يسرا زهران تكتب: المعادن النادرة.. الحرب القادمة من تحت أقدامنا «الحلقة الأولى»

كتب: أحمد فكري

يسرا زهران تكتب: المعادن النادرة.. الحرب القادمة من تحت أقدامنا «الحلقة الأولى»

يسرا زهران تكتب: المعادن النادرة.. الحرب القادمة من تحت أقدامنا «الحلقة الأولى»

- بسببها أمريكا تضغط.. وأوروبا تقلق.. والعالم يضطرب.. والصين تكسب

- يصفونها بأنها «نادرة»، لكنها تنتشر وتتوغل فى كل تفاصيل حياتنا ويومنا من دون أن نشعر.

- تأتى من تحت الأرض، لكنها عامل أساسى فى اتصالاتنا عبر الأثير والفضاء الرقمى، وداخل الأقمار الصناعية فى الفضاء الحقيقى.

تقبع كامنة هامدة بلا حركة، لكنها تحرك العالم كله فى تنقلاته بالسيارات الكهربائية الحديثة، وهى الأساس الذى لا غنى عنه فى انتقالنا من عصر الاعتماد على الوقود ومشتقات البترول إلى عصر أقل تلوثاً وضجيجاً.

جامدة باردة، لا حس لها ولا صوت، لكنها القلب النابض لمحطات توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح التى تُغذّى الحياة. لا عقل لها، لكنها المكون الأول لكل ما يقوم عليه الذكاء الاصطناعى. ساكنة مسالمة، لكنها تدخل رغماً عنها فى تصنيع الأسلحة الحديثة وأنظمة توجيه الصواريخ والطائرات المسيّرة وغيرها من معدات الحروب الذكية، أو الغبية التى تقتل ملايين البشر فى لحظات بلا تمييز.

ترقد فى أعماق الأرض منذ مئات السنين، لكنها طريقنا إلى المستقبل. هى الأمل فى عهد مشرق جديد، يحيا فيه العالم على الطاقة النظيفة، وتصبح فيه الأرض آمنة من التداعيات الكارثية للتغيّر المناخى، لكن بسببها تقوم الحروب، ويُقتل البشر، وتنقلب خريطة توازنات القوى العالمية، وتغرق مناطق كاملة على امتداد الكرة الأرضية فى العنف والتلوث البيئى من أجل مستقبل أقل عنفاً وتلوثاً!

حل الفزورة السابقة فى كلمتين: «المعادن النادرة».

وكالعادة، كانت المعادن النادرة مجرد مصطلح لا يهم إلا المتخصصين، حتى وضعها الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» فى قلب الحدث!

المعادن النادرة حجر الزاوية للمستقبل الذى يقوم على التكنولوجيا والكهرباء

فى الأشهر القليلة التى تلت انتخاب الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» لفترة رئاسية ثانية للولايات المتحدة الأمريكية، تردّدت كلمة «المعادن النادرة» أكثر من مرة. ذكرها الناس عندما أطلق «ترامب» حربه التجارية الجديدة مع الصين، وقالوا إن «ترامب» يضع عينه على المعادن النادرة التى تستورد الولايات المتحدة نسبة كبيرة منها من «بكين»، وأنه يسعى لتقليل الاعتماد عليها حماية للأمن القومى الأمريكى. تردّدت سيرة المعادن النادرة مرة أخرى مع الاتفاقية التى وقّعها «ترامب» مع أوكرانيا، لتحصل بموجبها الولايات المتحدة على حقوق واسعة من مخزون أوكرانيا من ثروات المعادن النادرة التى تعتبر حيوية فى مجالات التكنولوجيا العسكرية والطاقة المتجدّدة وتصنيع الأجهزة الإلكترونية («ترامب» كان يطالب ويضغط لكى تمتلك الولايات المتحدة ٥٠٪ من ثروات أوكرانيا من المعادن النادرة مقابل استمرار الدعم الأمريكى لها).

بدونها لن تعمل الهواتف والحواسب المحمولة.. وبطاريات الشحن تعتمد عليها

إلى هنا قد تبدو المعادن النادرة وكأنها مجرد لعبة سياسة واقتصاد بين الكبار، لا شأن للأشخاص العاديين بها.

