العالم على حافة الانهيار.. هل بدأت الحرب العالمية الثالثة؟

كتب: محمود العيسوي

العالم على حافة الانهيار.. هل بدأت الحرب العالمية الثالثة؟

العالم على حافة الانهيار.. هل بدأت الحرب العالمية الثالثة؟

فى عالم يتغير بسرعة مذهلة، وتتفكك فيه التحالفات القديمة، لم يعد الحديث عن «حرب عالمية ثالثة» مجرد مبالغة إعلامية، أو تكهنات سياسية، فالمشهد الدولى اليوم يعكس انهيار النظام العالمى القائم على القواعد، وصعوداً غير مسبوق للعنف المدعوم من دول، وسط غياب شبه تام للقيادة الدولية الحكيمة والقادرة على كبح الانزلاق إلى هاوية جديدة.

وجاء فى تقرير لمجلة «الجارديان»، بمناسبة مرور 80 عاماً على نهاية الحرب العالمية الثانية، أن «حلفاء الأمس» أحيوا ذكرى النصر، وبدلاً من أن تكون هذه المناسبة فرصة لتعزيز العمل من أجل السلام، جاءت وسط مؤشرات متسارعة نحو صراع عالمى جديد، من «خان يونس» فى قطاع غزة، إلى إقليم «كشمير» المتنازع عليه بين الهند وباكستان، ومن ميناء «الحديدة» فى اليمن، إلى «بورتسودان» فى السودان، أصبحت أصوات الانفجارات والدمار هى اللغة الوحيدة السائدة، فى ظل تلاشى قواعد النظام الدولى، الذى أُرسيت دعائمه عام 1945، مع نهاية الحرب العالمية الثانية.

وذكرت الصحيفة البريطانية أن المحللة السياسية فيونا هيل، المستشارة السابقة للحكومة، ذهبت إلى أبعد من مجرد الحديث عن أصوات الانفجارات التى تنشر الهلع فى أنحاء العالم، والدماء، التى صارت تسيل فى كثير من المناطق، وأكدت فى مراجعتها الاستراتيجية الدفاعية المرتقبة، أن «الحرب العالمية الثالثة قد بدأت بالفعل»، وقالت إن «كل ما نحتاجه هو الاعتراف بذلك فقط».

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، اعتمد العالم على منظومة «السلام الأمريكى»، أو ما يُعرف بـ«باكس أمريكانا - Pax Americana»، وهى صيغة غير رسمية تضع الولايات المتحدة فى مركز قيادة النظام العالمى، مدعومة بتحالفات سياسية وعسكرية ومؤسسات دولية، مثل الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، ومحكمة العدل الدولية. إلا أن هذا السلام الهش بدأ يتفكك بوتيرة متسارعة، وسط غياب رؤية موحدة وقيادة موثوقة.

«بريفو»: استخدام الجوع كأداة حرب «وصمة عار» لا يمكن قبولها

وزير الخارجية البريطانى الأسبق، ديفيد ميليباند، عبّر عن ذلك بوضوح فى ندوة بمؤسسة «تشاتام هاوس»، قائلاً: «الجميع يقول إن العالم يتغير، لكن ما نعيشه الآن هو لحظة تحوّل جيوسياسى حقيقية، ربما لا تقل أهمية عما حدث عام 1989، حين انتقلنا من الحرب الباردة إلى لحظة أحادية القطبية»، لكن «ميليباند» عبّر عن قلقه العميق قائلاً: «نعرف جيداً مما نبتعد، عن عالم كانت فيه أمريكا هى ركيزة النظام الدولى، لكن لا نعرف إلى أين نحن ذاهبون، الحديث عن عالم متعدد الأقطاب يعطى إيحاءً كاذباً بالاستقرار، وهذا بعيد تماماً عن حقيقة الواقع».

