استراتيجية العصابات الصهيونية لاحتلال قرى فلسطين وإفراغ الأرض من سكانها.. وقتل وحرق وتهجير المدنيين
استراتيجية العصابات الصهيونية لاحتلال قرى فلسطين وإفراغ الأرض من سكانها.. وقتل وحرق وتهجير المدنيين
تحقيق - محمد علي حسن وماريان سعيد
«منعطف مهم يتميز بالعزم، ويبذل الجهد اللازم لتطهير منطقة كاملة تطهيراً نهائياً ودائماً من القرى العربية، ومن سكانها المعادين، أو الذين ربما يتحولون إلى معادين»، جملة واحدة للمؤرخ الإسرائيلى «بينى موريس»، لوصف عملية «نحشون»، التى تُعد أول عملية عسكرية كبرى للعصابات الصهيونية ضد الفلسطينيين، ما يبرز الفكر الصهيونى لمؤسسى دولة الاحتلال، حيث إن تلك العملية تولى التخطيط لها كل من رئيس الوكالة اليهودية، ديفيد بن جوريون، وهيئة الأركان العامة فى «الهاجاناه»، فى إطار خطة عامة لاحتلال فلسطين، وهى الخطة المعروفة باسم «خطة دالت».
ففى شهر أبريل من عام 1948، شنت العصابات الصهيونية عملية عسكرية واسعة النطاق، لاكتساح القرى العربية القائمة على جانبى الطريق العام، بين تل أبيب والقدس، حيث جرت تعبئة قوة قوامها 1500 عنصر يهودى من «البلماح والهاجاناه» لتنفيذ هذا الهجوم، إذ نصت الأوامر العملياتية على أن القرى العربية القائمة على محور «خُلدة - القدس»، يجب أن تعامل كلها معاملة «تجمعات عدوة»، أو «قواعد انطلاق».
بدأت عملية «نحشون»، وهى كلمة عبرية تعنى «الأفعى»، يوم 3 أبريل، باحتلال قرية «دير محيسن»، ثم قرية «خُلدة» المجاورة لها فى قضاء «الرملة»، وكانت قرية «قالونيا»، التى تبعد نحو 3 كيلومترات، على خط مستقيم إلى الشرق من «بيت نقوبا»، من أهم أهداف العملية الصهيونية، وبالفعل تمت مهاجمة القرية فى 11 أبريل، بحسب ما ورد فى «تاريخ الهاجاناه».
وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» آنذاك، أن وحدات «الهاجاناه» نسفت مئات المنازل، وتركت القرية كلها عبارة عن كومة من الرماد، ونقلت روايات متباينة عن المصادر بشأن طريقة تهجير سكان «قالونيا»، حيث كتب مراسل الصحيفة الأمريكية أن سكان القرية كانوا فى معظمهم أُخرجوا من قبل، وأن الباقين أُمروا بمغادرة القرية قبل تدميرها، بينما زعم «موريس» أن السكان فروا من القرية على مدار يومى 2 و3 أبريل، جراء غارة شنها عناصر من «البلماح»، لكن إذاعة عصابة «الإرجون» بثت فى ذلك الوقت نبأ يفيد بأن سكان «قالونيا» هربوا من جراء مجزرة «دير ياسين» فى 9 أبريل.
فى المقابل، كانت قرية «دير ياسين»، الواقعة فى قضاء القدس، مسرحاً لأشهر فظائع الحرب وأدماها، فقد هاجم عناصر من عصابتى «الإرجون» و«شتيرن» القرية الفلسطينية، وقتلوا سكانها، استناداً إلى شهادة السكان العرب، وشهادة «الهاجاناه» أيضاً، وقدر عدد الضحايا بنحو 245 شخصاً، بينهم نساء وأطفال وكهول، إذ جاء احتلال «دير ياسين» فى إطار عملية «نحشون»، التى نفذتها العصابات الصهيونية ضمن «خطة دالت» لإقامة دولة لليهود على أرض فلسطين.