لكن هل تعلم أنه بدون هذه المعادن النادرة لن يكون معك تليفون محمول، ولا جهاز «تابلت»، ولا جهاز «لاب توب» أو كمبيوتر شخصى، ولا شاشات تليفزيون ذكية، ولا أى جهاز حديث يعمل ببطاريات قابلة للشحن؟

هل تعلم أنه بدونها لن تعمل محطات توليد الطاقة والكهرباء من الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، ولن تعمل السيارات الكهربائية، التى يأمل العالم أن تحل محل السيارات التى تعمل بالوقود؟

ما حكاية المعادن النادرة إذن؟ وما مدى تأثيرها على حياتنا (نحن الأشخاص العاديين)؟ ولماذا أصبح لها كل هذا التأثير فى التعاملات الدولية؟

ربما تكون الإجابة لدى الصحفى الأمريكى - الكندى «فينس بيسر» الذى أصدر مؤخراً كتاباً حمل عنوان «معدن القوة (أو الطاقة): سباق الموارد الذى سيُشكل المستقبل». كان عنوان الكتاب يحمل تلاعباً لفظياً عن المعادن التى تُستخدم فى توليد ونقل الطاقة الكهربائية اللازمة لإدارة كل أجهزة تكنولوجيا الحاضر والمستقبل، لكنها تعتبر أيضاً مصدر قوة لمن يمتلكونها أو يسيطرون عليها من الناحيتين السياسية والاقتصادية.

اتفاقية «ترامب» مع أوكرانيا تسعى لحرمان «بوتين» من ثرواتها

«بيسر» صحفى لا يتردّد فى الذهاب إلى مناطق الكوارث الطبيعية، إلى السجون والمناجم ومناطق الحروب والدول المحتلة. شبكة معارفه التى اعتمد عليها فى تأليف الكتاب تضم خبراء تكنولوجيا وجيولوجيا ومليارديرات تتكون ثرواتهم من التنقيب عن المعادن ونشطاء فى مجال الدفاع عن البيئة. ونجح «بيسر» فى أن يُقرّب إلى أذهاننا علاقتنا فى حياتنا اليومية بالمعادن النادرة فى كتابه، قائلاً: «كما أن معظمنا لا يعرف الكثير عن العملية التى يتم بها إنتاج الطعام الذى نأكله، فإننا أيضاً منفصلون عن العملية التى يتم بها تصنيع الأجهزة التى نعتمد عليها فى حياتنا، مثل التليفونات والحواسب المحمولة وكابلات الإنترنت والتابلت وأجهزة (الراوتر). إن أجهزة التليفونات المحمولة مثلاً تضم عشرات المعادن المتنوعة، منها ما هو مألوف، مثل القصدير فى لوحة الدوائر الكهربائية، والنيكل فى الميكروفون، ومنها ما هو غير مألوف. معدن اسمه (الإنديوم) مثلاً هو ما يجعل شاشة التليفون تعمل باللمس، ومعدن اسمه (أوروبيوم) يُعزّز جودة الألوان على شاشة التليفون. ومعادن مثل النيوديميوم والديسبروسيوم والتربيوم تستخدم لكى تجعل التليفون المحمول يهتز عند الرنين».

ويواصل: «البطاريات التى يعمل عليها التليفون أو الكمبيوتر المحمول تتكون من معادن مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل. هذه البطاريات نفسها تمنح الطاقة لكل الأجهزة اللاسلكية القابلة لإعادة الشحن، من فرشاة الأسنان الكهربائية، وحتى السيارات الكهربائية الحديثة لكن بكميات أكبر. إن بطارية السيارة الكهربائية على سبيل المثال تحتوى على كمية ليثيوم مماثلة لما تحتويه بطاريات عشرة آلاف جهاز تليفون محمول، وتحتوى كذلك على كمية مقاربة من النيكل والكوبالت والنحاس، التى تعد أيضاً أهم المعادن المستخدمة فى كابلات توصيل الكهرباء».

