رسائل الحب والحرب بين «صفد وبيروت والإسكندرية».. حكايات فلسطينية تقاوم النسيان
رسائل الحب والحرب بين «صفد وبيروت والإسكندرية».. حكايات فلسطينية تقاوم النسيان
تحقيق - محمد علي حسن وماريان سعيد
مبادرة لإعادة كشف وتوثيق الحقائق ومواجهة طمس الهوية بمذكرات مكتوبة وصور شخصية ومفاتيح العودة
تذكرت كل هذا فى لحظات، كما ذكرت براعته فى صيد العصافير بمقلاعه، ومهارته فى «سرقة» التين من حديقة آل طهبوب المجاورة لبيتنا، يا رعى الله تلك الأيام، أيام دُولِتنا العلية.. كنا وقتذاك فى صميم الحرب العالمية الأولى حطم الإنكليز غزة بضربهم إياها بالقنابل من البحر ضرباً لا هوادة فيه اضطر سكان هذه المدينة المسكينة إلى الفرار والنفاد بجلدهم هائمين على وجوههم تاركين بيوتهم وما يملكون بسبب النار والدمار لا يلوون على شىء.. وبهذا كان أهل غزة أول من عرف التشرد وخبر الهجرة.. كما كانوا أول لاجئين فى فلسطين. لقد هربنا إلى بئر السبع ثم لحقنا الإنكليز فهربنا إلى الخليل ومنها إلى القدس حتى دولة تركيا وتم احتلال الإنكليز لبلادنا ليبدأوا سلسلة طويلة جديدة من العذاب والآلام والاستعباد والتشرد.. سرت قليلاً وزميل الصبى «مَرَقة» ثم افترقنا على موعد فى الخليل إن شاء الله.. زوجك على شعث».

السطور السابقة كانت ضمن كلمات رسالة من 8 صفحات، أثناء رحلة عمل إلى الأردن قام بها على رشيد شعث فى عام 1956 كتب لزوجته يحكى فى جزء منها عن لقائه مع صديق الطفولة، ويستعيد بعض الذكريات من عام 1916، «وشعث» المولود فى غزة عام 1908، ودرس بين القدس وبيروت، ليعمل بعد ذلك فى التعليم متنقلاً بين عدة مدن فلسطينية كمدير للمدارس، حتى استقال عام 1947 احتجاجاً على إجراءات الاحتلال، وبعدها انتقل إلى الإسكندرية وأسس أول فرع للبنك العربى خارج فلسطين، تاركاً وراءه أرشيفاً غنياً من الرسائل التى كتبها لزوجته سميحة تنير، ووثقتها حفيدتهما سمر دويدار بعد عقود من النكبة الفلسطينية، واصفة إياها بأنها كانت أكثر من مجرد مراسلات شخصية، بل تأريخ اجتماعى وثقافى لفلسطين من خلال أسلوبه الأدبى البديع وحنينه المستمر لفلسطين والتعليم.
لم تهتم الحفيدة «سمر» بتوثيق رحلة حياة «على وسميحة»، فقط بل قامت بالبحث عن أرشيف العائلات الفلسطينية والتواصل مع الأحفاد، حيث أسست مبادرة «حكايات فلسطينية»، وقالت لـ«الوطن» إن هدفها إعادة صياغة الحقائق فى عالم يتم فيه طمس التاريخ والهوية الفلسطينية.
وأضافت: «أسست مبادرة «حكايات فلسطينية»، كأداة مقاومة ناعمة، تعيد بناء الذاكرة الجمعية الفلسطينية، من خلال الأرشيفات العائلية والرواية الشفهية، وانطلقت فى عام 2019 من أرشيف جدى على رشيد شعث الغنى بالرسائل والوثائق والصور، فالمشروع ما هو إلا محاولة لجمع قطع البازل من حكايات الأجداد لنرسم صورة لذاكرة تقاوم النسيان، ورأيت أن الحكايات التى وصلت إلينا من الأجداد تآكلت مع كل مرة تروى فيها، لكن العصر الرقمى اليوم يتيح فرصة لإنقاذها وتوثيقها، وبدأت فكرة المشروع بسؤال شخصى حول الهوية: كيف تبقى فلسطين حاضرة فى وجدان الجيل الثالث من النكبة رغم عدم زيارتهم لها؟».
أجابت «سمر» عن هذا السؤال: «من خلال بحث ميدانى شمل مقابلات مع أكثر من 10 سيدات فلسطينات فى الشتات وأبنائهن، ومع تطور البحث، طلبت أستاذتى فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة أن تكتب قصتها الشخصية، وهو ما قادنى إلى اكتشاف الكنز الأرشيفى لجدى على رشيد شعث، الذى شكل نواة لمبادرة حكايات فلسطينية».