«النكبة» لم تكن حادثاً عارضاً فرضته ظروف الحرب، بل كانت ثمرة مباشرة لسياسة صهيونية مبيّتة، اعتمدت على التخطيط المسبق للترحيل القسرى «الترانسفير»، وارتكاب المذابح، حتى تفر التجمعات السكانية الفلسطينية من مدنها وقراها ومنازلها وأراضيها، وتم التجهيز له بالتحالف والتنسيق مع الدولة العثمانية، أولاً مع السلطان عبدالحميد، ثم مع الانتداب البريطانى، وما سبقه من اتصالات مكثفة، أسفرت عن وعد «بلفور»، وفق ما أكد الدكتور أحمد فؤاد أنور، أستاذ الفكر الصهيونى، فى تصريحات لـ«الوطن»، وقال: «نرى أن بريطانيا مطالبة أخلاقياً بتنفيذ الشروط التى تتحدث عن حقوق الفلسطينيين فى فلسطين»، وأضاف أنه «رغم إقرارنا بأنه وعد من لا يملك لمن لا يستحق، لدرجة أن بلفور لم يزر فلسطين على الإطلاق إلا بعد الوعد بسنوات، أى أنه منح أرضاً لا يعلم عنها شيئاً البتة، وتجاهل شعبها، وسرق منهم أراضيهم، خاصةً أن تجاوز حدود التقسيم معروف للجميع، وأن انتهاك الحق فى حرية العبادة طوال الوقت سياسة ممنهجة فى إسرائيل مما يعد انتهاكاً للوعد».
وأضاف «أنور» أن الوثائق، مثل «خطة دالت»، التى وضعتها «الهاجاناه»، تظهر أن الهدف كان «تطهيراً جغرافياً» لضمان أغلبية يهودية فى الدولة الناشئة، موضحاً أن نشأة «الهاجاناه» كانت فى عام 1920، وهى الذراع العسكرية الرسمية للوكالة اليهودية، وظهرت عصابة «الإرجون» عام 1931، كجماعة منشقة عن «الهاجاناه»، تحمل رؤى أكثر تطرفاً، بقيادة «مناحيم بيجن» لاحقاً، ثم ظهرت عصابة «شتيرن» عام 1940، التى انشقت من «الإرجون»، وهى أكثر تطرفاً، وأبدوا استعداداً للتنسيق مع «الفاشيين» لطرد البريطانيين، وجميعها كانت على صلة مباشرة أو غير مباشرة بالوكالة اليهودية، خصوصاً «الهاجاناه»، التى كانت تشكل الذراع شبه الرسمية، ورغم وجود اختلافات تكتيكية وأيديولوجية، مثل الموقف من بريطانيا، فإن الهدف النهائى كان واحداً، يتمثل فى إقامة دولة يهودية نقية عرقياً، إذ تم توزيع الأدوار بين الذراع «الشرعية»، ممثلة فى «الهاجاناه»، والأذرع «غير الشرعية»، ممثلة فى «الإرجون» و«ليحى» تكتيكياً.
وزعمت الحركة الصهيونية أن الفلسطينيين فرّوا من أراضيهم، تلبية لنداءات أطلقتها الإذاعات العربية، بين نوفمبر 1947 ومايو 1948، وحثتهم فيها على المغادرة، لإفساح المجال أمام الجيوش العربية النظامية التى كانت تستعد لدخول فلسطين، واستناداً إلى البرامج الإذاعية العربية، التى سجلتها هيئة الإذاعة البريطانية «بى بى سى»، لا يوجد مطلقاً أمر عربى واحد بالإخلاء، ولا حتى ما يوحى بذلك، وأن هناك سلسلة مهمة من الأوامر العربية الموجهة إلى المدنيين الفلسطينيين العرب، بأن يصمدوا ويبقوا فى مدنهم وقراهم، كما أن هناك سلسلة مشابهة بين شهرى مارس ومايو، تعلن خططاً لإنشاء إدارة فلسطينية، وتحث موظفى الحكومة العرب على البقاء فى مراكز عملهم، وفقاً للمؤرخ الفلسطينى، وليد الخالدى. وأضاف أستاذ الفكر الصهيونى، فى تصريحاته لـ«الوطن»، أن التمويل والدعم اللوجيستى للعصابات الصهيونية جاء من يهود أوروبا الشرقية والولايات