تلك المعادن المستخدمة فى أجهزة التكنولوجيا التى يتحدث عنها «بيسر» تُستخدم أيضاً فى مجالات تكنولوجيا الدفاع والمراقبة ومحطات توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، أى أنها باختصار هى الأساس الذى يقوم عليه المستقبل الذى ستحكمه التكنولوجيا والكهرباء التى تُغذى هذه التكنولوجيا.

يقول «بيسر»: «إننا نتحرك نحو عهد جديد، ومرحلة جديدة فى تاريخ التطور الإنسانى اقتصادياً واجتماعياً. هناك ثلاث قوى أساسية محرّكة لهذا العهد الجديد: التكنولوجيا الرقمية والإنترنت، ثم الطاقة المتجدّدة، وأخيراً السيارات الكهربائية. هذه هى عناصر ما يمكن أن نسميه (العصر الرقمى - الكهربائى)، الذى تعتبر الكهرباء هى المصدر الأساسى للطاقة فيه، ونحتاج فيه إلى مصادر الطاقة المتجدّدة كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح التى يمكنها وحدها توليد ما يكفى من الكهرباء لسد احتياجات ذلك العصر، بالإضافة إلى كميات مهولة من المعادن التى يُطلق عليها معادن التكنولوجيا، أو معادن نقل الطاقة، أو المعادن الحرجة (بسبب شدة احتياج العالم إليها)، ومنها المعادن النادرة».

وكما يحدث مع كل تغيير فى مصادر الطاقة التى يعتمد عليها العالم فى تطوره، تتغير خريطة التوازنات السياسية والقوى العالمية لتصعد دول، وتهبط أخرى. يذكر الكتاب آخر تحول شهده العالم فى مجال مصادر الطاقة، فى تحوله من الاعتماد على الفحم إلى البترول، عندما كانت المملكة العربية السعودية مثلاً تعتبر دولة لا تحتل مكانة ملحوظة فى الشئون الدولية، ولكن مع تزايد عدد السيارات التى يستخدمها الناس حول العالم، وتزايد احتياجات المصانع للبترول، تحولت المملكة إلى واحدة من أكثر الدول ثراءً على وجه الأرض. ربما لذلك -كما يقول «بيسر»- فإن «المملكة العربية السعودية تعلمت من دروس تاريخها وأصبحت تستثمر بقوة حالياً فى مجال إنتاج المعادن الحرجة».

وبالمثل، نسمع اليوم عن دول ربما لا يعرف كثيرون مكانها على الخريطة تتحول فجأة إلى بؤرة الاهتمام العالمى بسبب امتلاكها ثروات هائلة من المعادن الحرجة المطلوبة لتحولنا للعصر الرقمى الجديد. وربما كان أشهر مثال على ذلك هو جزيرة «جرينلاند» فى البحر الأدرياتيكى، التى وضع الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» عينه عليها، مُعلناً رغبة الولايات المتحدة فى شرائها منذ الأيام الأولى لرئاسته الثانية. تمتلك «جرينلاند» كمية ضخمة من المعادن النادرة، ومثلها جزيرة «نيو كالدونيا» الفرنسية فى جنوب المحيط الهادى، التى تضم ربع مخزون العالم من معدن النيكل، الذى لم يتم استخراجه من الأرض بعد (ولم يعلن «ترامب» رغبته فى شرائها بعد!). وتمتلك دولة «بوليفيا»، فى قلب أمريكا الجنوبية، أكبر مخزون عالمى من الليثيوم، وفى قلب أفريقيا، تضم جمهورية «الكونغو» الديمقراطية ما يقرب من نصف مخزون العالم من النحاس (أهم المعادن فى كابلات توصيل الكهرباء). ثم تأتى «أفغانستان»، ذات الصراعات التى لا تهدأ، حاملة تحت سطح أرضها المضطرب كميات مهولة من النحاس والكوبالت. أما «البرازيل» فتمتلك تقريباً كل مخزون العالم من معدن النيوبيوم اللازم لتوربينات توليد الطاقة من الرياح. وهناك دول أخرى صاعدة فى مجال التنمية قد تعطيها ثرواتها من المعادن الحرجة والنادرة دفعة أعلى فى طريقها على سلم التقدّم العالمى، كما هو الحال فى إندونيسيا والفلبين فى آسيا مثلاً، التى بدأت تستكشف مخزونها الهائل من معدن النيكل.

