مسؤول العلاقات الدولية بنادي الأسير الفلسطيني: هناك أكثر من مليون أسير منذ 1948.. ونكمل تاريخ المقاومة الفلسطينية.. و«فراونة»: اعتقال 100 ألف مواطن حتى عام 1967

كتب: محمد علي حسن

مسؤول العلاقات الدولية بنادي الأسير الفلسطيني: هناك أكثر من مليون أسير منذ 1948.. ونكمل تاريخ المقاومة الفلسطينية.. و«فراونة»: اعتقال 100 ألف مواطن حتى عام 1967

مسؤول العلاقات الدولية بنادي الأسير الفلسطيني: هناك أكثر من مليون أسير منذ 1948.. ونكمل تاريخ المقاومة الفلسطينية.. و«فراونة»: اعتقال 100 ألف مواطن حتى عام 1967

تحقيق - محمد علي حسن وماريان سعيد

فى قلب النكبة الفلسطينية التى هزت الوجدان العربى والعالمى عام 1948، كان هناك جانب آخر من المعاناة لا يقل بشاعة عن أحداث التهجير والدمار الذى لحق بالبيوت والمنازل الفلسطينية، وهو نضال الحركة الأسيرة التى لم يكن مصيرها أقل قسوة من مصير الشعب الفلسطينى بأسره، إذ انطلقت الحركة الأسيرة الفلسطينية فى تلك الحقبة، متسلحة بالعزيمة والإرادة فى وجه آلة القمع الإسرائيلية، لتسطر ملاحم من الصمود والمقاومة التى لن ينساها التاريخ، إذ بدأ الاحتلال الإسرائيلى فى فرض قبضته الحديدية على فلسطين، وبدأت الاعتقالات الجماعية تطال كل شرائح الشعب الفلسطينى، كان الأسرى فى السجون يكتبون فصولاً من المعاناة والتضحية، وعلى مر السنين، رغم الأوجاع التى رافقتهم والظروف القاسية التى مروا بها، كانوا دوماً حاملى راية الحرية والكرامة، واستمرت هذه الحركة الأسيرة كرمز من رموز المقاومة ضد الظلم والقهر، ولعبت دوراً مهماً فى إبقاء جذوة الأمل متقدة فى نفوس الفلسطينيين، حتى فى أحلك الظروف.

يقول رائد عامر، مسؤول العلاقات الدولية بنادى الأسير الفلسطينى: منذ اللحظات الأولى لاحتلال الأراضى الفلسطينية، بدأت إسرائيل تمارس سلسلة من الانتهاكات بحق الشعب الفلسطينى، وعلى رأسها الاعتقالات المستمرة التى طالت آلاف الفلسطينيين فى كافة أرجاء الأراضى الفلسطينية، وكانت هذه الاعتقالات جزءاً أساسياً من سياسة الاحتلال، التى هدفها تدمير نسيج المجتمع الفلسطينى ونقل القمع إلى داخل كل بيت فلسطينى، وحتى هذه اللحظة، وبعد أكثر من 7 عقود من الزمن، لا يزال الاحتلال مستمراً فى ممارساته القمعية ضد الأسرى الفلسطينيين، فقد بلغ عدد المعتقلين أكثر من مليونى فلسطينى منذ نكبة 1948 وحتى اليوم، وطوال سنوات الاحتلال، كان للأسرى الفلسطينيين بطولات وجولات شجاعة داخل السجون، حيث خاضوا معارك لا تنتهى ضد الظلم والإذلال، وضد محاولات الاحتلال للنيل من عزيمتهم وإرادتهم، كما لم تكن تلك المعارك مجرد صراعات داخل جدران السجون، بل كانت تعبيراً عن مقاومة حقيقية ضد آلة القمع الإسرائيلية، ومن أبرز الأساليب التى استخدمها الأسرى فى مواجهة تلك الممارسات كان الإضراب الجماعى عن الطعام، الذى أصبح سلاحاً أساسياً فى يد الحركة الأسيرة، والإضرابات كانت تخرج من رحم المعاناة، لتحمل رسالة قوية إلى إدارة السجون وإلى العالم أجمع أن هؤلاء الأسرى لن يرضوا بالذل والمهانة، وأنهم مستعدون لتقديم الغالى والنفيس من أجل استعادة كرامتهم.

