فاختار هذا الكاهن بلاد بوليڤيا بأمريكا الجنوبية ميداناً لغيرته ومحبته، وكان يعيش مع الطبقة الأكثر فقراً وبؤساً. وبما أن الماء هو العنصر الذى لا غنى عنه لحياة الإنسان والنبات والحيوان، فقد عكف على استخراجه من الأراضى القاحلة المحرقة عن طريق حفر الآبار والعيون، وكان هذا العمل شاقاً جداً ومحفوفاً بالمخاطر، لا سيما فى بلاد لا تملك أى وسيلة من آليات العصر، فالعامل البسيط هو دائماً تحت رحمة التراب الذى يمكن أن ينهار عليه ويدفنه حياً، بين لحظة وأخرى.
وذات يوم لاحظ الكاهن الغيور أن أحد العمال فى خطرٍ لا محالة له، فما كان منه إلا أن هرع إليه ودفعه بعيداً، وأخذ مكانه قائلاً له: «ليس لى زوجة ولا أبناء، فدعنى أقوم بعملك!»، وما هى إلا ثوانٍ معدودة حتى انهار الحائط على الكاهن وأنهى حياته؛ فذهب ضحية محبته وإنسانيته.
ومن الصدف العجيبة أن هذا الكاهن كتب لأحد أصدقائه قبل أيامٍ قليلة: «إننى بطيبة خاطر، أُضَحّى بحياتى، على شرط أن يحصل الهنود على الماء».
كم هى عظيمة التضحية فى سبيل الغير مهما كلّفنا الأمر! جميعنا يعلم بأن الله هو الحارس لنا، والمعتنى بنا والذى يهبنا كل شىء، ولكن هذا لا يعنى أن نقف مكتوفى الأيدى دون القيام بالدور المطلوب منّا. فالله يمنحنا الإيمان؛ ولكن يجب علينا أن نُظهره بشهادتنا وأعمالنا الصالحة مع الجميع، الله يعطينا الرجاء؛ ولكن يجب على كل واحدٍ منّا أن ينشر هذا الرجاء بين الناس الذين يتقابل معهم، الله يهبنا المحبة؛ ولكن يجب على كل شخصٍ منّا أن يحياها يوماً بعد يوم، ويسعى فى مساعدة الآخرين والتضحية من أجلهم. ما أشقى الإنسان الذى يعيش بدون هدف، لأنه كالمسافر الذى يسير على غير هُدى، ويضل الطريق ويصبح تعبه باطلاً. لذلك يجب علينا أن نضع أمامنا هدفاً واضحاً، ونحمل رسالة إنسانية ذات فائدة ومثمرة لخير البشرية مهما كلّفنا الأمر.
«إن العمل عبادة»، وكل مَنْ يبذل جهداً ويُضحّى فى سبيل الآخرين؛ إنما يعبِّر عن دوره فى الحياة. فالله يكافئنا على عملنا، عندما نقوم به بكل إخلاصٍ وتفانٍ، ويبارك كل شخصٍ أمين فى واجبه نحو الآخرين. إذاً يجب علينا ألا نعتبر العمل واجباً ثقيلاً، نؤديه مقابل ربح مادى أو أجر نحصل عليه فى نهاية الشهر، ولكنه رسالة سامية من أجل خيرنا وخير الآخرين والمجتمع الذى نعيش فيه. كما يجب علينا أن نتحلّى بروح العمل والمبادرة فى سبيل الغير، وأن نعمل بإرادة التحدّى لأنها تساعدنا على إتمام واجباتنا مهما كانت الظروف والمعوقات.
إن حياة الإنسان هى صراع متواصل منذ استيقاظه حتى يخلد للنوم، ولا يصمد أمام هذا إلا الشخص العالى الهمّة، ذو الأخلاق النبيلة، وصاحب القلب العامر بالإيمان. فالبطل الحقيقى هو من يصمد إزاء كل ما يعوقه عن القيام بعمله وواجبه، ويسعى إلى تحقيق رسالته على أكمل وجه، حتى يصل إلى فراشه ليلاً، ويختلى بنفسه شاكراً الله على كل ما قدّمه طوال النهار من خيرٍ وصلاح ونفع للغير، ثم ينام فى سلامٍ ليستيقظ فى الصباح الباكر بهمّة الأبطال الصالحين. كما يجب علينا أن نتمرّد على الكسل والروتين، ونبذل أقصى ما فى وسعنا لنكسب قوة وحيوية لعطاء أفضل. مما لا شك فيه أن هناك أشخاص يعملون ويتعبون للحصول على الرزق فقط، وهدفهم الوحيد هو الربح؛ ولكن من حُسن الحظ أن هناك آخرين يعملون لا طمعاً فى الربح، ولا سعياً إلى الرفاهية والمناصب؛ بل تلبية لنداءٍ داخلى يدعوهم إلى تقديم خدمة من أجل الآخرين. ونختم بالقول المأثور: «كُن كالشجرة، تحمل الثمار وتنشر الظلال. كُن كالمصباح، ينير الطريق ويملأه ضياء، كُن كالقصبة، تتلوَّى أمام الريح ولا تنكسر».