الصين تسيطر على عملية تحويل معظم معادن العالم من صورتها الخام إلى صورتها القابلة للاستخدام

تلك الدول التى لا تحتل الصدارة فى المشهد العالمى ربما تجد نفسها بعد بضع سنوات فى موقع يُمكّنها من فرض شروطها عليه، لو عرفت كيف تدير مواردها الطبيعية على النحو الصحيح، هذا طبعاً على فرض أن الدول التى تحرّك خيوط العالم حالياً سوف تسمح لها باستخدام ثرواتها كأوراق ضغط لدفع مصالحها.

لكن الواقع أن دول العالم، خاصة الدول الغربية فيه، قد انكوت كثيراً بنيران الدول الكبرى التى تعرف جيداً كيف تلعب بورقة المعادن الحرجة لفرض شروطها فى السنوات الأخيرة، وقد لا تسمح للدول «الصغرى» بأن تمارس ألعاباً فوق مستواها، تُهدد مصالح الكبار.

روسيا هى المصدر الأول لمعدن «النيكل» للعالم.. وأوروبا لم تقدر على الاستغناء عن وارداتها منها رغم العقوبات المفروضة عليها

وفى ذلك، قد تكون دول العالم الكبرى قد تعلّمت الدرس مما حدث مع روسيا.

روسيا التى يحكمها «فلاديمير بوتين»، الرئيس الصلب الذى يُسبّب صداعاً مزمناً لقادة أوروبا وأمريكا، هى المصدر والمورد الأول لمعدن النيكل على مستوى العالم. هى أيضاً واحدة من كبار مصدّرى معدن النحاس وغيره من المعادن الضرورية فى صناعات المستقبل. يحكى الكتاب أن الخوف من أن تُؤثر الحرب الروسية - الأوكرانية فى بدايتها على إنتاج النيكل الذى يحتاجه العالم بشدة قد جعل سعر المعدن يصل إلى حدود خرافية بعد الهجوم الذى أطلقه «بوتين» ضد أوكرانيا فى فبراير ٢٠٢٢. لكن الأيام أثبتت أن صوت المصالح يظل يعلو دائماً على صوت المعركة. يقول الكتاب: «رغم أن معظم الصادرات الروسية قد تم منعها بسبب العقوبات الدولية التى تم فرضها على (موسكو) بعد الحرب الأوكرانية، فإن العالم قد قرر فى اتفاق صامت أن المعادن الواردة من (موسكو) مثل النيكل والنحاس والبالاديوم وغيرها هى واردات شديدة الأهمية لا يمكن أن تسرى العقوبات عليها. وبعد مرور أكثر من عامين على اندلاع الحرب، ما زالت روسيا تقوم بتصدير ما تساوى قيمته مليارات الدولارات من النيكل إلى الغرب بلا انقطاع. بعبارة أخرى، فإن زيادة تحول الدول الغربية إلى استخدام السيارات الكهربائية قد أسهم فى تمويل الحرب الروسية على أوكرانيا».

كانت المواقف الرسمية الأوروبية إذن تسير فى اتجاه يدين «موسكو» ويُندّد بأقسى العبارات الهجوم الروسى على أوكرانيا، فى الوقت الذى تستمر فيه المليارات الغربية فى التدفّق على الخزائن الروسية، إما لاحتياجها إلى موارد الطاقة التقليدية، مثل الغاز الطبيعى الروسى الذى ظلت المستشارة الألمانية السابقة «أنجيلا ميركل» تحافظ على تدفّقه إلى بلادها بعد الحرب، أو بسبب احتياج أوروبا إلى موارد الطاقة المتجدّدة التى لا يمكن أن تواصل مسيرتها بغير المعادن الحرجة التى تأتى من روسيا.