وفى خطاب أمام مجموعة من الدبلوماسيين، أعرب وزير الخارجية الأمريكى السابق، أنتونى بلينكن، عن ذهوله من حجم الضرر الذى ألحقه الرئيس السابق «المعاد انتخابه»، دونالد ترامب، بتحالفات بلاده، بقوله: «أنفقت الولايات المتحدة 80 عاماً فى بناء الثقة والشراكات الاقتصادية والتحالفات العسكرية والسياسية، وإذا تم تقويض ذلك خلال 100 يوم فقط، سيكون من شبه المستحيل ترميمه».

وأضاف أن «الدول باتت تبحث عن طرق للعمل معاً، ولكن دون أمريكا»، وتابع الوزير الأمريكى السابق قائلاً: «فكرة أن ما يُقال اليوم يمكن أن يُلغى غداً، ثم يُعاد مرة أخرى، أصبحت تعنى ببساطة أن أحداً لم يعد يثق بالولايات المتحدة».

وأضافت «الجارديان» أن «ترامب»، الذى لطالما عبر عن إعجابه برؤية الرئيس الروسى، فلاديمير بوتين، لعالم تحكمه قوى كبرى تتقاسم النفوذ، سعى إلى إحياء مناخ «مؤتمر يالطا»، الذى عقد فى جمهورية القرم، على ساحل البحر الأسود، عام 1945، بمشاركة رئيسى الاتحاد السوفيتى، جوزيف ستالين، والولايات المتحدة الأمريكية، فرانكلين روزفلت، ورئيس الوزراء البريطانى، وينستون تشرشل، لوضع خطة تقسيم ألمانيا، وتشكيل نظام الأمن العالمى بعد الحرب العالمية الثانية، غير أن حلم الرئيس الأمريكى بإعادة تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ، بقيادة عدد محدود من الدول الكبرى، من دون أوروبا، لم يحقق النجاح الذى كان يتوقعه.

وتطرقت الصحيفة البريطانية إلى الوضع فى قطاع غزة، الذى يشهد حرب إبادة جماعية منذ نوفمبر 2023، حيث يشاهد العالم حصاراً خانقاً على الغذاء والمساعدات والأدوية، ورغم أوامر ملزمة من محكمة العدل الدولية، يواصل الاحتلال الإسرائيلى تنفيذ سياسة «الأرض المحروقة»، فى تحدٍّ سافر وغير مسبوق للمجتمع الدولى، وخلال الشهر الماضى وحده، شنت إسرائيل غارات على اليمن ولبنان وسوريا وغزة.

كما تواصل دفع الولايات المتحدة للسماح لها بضرب إيران، وبينما يحاول «ترامب» التزام الصمت، خرج وزير المالية الإسرائيلى المتشدد، بتسلئيل سموتريتش، ليصرّح علناً بأن غزة «ستُدمَّر بالكامل خلال ستة أشهر»، وأضاف أن سكان القطاع، الذى يعيش فيه نحو 2.5 مليون فلسطينى، سيتم حصرهم فى «شريط ضيق»، وذلك فى تكرار للخطة التى طرحها الرئيس الأمريكى فى وقت سابق، لتفريغ غزة من السكان، وهى تصريحات تتناقض كلياً مع شروط وقف إطلاق النار، التى تفاوض عليها مبعوث «ترامب» نفسه.

«ماكرون»: لا يمكننا الصمت على ما يجرى فى «غزة»

وأثارت تصريحات الوزير الإسرائيلى بعض ردود الفعل الدولية، حيث كانت فرنسا وبلجيكا من القلائل الذين تجرأوا على الرد على تلك الخطة، حيث قال الرئيس الفرنسى، إيمانويل ماكرون: «إذا كنا ندين روسيا لانتهاكها سيادة أوكرانيا، فلا يمكننا الصمت عندما يحدث الأمر ذاته فى غزة»، أما وزير الخارجية البلجيكى، ماكسيم بريفو، فقد وصف الحصار على غزة بأنه «وصمة عار»، مؤكداً أن «استخدام الجوع كأداة حرب أمر غير مقبول تماماً»، لكن الاتحاد الأوروبى فشل حتى فى إصدار بيان مشترك، ولم يجرؤ على اتخاذ «موقف حاسم»، مثل تعليق اتفاقية التجارة الحرة مع إسرائيل، كما اقترحت هولندا.