وروت الحفيدة «سمر» قصة حب جديها، حيث كان التعارف من أجل الزواج فى ذلك الزمن يعتمد على ترشيحات الأقارب والمعارف، وبهذه الطريقة تعرّف على على سميحة، وتصادف أن سميحة الفتاة البيروتية تزور شقيقتها المتزوجة من فلسطينى والمقيمة فى مدينة يافا، وفى الوقت نفسه كانت أم على وأخته تبحثان له عن شريكة حياة تناسبه، ومن أهم الصفات التى رسمها على لفتاة أحلامه أن تكون على درجة من التعليم حتى تقوم الزيجة على التكافؤ الفكرى بينهما، وهكذا وقع اختياره على سميحة، وزار أهلها فى بيروت وتولدت الألفة بينهما سريعاً وتمت الخطبة وترك على خطيبته فى بيروت وترك قلبه معها عائداً لعمله فى صفد، بعد أن تعاهدا أن تصل الرسائل ما فرقته المسافات.
وحمل البريد بين صفد وبيروت فى عام 1937 أشواقهما ومشاعرهما المرهفة، وكانت الرسالة تستغرق حوالى 5 أيام فى الطريق، وهو الموعد المتفق عليه بين الخطيبين، تواعدا ألا يتأخر أى منهما عن الرد فى نفس يوم تسلمه للرسالة حتى يظل حبل الود ممدوداً.
كانت الرسالة الأولى من على التى كتبها فى صفد (فلسطين) بتاريخ 12 مارس 1937، وكان نصها كالتالى:
«يا سميحتى.. أما شوقى إليك فأنت ولا شك خير من يقدره ويفهمه، ولا عجب فذلك هين على من اتصلت روحها بروحى، أكتب لك هذه الكلمة اليوم وكلى شوق لرؤياك والتحدث إليك طويلاً عن مرح مستقبلنا وهنائنا الذى ستشاركيننى فى إقامته. ولكن العمل يا سميحة العمل المرهق الذى لا بد منه هو الذى يحول، وعلى كل فالأيام قادمة وإن غداً لناظره قريب، أما رسالتك فإننى سأحفظها ما حييت كيف لا وهى منك وساعدنى الله على تهيئة وسائل السعادة لك.
اسمعى.. جاء مهندس دائرة الأشغال يستشيرنى عن لون الدهان الذى ستدهن به حيطان المدرسة ونوافذها فاقترحت عليه طبعاً اللون الذى نشترك فى الميل إليه اللون الفستقى. وقد انتهى دهان المدرسة اليوم فإذا بكل ما فيها يزدان بهذا اللون المبهج الذى يذكرنى دائماً فيك، أما الأناشيد التى اقتبست مبادئها على يديك ويدىّ الأستاذ الأكبر محمد بك فقد برعتُ فيها كما أنها الآن على لسان الأساتذة والطلبة».
أما رد سميحة على خطيبها الذى كان مؤرخاً فى يوم 17 مارس 1937، فكان:
«عزيزى على.. لست والله أدرى بأى كلمة أبدأ كتابى هذا. فإن كتابك اللطيف طغى على شعورى صرت أردد كلماتك العذبة التى أثلجت صدرى، وكم تمنيت لو أنه لا ينتهى مع أننى أعدت تلاوته مراراً عديدة، فى كل مرة كان شعورى يزداد شغفاً لإعادته. صحتى جيدة جداً لا يكن لكم فكرة من هذه الناحية قوية نشيطة، أكل جيد نوم براحة مع كل ذلك لم أسمن وسأبقى نحيفة كما تريد الست يسرى على ما أظن. إننى يا على كلما جلست على المائدة أتذكرك حيث محلك موجود وأنت لم تغيره ولا مرة واحدة مدة إقامتك عندنا، لذلك أقول (بقلبى بالطبع) على هنا ويريد أن آكل أكثر من عادتى فلا بأس كما يريد أرجع وآكل مرة ثانية ولكننى كما قلت سابقاً لم أجد إلا فرقاً بسيطاً وهذا على ما أعتقد كان من النوم لا الأكل.
كنت أخبرتنى ببيروت بأنك سوف تزورنا فجأة قبل الربيع فهل أنت على وعدك ولو يوم السبت والأحد، فإن كان بإمكانك فلا تتأخر حيث شوقنا إليك شديد، وفى الختام إليك سلامى الممزوج بشوقى وتسلم للمخلصة سميحة».
وقبل هاتين الرسالتين بشهرين تقريباً، أرسل الجد على شعث رسالة بتاريخ 22 يناير 1937، عقب إغلاق المدارس تضامناً مع الإضراب الذى عمّ أرجاء فلسطين ضد الانتداب البريطانى بداية من أبريل 1936، وحين عادت للعمل حمل المعلمون مسئوليتهم تجاه طلابهم وتجاه دورهم التعليمى وتأهبوا لتعويض ما فاتهم، وفى هذه الرسالة كتب على وهو مدير مدرسة صفد الثانوية، لنسيبه الإجراءات التى قاموا بها فى سبيل الوصول لهدفهم وكيف تحولت المدرسة لخلية نحل من النشاط والعمل، ويستشيره بشأن تحديد موعد الزفاف وجاء فيها:
«أخى عبدالقادر.. أشواقى الحارة إليك وبعد أرجو أن تكون والعائلة فى خير وهناء وتوفيق، أشكرك جداً لرسالتك اللطيفة، إننى أنظر بسرور للوقت الذى سنجتمع فيه إلى بعض وأرجو الله أن يكون قريباً.
