوب الجائعة للتعايش السلمى». وبهذه الكلمات كان يحاول قداسته أن يبيّن للعالم قدر مصر ودورها التاريخى فى نشر السلام.
وقد كان يؤكد قداسته أنه جاء لمصر كرسول سلام، وهذا ما يشجّع شعوب العالم أن يفعلوا مثله ويزوروا مصر التى باركها الله وباركتها العائلة المقدسة.
وهذا ما أكده البابا فرنسيس فى خطاباته بأن الله يدعونا إلى المحبة غير المشروطة، والمغفرة المجانية، والرحمة والاحترام المطلق لكل حياة، والإخوّة ما بين أبنائه مؤمنين كانوا أو غير مؤمنين، وكما يردد المُصْلِح مارتن لوثر كينج: «أنا مقتنع تماماً بأن الحقيقة المجرّدة من السلاح والمحبة الخالية من كل مصلحة سيكون لهما الكلمة الأخيرة».
إذاً لنسعى جميعاً أن نكون صنّاع سلام كما فعل البابا فرنسيس، ولا نترك الفرصة للعالم المادى أن يسيطر علينا ويسلبنا المحبة والسلام.
وكما قال السيد المسيح لتلاميذه عندما غسل أقدامهم: «أنا السيد والمعلّم قد غسلتُ أقدامكم، فيجب عليكم أنتم أيضاً أن يغسل بعضكم أقدام بعض..» (يو13: 13-14).
وهذا ما كان يطبقّه البابا فرنسيس البسيط المتواضع المُحب فى حياته اليومية، ولا ننسى المشهد المؤثر يوم خميس العهد عندما غسل أقدام المساجين والفقراء والمهمَّشين من كل الأديان والأجناس، وبعد ذلك قبّلها وهو راكع أمامهم كمثل العبد الذى يغسل أرجل أسياده، حتى إن أحد الأشخاص وكان مسلماً بكى بكاءً مراً من هذا الموقف المؤثر، هذه لم تكن المرة الأولى للبابا فرنسيس، ولكنه كان يقوم بها كل عامٍ وفى مناسبات عدّة.
ومما لا شك فيه أن هذا التصرّف سيدفع جميع رجال الدين فى أنحاء العالم لتطبيقه بكل تواضع ويشعرون بأنهم خدام للناس وليسوا أسياداً. وإذا تأملنا فى تصرفات وأعمال البابا فرنسيس التى كان يقوم بها، سنكتشف بأنه قلب موازين كثيرة من عادات خاصة ببروتوكول الفاتيكان، ومنذ اليوم الأول لتولّيه كرسى القديس بطرس، لم يوافق على استخدام السيارة المصفّحة الخاصة به، ولكنه فضّل ركوب الأوتوبيس مع باقى الإكليروس، كما أنه رفض السكنى فى المقر البابوى ومكث فى ديرالقديسة مرثا فى حجرةٍ بسيطةٍ متواضعة، حتى وصل به الأمر أنه أثناء تناول الوجبات، كان يقف فى الطابور ليأخذ دوره فى إحضار الطعام، ومن ينظر إلى ملابسه سيكتشف أنها كانت بسيطة وقديمة.
لذلك لم يرحل قديس المحبة، ولم يرحل رجل السلام والتواضع والبساطة واحترام جميع البشر، ولم يرحل من أعلن أن السلام وحده مقدس، ولا يجوز تبرير العنف باسم الدين، وداعاً يا قداسة البابا المُحب والبسيط مثل معلّمك الصالح السيد المسيح. فأنت باقٍ بما قدّمتَه للبشرية، صلى من أجلنا.