وعلى صعيد الوضع فى «بورتسودان»، الممر الحيوى للمساعدات الإنسانية إلى السودان، قصفت طائرات مسيّرة، تابعة لقوات «الدعم السريع»، البنية التحتية للميناء، فى مشهد مكرر يشبه القصف الإسرائيلى لميناء «الحديدة» فى اليمن، وفى 5 مايو، رفضت محكمة العدل الدولية الدعوى المقامة من الجيش السودانى، التى يتهم فيها دولة الإمارات العربية المتحدة بتقديم دعم عسكرى لميليشيات الدعم السريع، وجاء قرار المحكمة برفض الدعوى بسبب «عدم الاختصاص»، وكذلك الوضع فى إقليم «كشمير»، الذى عاد إلى واجهة التوتر بين دولتين نوويتين، الهند وباكستان، حيث تبادل الطرفان إطلاق النار، وسط مخاوف متزايدة بأن يلجأ أحد الطرفين إلى استخدام السلاح النووى، ومع أن الولايات المتحدة توسطت لاتفاق وقف إطلاق النار، عبر وزير خارجيتها، ماركو روبيو، ونائب الرئيس، جى دى فانس، فإن هذا الاتفاق يبقى «هشاً»، لا سيما بعد أن أعلن «فانس»، قبل يومين فقط، أن «الأزمة بين الهند وباكستان لا تعنى الولايات المتحدة».

لكن تبقى أوكرانيا هى المسرح الأبرز، حيث تتلاقى ملامح الحرب العالمية، فالخسائر البشرية فى صفوف الجيش الروسى تجاوزت، وفق تقديرات بريطانية، 900 ألف جندى، وهو عدد يفوق بكثير خسائر روسيا فى الشيشان وأفغانستان مجتمعتين، وتقول «هيل» إن «الصراع فى أوكرانيا يعيد تشكيل النظام الدولى»، حيث تدخل أطراف متعددة بمستويات مختلفة، وتتشابك المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية، حيث تقدم عدة دول، من بينها الصين وكوريا الشمالية وإيران، دعماً عسكرياً مباشراً أو غير مباشر لروسيا، عبر توريد الأسلحة والطائرات المسيرة، أو حتى المشاركة بقوات على الأرض، كما تقدم دول أخرى دعماً اقتصادياً لموسكو، مثل الهند، التى عقدت صفقات لشراء النفط والأسلحة الروسية بمئات المليارات من الدولارات، ما يجعل حياد «نيودلهى» إزاء الأزمة الأوكرانية موضع شك.

ومع غياب الثقة فى أمريكا، بدأت أوروبا، بقيادة فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا، التخطيط لما يُعرف بـ«قوة طمأنة أوروبية» فى أوكرانيا، وقبل نحو أسبوع، زار زعماء الدول الأربع «كييف» بشكل مشترك، للدعوة إلى وقف إطلاق النار، إلا أن منشوراً واحداً لـ«ترامب» على منصات التواصل الاجتماعى، يدعو فيه أوكرانيا إلى بدء مفاوضات مباشرة مع روسيا، كاد أن ينسف المساعى الأوروبية، وكان من نتيجته أن اضطر الرئيس الأوكرانى، فولوديمير زيلينسكى، إلى قبول دعوة «بوتين» لمحادثات فى «إسطنبول»، خوفاً من إغضاب «ترامب»، بحسب دبلوماسيين أوروبيين، وبذلك، يتأرجح مصير «القارة العجوز» بين رهانات على «واشنطن»، وخطط طوارئ لتقليل الاعتماد عليها.


مواضيع متعلقة