عدنا للعمل منذ أسبوع فقط وتسلمنا المدرسة من الجيش بعد عطلة طويلة جاوزت التسعة أشهر، ولذا أشعر الآن بضغط الأعمال المتراكمة.. كل شىء فى المدرسة تغير والوقت قصير وعلىّ أن أهيئ الأسباب لنتمكن من إتمام برنامج عام ونصف فى المدة الباقية من هذا العام الدراسى.. ومن تلك الوسائل إلغاء العطل العادية فى الربيع بل وقسم كبير من عطلة الصيف.. والزائر لمدرستنا اليوم يشعر بأن المدير والأساتذة والطلبة يسرعون الخطى فى كل شىء بصورة تلفت النظر.
واستكملت «سمر» الحديث عن المبادرة، قائلة إنها انطلقت رسمياً فى يونيو عام 2023 بإطلاق موقع إلكترونى تفاعلى يتيح للفلسطينيين فى الوطن والشتات رفع أرشيفاتهم الشخصية والعائلية من صور ورسائل ووثائق، وتسعى المبادرة لتوثيق الحياة اليومية والاجتماعية والثقافية فى فلسطين قبل نكبة 1948 ونكسة 1967، لتكون منصة رقمية مفتوحة تسهم فى حفظ الرواية الفلسطينية الشعبية من النسيان والتزييف، وتعد مرجعاً أولياً للباحثين، فى ظل روايات الاحتلال الكاذبة التى يريد الترويج لها عالمياً، لكن كلمات الحفيد الفلسطينى تدحض قصصاً من دروب الخيال نسجها الاحتلال بأن فلسطين كانت أرضاً بلا شعب.
وأشارت إلى أن العمل على المنصة بدأ بقراءة وتصنيف وأرشفة محتوى الصندوق العائلى الذى ورثته عن والدتها، وتضمن أكثر من 400 رسالة ووثيقة و600 صورة تم تصويرها وتوثيقها بالتعاون مع فريق متطوعين مؤمن بالفكرة.
وتابعت: «واحد من أهم أهداف حكايات فلسطينية دحض مقولة أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، عبر الوثائق التى تؤكد وجود حياة كاملة فى فلسطين ما قبل الاحتلال، ومن بين الوثائق شهادات دراسية، ترقيات وظيفية، أوراق ملكية، أسهم فى شركات فلسطينية تعود لثلاثينات القرن الماضى، توثق حضور الفلسطينيين فى التعليم والاقتصاد والثقافة، وتظهر حيوية المجتمع الفلسطينى».
وتؤمن «سمر» بأن الأرشيف العائلى والتأريخ الشفهى أدوات ضرورية لتوثيق التاريخ الحقيقى، خاصة فى ظل تزييف الحقائق من قبل الإعلام الدولى، إذ تقول إن التاريخ الرسمى يكتب من وجهة نظر المنتصر أو المؤدلج، لكن الأرشيفات العائلية تسمعنا صوت الناس العاديين، وتسرد لنا تاريخاً مهمشاً ومغيباً.
وأوضحت أنه من خلال البحث فى الأرشيفات بدأت ترى فلسطين التى لم تكن تعرفها، ولم تجد الكثير من الروايات عن حياة الناس قبل النكبة، بل فقط دراسات سياسية وعسكرية، لكن عبر خطابات جدها ومذكرات الآخرين، اكتشفت الحياة بكل تفاصيلها: ماذا كان الناس يلبسون، ماذا يزرعون، ماذا يقرأون ويحبون؟.
استقبلت مبادرة حكايات فلسطينية أرشيفات من عائلات فلسطينية عديدة، من بينها تسجيل صوتى مدته ثلاث ساعات لامرأة فلسطينية تروى ذكرياتها قبل النكبة، ومذكرات مكتوبة وصور شخصية ومفاتيح منازل، وتؤكد «سمر» أن «حكايات فلسطينية» لا تهتم بمدى شهرة الأشخاص أو جودة الصور، بل بقيمتها الإنسانية والتوثيقية، لأن كل ورقة أو صورة قد تكون دليلاً تاريخياً، وتسعى المبادرة إلى أن يكتب الناس بأنفسهم، من خلال سرد ذكرياتهم الفردية التى تكون معاً ذاكرة للشعب الفلسطينى، وتفتح المبادرة باب المشاركة لأى فلسطينى فى أى مكان، ليضع على خريطة الذاكرة صورته أو رسالته أو وثيقته باسم عائلته، لتبقى فلسطين حية فى الذاكرة، ولكى يعرف العالم أن الأرض كانت عامرة بأهلها، ولم تكن يوماً أرضاً بلا شعب.