الأب بطرس دانيال يكتب: تمهّل يا صديقي

كتب: هانى حسن

الأب بطرس دانيال يكتب: تمهّل يا صديقي

الأب بطرس دانيال يكتب: تمهّل يا صديقي

ما أجمل الصلاة التى رفعها داود النبى لله قائلاً: «يا رب، مَنْ يَحلُّ فى خَيمتك؟ ومَنْ يُقيمُ فى جبلِ قداستك؟ نَزيهُ المَسلَكِ وفاعلُ البر والمُتَكلّمِ بالحقّ فى قلبه. الذى لا يغتابُ لسانه، ولا يفعلُ بصاحِبه شرّاً، ولا يُنزلُ بقريبه عاراً» (مزمور 14: 1-3). قلّما ننظر إلى الغير نظرتنا لأنفسنا، فجميعُنا يظن أنه بلا عيب، ولكن من المفروض أن نحتمل بعضنا بعضاً ونتعاون معاً لإصلاح أنفسنا قبل غيرنا. كم من المرات التى قمنا فيها بتوجيه الاتهامات للغير، ونسعى بشتى الطرق أن نكشف عيوب الآخرين، ولا نتذكر أى فضل قاموا به. يُحكى عن ألبرت أينشتاين عندما كتب على السبورة: 9×1=9، 9×2=18، 9×3=27، وهكذا حتى 9×10 وكانت الإجابة 91. ثم بدأت الفوضى تعمّ القاعة كلها، لأن أينشتاين أخطأ الإجابة الصحيحة 9×10=90، وسخر منه جميع طلابه. فانتظر أينشتاين الجميع ليصمتوا، ثم قال لهم: «بالرغم من أننى قمت بحل تسعة أسئلة بشكل صحيح، لم يقم أى شخص بتهنئتى على ذلك، وعندما ارتكبت خطأً واحداً، بدأ جميع الحضور فى التو بالضحك والسخرية من شخصى، هذا يدل على أن الإنسان مهما كان ناجحاً، سيلاحظ أفراد المجتمع أقل خطأ يصدر عنه، وسوف يشمتون فى ذلك.

لذا يجب على كل شخصٍ منا ألا يدع النقد والسخرية يدمران أحلامه وطموحاته. لأن الشخص الوحيد الذى لا يخطئ أبداً، هو الإنسان الذى لا يفعل شيئاً ولا يقدم نفعاً». إن ضعيفى الشخصية والذين يقعون فى أخطاءٍ كثيرة، يبحثون عن مواطن الضعف فى حياة الآخرين، ليجدوا فيها ما يُعزيهم، ويُخدر ضميرهم ويتلمس لهم الأعذار أمام الآخرين والمجتمع بأسره. مَن منا بدون عيوب أو نقائص؟! لكن البعض يعميه الكبرياء ويظن نفسه أنه أكثر الناس كمالاً واستقامة، لذا يقع فريسة لسخرية الناس الذين يتهامسون عليه ويجعلونه أضحوكة لهم. ما لاشك فيه أن أى مجتمع لا يخلو من الأشخاص النمامين والحقودين الذين ينشغلون عن عيوبهم، بالكشف عن نقائص الآخرين، والذين يؤذيهم رؤية الخير فى الآخرين، باحثين يميناً ويساراً عما يُعيبهم من ضعفات لينشروها ويروجوها بالأكاذيب والقصص الملفقة، بهدف تشويه صورتهم الحقيقية.

والمُحزن فى هذا أننا نفعل ذلك مع كل مَن يختلف معنا الرأى والذوق والعقيدة والمستوى الاجتماعى. كم من الأشخاص الذين يقومون بإهانة الغير، سواء كان كبيراً أو صغيراً، صالحاً أو طالحاً، قريباً أو بعيداً، وينشرون هذا على وسائل التواصل الاجتماعى والمنصات الإلكترونية، حتى إن الغالبية العظمى من أصدقائهم ومؤيديهم، تنساق خلفهم دون تروٍ أو تمحيص، وتضع تعليقاتها الجارحة وبدون معنى أو مبرر؟ كما أننا نجد أعداداً غير قليلة تخترع بعض المواضيع لتفضح بها الناس عن طريق القيل والقال، واضعة البهارات فى كلامها حتى تسىء إلى مَن يختلف معها فى الرأى والحديث. وهؤلاء يتمثلون بالحيّة التى لا تستطيع أن تحتفظ بشرها وسمومها، فتلدغ من تصادفه لتفرغ فيه سمومها، وكثيراً ما يكون هؤلاء كاذبين فى نقل الكلام، لأن هدفهم الأول والأخير هو تشويه صورة الناس، وزرع روح الخصام والعداوة بين الجميع، والتفريق بين القلوب المُحبّة. إن الإنسان المعيب لديه سلاح واحد، وهو ذم أهل الفضيلة، والسخرية منهم وتوجيه الاتهامات لهم، لأن هدفه الأول والأخير تشوية سمعتهم أمام الجميع، كما أنه لا يكتفى بهذا فقط، بل يسعى لدعوة الناس إلى فقدان الثقة فيهم وعدم التعامل معهم. بينما الإنسان الناضج والمُحب لا يتسرّع فى الحُكم على تصرفات الآخرين، ولا يظن السوء فيهم. كما أننا نصطدم فى حياتنا بأشخاص يكيلون بمكيالين: واحد لأنفسهم والثانى للآخرين، ويعتبرون كل ما يفعلونه هو حسن، بينما إن صدر الشىء ذاته من غيرهم، فهو شر، وهذا دليل على قلبٍ فاسدٍ ونفسٍ مريضة. لذلك يجب علينا أن نتكل على الله، ولا نخاف من أحكام الناس.

ونتمثل بالأشخاص العظماء والناضجين الذين يتحلّون بالنزاهة والتواضع أمام نجاح الغير، ويتميزون بالمنافسة الشريفة والروح الرياضية، دون حسد أو ضغينة. مَن منا يسعى لتشجيع الغير عندما تكون أعماله جميلة وهادفة وناجحة، أو يُبدى رأيه لتصحيح الأخطاء حتى تبدو أعمال الغير أكثر جمالاً وإبداعاً؟ ومِن ثم لا نتأثر بأحاديث الناس عنا، لأن الشخص الذى يقوم بأعمال حسنة ومفيدة، لا يهتم بآراء الحاقدين، فقيمته ليست فى أفواه الناس، بل فى حُسن تصرفاته وشهادة ضميره، وأعماله الصالحة وكلماته المهذبة. ونختم بكلمات الشاعر: «إن يعلموا خيراً أخفوه، وإن عَلِموا شراً أذاعوه، وإن لم يعلموا كَذِبوا».


مواضيع متعلقة