المتحدة، كما ساهمت بريطانيا ضمنياً فى تقديم الدعم اللوجيستى، خصوصاً فى التسليح أو «التغاضى»، إذ توجد مراسلات وتقارير استخباراتية بريطانية تشير إلى أن السلطات البريطانية غضّت الطرف عن تسليح وتدريب «الهاجاناه»، أثناء الحرب العالمية الثانية، بسبب حاجتها لمحاربة «النازية»، وهذا ما يتناقض مع الواقع، حيث من الثابت أن مشاركة الصهاينة فى مقاومة «النازية» كانت «أقل من رمزية»، والثابت أيضاً أن بريطانيا خدرت العالم العربى، حين زعمت أنها ستتولى منع الهجرة الصهيونية إلى فلسطين، وستنفى إلى خارجها عدداً من قادة العصابات الصهيونية، مثل إسحاق شامير، الذى اقتيد إلى جيبوتى، ثم سرعان ما عاد لفلسطين، لكن ميدانياً، لا يمكن التغاضى عن تزويدهم بمصانع أسلحة وذخائر، بل ومطارات وطائرات، مما نقل تجهيز وعتاد العصابات الصهيونية إلى مستويات غير مسبوقة، كما كان الإنجليز عوناً لليهود فى تحقيق مآربهم، حيث قاموا بتدريبهم، خلال فترة الانتداب، ومدهم بالسلاح، وكلما انسحبوا من منطقة خلال عام 1948، سلموها للعصابات الصهيونية، وبعد انتهاء تلك الفترة، وصولاً إلى «النكبة»، قام اليهود باحتلال معظم أراضى فلسطين، وتهجير مواطنيها، باستثناء غزة والضفة الغربية ومدينة القدس الشرقية.
وأوضح «أنور» أن التخطيط للتطهير العرقى كان ممنهجاً، وجاء فى مذكرات «بن جوريون» و«إسحق رابين»، وتصريحات عدد من القادة الإسرائيليين، مثل «مناحم بيجن»، ما يؤكد النية المُسبقة لإفراغ القرى الفلسطينية من سكانها، حيث تضمنت «خطة دالت» تعليمات محددة للسيطرة على القرى وتطهيرها، موضحاً أن آلية اختيار القرى اعتمدت على الخرائط الطبوغرافية البريطانية، والمعلومات الاستخباراتية من «الشين بيت»، وتم العثور على قوائم بأسماء القرى المستهدفة للتهجير أو التدمير الكلى، مثل قرى «لواء القدس ويافا».
واختتم أستاذ الفكر الصهيونى تصريحاته لـ«الوطن»، قائلاً: «كانت هناك وحدة دعائية تابعة لعصابة الهاجاناه، تُدعى (وحدة التوثيق)، كانت تعمل على تبرير العمليات، أو المجازر ضد المدنيين فى القرى الفلسطينية، ونشر سردية تبنتها المنظمات اليهودية والعصابات الصهيونية، والتى عرفت بـ(الفراغ السكانى)، والتى تتمثل فى تصوير الفلسطينيين على أنهم مهاجرون حديثو العهد، ويمكن فى هذا الصدد الإشارة إلى أن الصهاينة لديهم اختلافات داخلية، وانقسامات حادة، يمكن أن تنفجر فى أى وقت، كما حدث فى واقعة إحضار عصابة بيجين أسلحة عبر سفينة، ومحاولتها الوصول لأكثر من ميناء لفلسطين، حتى تم إغراقها بمن عليها، بأوامر من بن جوريون، وكأنها بروفة لحرب أهلية»، كما لفت إلى استخدام «الدين» فى تنفيذ الخطة الصهيونية، وقال إنه رغم أن الصهيونية حركة علمانية تماماً فإنها لوت الدين، وسعت لتحويله إلى قومية، وفى ظنى إذا استمرت عنصرية الصهيونية، وتشبثت باللجوء الدائم للعنف، وعدم الالتزام بأى قوانين أو أعراف أو مواثيق أو حتى اتفاقيات لوقف إطلاق النار، فإن المآلات لن تختلف كثيراً عن مصير الممالك الصليبية، أو عن مصير النظام العنصرى فى جنوب أفريقيا».