هى ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التى تتحدّى فيها دولة كبرى غيرها من القوى العالمية. فى مثل تلك المواجهات، تجد الدول الغربية تسارع لاتهام الدولة المواجهة بأنها «سلطوية» أو «غير ديمقراطية» وغير ذلك من الاتهامات، وتُهدّد بفرض العقوبات وقطع العلاقات، لكن من دون أن تستطيع فعلياً الاستغناء عنها. وهكذا فإن الرابح الحقيقى على الأرض ليس هو الأعلى صوتاً ولا الأكثر ضجيجاً، لكنه الأكثر ثقلاً (حرفياً) بما يملك من جبال من المعادن النادرة والحرجة يتربّع على قمتها.

«بوتين» يجلس متربّعاً على مثل هذه الجبال، وربما أراد «ترامب» باتفاقه مع أوكرانيا أن يمنعه من الوصول إلى مزيد من ثروات المعادن النادرة فى أراضيها. إلا أن الرئيس الروسى، رغم قوته، ليس هو صاحب الثقل الأكبر فى لعبة المعادن الحرجة والنادرة.

الصين تسبق دول العالم بأشواط فى سوق المعادن النادرة.. ولا تتردّد فى قطع إمداداتها عنها كسلاح

صاحبة الثقل الأكبر فى هذه اللعبة الجديدة هى الصين. إنها الصين التى يسعى الرئيس «ترامب» بكل قوته لتقليل الاعتماد الاستراتيجى عليها، والتى يقول عنها كتاب «بيسر»: «عندما يتعلق الأمر بالفائزين فى سباق المعادن الحرجة والنادرة، فإن الصين هى الدولة التى تسبق غيرها من الدول بأشواط. أياً كان نوع المعدن الذى نتحدّث عنه، هناك على الأقل مرحلة واحدة من مراحل إنتاجه وتصنيعه (وغالباً كلها!)، سواء التنقيب أو المعالجة أو التكرير والتنقية والتصفية، لا بد أن تتم فى الصين!».

أهمية الصين فى عالم المعادن النادرة إذن لا تقتصر على ما تمتلكه من ثروات تحت أراضيها ومحيطاتها، لكنها أحكمت سيطرتها على عملية تحويل المعادن من صورتها الخام إلى صورتها النهائية القابلة للاستخدام. أو بتعبير الكتاب نفسه: «الصين نجحت فى العقود الأخيرة فى السيطرة والهيمنة على سلاسل الإمدادات الخاصة بالمعادن الحرجة من أولها إلى آخرها، مستفيدة فى ذلك من امتلاكها مواردها الطبيعية الخاصة، ومزيج من الاعتبارات والقوانين البيئية المتساهلة نسبيا داخلها، واستثمارات بالغة الذكاء خارج أراضيها فيما وراء البحار. وما تفتقر إليه الصين من موارد داخل مناجمها تقوم بشرائه من خارج أراضيها. إن الصين تمتلك فى مناجمها مخزوناً هائلاً من الليثيوم (اللازم لصناعة البطاريات التى تعتمد عليها كل الأجهزة الحديثة لتخزين الطاقة، أياً كان مصدرها ونوعها)، بينما تمتلك الشركات الصينية عبر استثماراتها المتنوعة مناجم فى دول العالم المختلفة تقوم بإنتاج معادن، مثل الكوبالت والنيكل وغيرهما».

ويتابع الكتاب: «أياً كان المكان الذى يتم فيه التنقيب عن المعدن النادر، وأياً كان من يقوم باستخراجه، فإن أغلب هذه المعادن ينتهى بها الحال فى الصين، من أجل معالجتها وتكريرها وتنقيتها. إن الصين تمتلك أكثر من نصف القدرة التكريرية العالمية لمعادن مثل الليثيوم والكوبالت والجرافيت، التى تستخدم أيضاً فى تصنيع البطاريات، والقدر نفسه تقريباً بالنسبة لتكرير النيكل والنحاس. ثم تأتى مصانع صينية أخرى لتأخذ هذه المعادن المكرّرة، وتقوم بتحويلها إلى غالبية الألواح الشمسية وتوربينات الرياح التى يستخدمها العالم، وتقوم أيضاً بإنتاج نحو ثلاثة أرباع الإنتاج العالمى من بطاريات الليثيوم، وغالبية السيارات الكهربائية».

