تمتعت الأصنام الثلاثة -اللات والعزى ومناة- بموقع قدسى خاص لدى أكبر القبائل التى عاشت فى جزيرة العرب، قبل بعثة النبى صلى الله عليه وسلم، وقد لجأت كل قبيلة تعبد صنماً منها إلى أن تُنشئ له بيتاً أشبه بالكعبة، واتخذوا منها بيوتاً تضاهى البيت الحرام.
كانت «اللات» الصنم المقدس لدى قبيلة ثقيف داخل الطائف، وكان الصنم منقوشاً على صخرة بيضاء داخل بيت عظَّمه العرب بالمدينة الشهيرة، وكان للبيت أستار تشبه أستار الكعبة، وله سدنة يخدمون الطوافين من حوله، وكان يحيط به فناء عظيم يعظّمه أهل الطائف، وهم ثقيف ومن تابعها، يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش. يذكر «ابن كثير» أن العرب اشتقوا اسم اللات من اسم الله تعالى، فقالوا: اللات، يعنون مؤنثة منه، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. وحكى عن ابن عباس، ومجاهد، والربيع بن أنس: أنهم قرأوا «اللات» بتشديد التاء، وفسروه بأنه كان رجلاً يلت للحجيج فى الجاهلية، فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه.
أما فيما يخص صنم العزى، فقد اشتقوا اسمه من «العزيز» وارتبط بشجرة عليها بناء وأستار، وقد أقام العرب بيته ما بين مكة والطائف، وعظّمته قريش. ولعلك تذكر أن أبا سفيان بن حرب هتف فى وجه المسلمين بعد انتصار المشركين عليهم فى «أحد»: لنا العزى ولا عُزى لكم، لحظتها وجَّه النبى صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى أن يقولوا: «الله مولانا، ولا مولى لكم». وفيما يتصل بالصنم «مناة» فكان موقعها بين مكة والمدينة، وكانت خزاعة والأوس والخزرج فى جاهليتها يعظمونها، ويهلون منها للحج إلى الكعبة.
الأصنام الثلاثة الكبرى للعرب بجزيرة العرب كانت توصف بالطواغيت، يبتنى العرب حولها البيوت المنافسة للكعبة المشرفة التى بناها إبراهيم، ويغرقون فى أفنيتها فى دنس الشرك والخضوع لحجر لا يضر ولا ينفع، أو لبشر مثلهم يتوهمون أنهم يملكون لهم شيئاً، ويشير «ابن كثير» إلى أن جزيرة العرب كانت تعج بطواغيت أخرى عديدة تعظمها العرب كتعظيم الكعبة، غير هذه الثلاثة التى نص عليها فى كتابه العزيز، وإنما أفرد هذه بالذكر؛ لأنها أشهر من غيرها.
مثّلت المراكز الثلاثة عواصم للشرك داخل جزيرة العرب، تحلقت حول كل عاصمة منها قبيلة أو أكثر، فعظمتها ومجدتها، وحين بعث الله محمداً بالحق نبياً واجه كل هذه المراكز، وأعاد البيت الحرام الذى رفع قواعده نبى الله إبراهيم وولده إسماعيل إلى سابق طهره ونقائه، وأحيا دوره الخالد فى تاريخ البشرية كمركز إشعاع للوحدانية وتحرير الإنسان.