ويشرح مسئول العلاقات الدولية بنادى الأسير التطور النضالى للحركة الأسيرة منذ ما قبل النكبة رغم محاولات الاحتلال مراراً كسر هذا الصمود، حيث لجأ إلى أساليب قمعية لفرض إرادته على الأسرى، منها تهديداتهم المستمرة، وعزل المعتقلين فى زنازين انفرادية، ونقلهم من سجن إلى آخر بهدف كسر عزيمتهم. إلا أن الأسرى الفلسطينيين كانوا دائماً يقاومون تلك المحاولات، مشهرين سلاحهم الوحيد الذى لا يمكن هزيمته: «سلاح الجوع»، هذا السلاح هو السلاح الذى لم يعرف الأسرى بديلاً عنه فى مواجهة القهر، وكانوا يستخدمونه إما بشكل فردى أو جماعى من أجل الدفاع عن أنفسهم ضد القهر اليومى والظروف المعيشية التى فرضها عليهم الاحتلال.

من جانبه يقول الدكتور عبدالناصر فراونة، رئيس وحدة الدراسات فى هيئة شئون الأسرى والمحررين: «لا يمكن لأى حديث عن معاناة الشعب الفلسطينى أن يكتمل دون التوقف عند قصة الأسرى الفلسطينيين، هؤلاء الأبطال الذين سطروا بأجسادهم المعذبة صفحات من تاريخ الجهاد والنضال». وأشار إلى أنه لا يمكن حصر النضال فى مرحلة ما قبل نكبة 1948 فقط بل تتسلسل جذور هذه المعاناة لتعود إلى سنوات الاحتلال البريطانى لفلسطين فى 1917، عندما جاء «وعد بلفور» المشئوم، ولم تكن بريطانيا مجرد داعم للمشروع الاستعمارى الصهيونى، بل كانت الشريك الأساسى فى ترسيخ الاستعمار، من خلال استخدام القوة العسكرية وتطبيق سياسات قمعية ضد الفلسطينيين، ولم يكن الاعتقال هو الأداة الوحيدة فى يد الاحتلال، بل كان التعذيب بمختلف أنواعه وسيلة لتركيع الشعب الفلسطينى وكسر إرادته.

وتؤرخ المصادر التاريخية لجذور نضال الحركة الأسيرة إلى عام 1917 ومن ثم الاحتلال الإسرائيلى عام 1948، واحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة من قبل إسرائيل أيضاً عام 1967 إلى الآن، إذ أسرت إسرائيل منذ بدء احتلال فلسطين آلاف النساء، من بينهن أمهات وقاصرات وكبيرات فى السن، شاركن فى المقاومة، ورفعن أصواتهن عالياً مطالبات باسترداد حقوقهن المغتصبة وأرضهن السليبة.

وأوضح «فراونة» أن مرحلة الانتداب البريطانى لفلسطين شهدت سجن عدد من الثوار وإعدامهم فى سجن عكا، على رأسهم عطا الزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازى، وذلك فى العام 1933، وكذلك الشيخ المجاهد فرحان السعدى والشيخ يوسف أبودية فى العام 1939، واعتقل العشرات من المقاومين أمثالهم، وتشير الوثائق إلى أن العصابات الصهيوينة أقامت معسكرات اعتقال للفلسطينيين وتصفية البعض منهم خلال حرب 1948، وهناك صعوبة كبيرة فى تحديد عدد الأسرى الذين تم اعتقالهم فى السجون الإسرائيلية فى الفترة ما بين 1948 - 1949 فى أعقاب الحرب من الفلسطينيين والعرب، ذلك بأن الأفواج كانت تأتى وتروح وكانت الإحصاءات تأتى وتروح، وكانت الإحصاءات المتوافرة جزئية فى فترات محددة وعليه فقد تباينت المصادر بشأن العدد الدقيق الذى يتراوح ما بين 7000 معتقل كحد أدنى و12000 معتقل كحد أقصى، وفقاً لـ«أسرى بلا حراب.. المعتقلون الفلسطينيون والمعتقلات الإسرائيلية الأولى 1948 - 1949» لمصطفى كبها، ووديع عواودة.