تلك القوة ليست مجرد قوة اقتصادية. ليست مجرد مليارات الدولارات التى تضع الصين يدها عليها بهيمنة شبه كاملة على سوق المعادن النادرة. تلك الهيمنة تتحول إلى قوة ضغط سياسية لن تلبث أن تزداد ثقلاً فى السنوات المقبلة، مع تزايد الاعتماد على موارد الطاقة النظيفة والتحول الرقمى، ومعها قد تتحول الصين إلى الدولة صاحبة كلمة الحسم على الساحة الدولية، وهو ما تعمل له الدول الأخرى -وعلى رأسها أمريكا- ألف حساب.

يُلخص الكتاب هذا الوضع، قائلاً: «كل تلك العوامل تمنح الصين ما هو أكثر من مجرد موقف مسيطر فى الاقتصاد المتنامى للعصر الرقمى - الكهربائى الجديد، تمنحها أيضاً ثقلاً لا يُستهان به من الناحية الجيوسياسية. لقد أظهرت الصين بالفعل فى السنوات الأخيرة أنها على استعداد لقطع إمداداتها من بعض المعادن الحرجة والنادرة عن العالم لدعم أغراضها السياسية، وبإمكانها أن تلوح بهذا السلاح مرة أخرى فى أى لحظة».

هل حانت هذه اللحظة مع الحرب التجارية التى أشعلها «ترامب» مؤخراً ضد الصين؟ هل كان الرئيس الأمريكى حريصاً بسبب ذلك على توقيع اتفاقية المعادن النادرة مع أوكرانيا، التى تحصل الولايات المتحدة بموجبها على نسبة معتبرة من تلك الثروات الموجودة فى الأراضى الأوكرانية؟ هل كان ذلك جزءاً من سياسة الولايات المتحدة فى تنويع مصادرها من المعادن النادرة، حتى لا تظل تحت رحمة تهديدات الصين بقطع الإمدادات متى اشتعلت الأمور؟

يصف الكتاب معضلة الولايات المتحدة والدول الغربية عموماً فى الاعتماد على الموارد الصينية من المعادن النادرة، قائلاً: «لقد انتبهت الدول الغربية إلى تلك الحالة التى تُشكل نقطة ضعف بالنسبة لها أمام الصين، وتكافح حالياً من أجل التعامل معها. كل من الولايات المتحدة وكندا وأوروبا واليابان وضعت على قمة أولوياتها إيجاد مصادر أخرى غير صينية للمعادن النادرة، وصبّت مليارات الدولارات والموارد لتحقيق ذلك الهدف. إن اعتماد الولايات المتحدة على واردات المعادن النادرة، وتركيز إمدادات هذه المعادن فى يد عدد محدود من الدول هو أمر تنظر إليه الولايات المتحدة على أنه يُشكل تهديداً متزايداً للنمو الاقتصادى والقدرة التنافسية والأمن القومى. وفى عام ٢٠٢٢، قام الكونجرس الأمريكى بتمرير حزمة تضم ٧ مليارات دولار من أجل توسيع سلسلة الإمدادات المحلية للمعادن اللازمة لتصنيع البطاريات. وفى العام نفسه قام بتمرير مشروع قانون آخر لضخ مليارات الدولارات لدعم البطاريات والسيارات الكهربائية التى تم تصنيعها من معادن نادرة محلية من قلب الولايات المتحدة».

حل الولايات المتحدة إذن للحد من النفوذ الصينى فى مجال المعادن النادرة هو تنويع مصادر وارداتها وزيادة إنتاجها المحلى منها. لكن هذا الأمر لا يخلو من تعقيدات وتحديات قد لا تقل عن خطر اعتمادها على الصين.

والصين من جانبها، أظهرت للعالم كله أنها تعرف كيف تضرب بالضبط فى المكان الذى تؤلم فيه الضربات عندما تُقرّر استخدام المعادن النادرة كسلاح.

أما المعادن النادرة نفسها، فلا تأتى بسهولة، ولا تصل إلى أجهزتنا وأيدينا وبيوتنا بسلام من دون ضحايا ولا دماء.

لكن هذه قصة أخرى.


مواضيع متعلقة