وتابع «فراونة» أن الحركة الأسيرة الفلسطينية قديمة قدم الاحتلال نفسه، وقد مرت بمراحل مختلفة، بدءاً من الانتداب البريطانى وصولاً إلى الاحتلال الإسرائيلى، فمنذ البداية كانت فلسطين ساحة نضال فى مختلف المجالات، والأسر كان جزءاً مهماً من هذا النضال، وبالفعل تأتى الإشارات التاريخية إلى فترة ما بين وعد بلفور والنكبة تكاد تكون شبه معدومة فى السجلات التاريخية الفلسطينية. وحتى عندما نتحدث عن الاحتلال الإسرائيلى الذى بدأ فى 1948، نادراً ما نجد توثيقاً كافياً عن معاناة الأسرى فى تلك الفترة، لكن فى الواقع، كانت الفترة ما بين 1948 و1967 واحدة من أسوأ الفترات بالنسبة للأسرى الفلسطينيين، بل أكثر قسوة من تلك التى أعقبت الاحتلال عام 1967.

ويقف «فراونة» أمام الفترة من 1948 - 1967، التى شهدت اعتقال نحو (100 ألف مواطن)، إذ شهدت هذه الفترة اعتقالات جماعية واحتجازاً فى أماكن عامة، أو معسكرات اعتقال أشبه بمعتقلات النازية أُعدت خصيصاً لذلك فى القرى المدمرة والمُهجر سكانها، أو فى بعض السجون التى ورثها الاحتلال عن الانتداب البريطانى، كما شهدت جرائم الطرد والإبعاد والتهجير الجماعى والإعدام الميدانى عبر المجازر المختلفة، بجانب حالات إعدام فردى وجماعى بشكل كبير ووحشى لأولئك المعتقلين، ومن قدر لهم البقاء على قيد الحياة طُردوا من قراهم، ويتابع: كانت سلطات الاحتلال تتبع أسلوب الاعتقالات الجماعية، حيث كان الاعتقال هو العقوبة التى تطال كل من يعبر عن مقاومته للوجود الإسرائيلى، ومن يعارض سياسة الاحتلال. كانت معتقلات مثل «عتليت» و«صرفند» و«عكا» تشهد عمليات احتجاز جماعية، حيث كان المعتقلون يعانون من أبشع أنواع التعذيب، وعانى الأسرى المحررون من زنازين ضيقة لا تصلح للعيش، وعن أوقات طويلة تُقضى فى العزلة التامة، والعذاب النفسى الذى لا يوصف، إذ كانت سلطات الاحتلال تملك سلطات تعسفية كاملة، وكان المعتقلون يُحرمون من أبسط حقوقهم الإنسانية، لكن الأشد قسوة فى تلك الفترة، كان الممارسات الوحشية التى ارتكبت بحق المعتقلين.

ويضيف: «لا أتحدث هنا عن التعذيب الجسدى فحسب، بل عن الانتهاكات النفسية التى كانت تهدف إلى سحق عزيمة الأسرى، فكان الاحتلال يمارس أساليب بشعة، من بينها الشنق والتعليق، ضرب المعتقلين بالعصى، والجلد، والتعذيب النفسى، إلى أن وصل الأمر إلى القتل العمد فى بعض الحالات، وأسوأ من ذلك، كان هناك عمليات اغتصاب للنساء الفلسطينيات اللواتى تم اعتقالهن خلال هذه الفترة، حيث تم إجبارهن على المعاناة من أشكال متعددة من القهر والاعتداء، ثم قُتل العديد منهن بعد ذلك». وتابع: «ما يجب أن نفهمه هنا هو أن هذه السجون والمعتقلات لم تكن مجرد أماكن للاحتجاز، بل كانت مصانع للقهر والإرهاب، وكانت تلك السجون أسوأ من أن توصف، فقد تحولت إلى أماكن للموت البطىء، حيث كانت غالبية المعتقلين يُلقون فى حفرة صغيرة أو مقبرة جماعية بعد أن تم قتلهم أو تعذيبهم حتى الموت. كان الأسرى فى تلك الحقبة يمثلون رمزاً للصمود والمقاومة، ولكنهم فى الوقت نفسه كانوا ضحايا لآلة قمع متوحشة».


مواضيع متعلقة