أهالي غزة أمام معركتين.. «التهجير أو الموت جوعاً»
أهالي غزة أمام معركتين.. «التهجير أو الموت جوعاً»
وسط تصاعد التوترات، واستمرار المجاعة التى تفتك بالسكان فى قطاع غزة، أصدر جيش الاحتلال الإسرائيلى أوامر جديدة بالإخلاء الفورى لمناطق واسعة من شمال القطاع الفلسطينى، الذى يواجه حرب «إبادة جماعية»، فى خطوة اعتبرها مراقبون مقدمة واضحة لعملية عسكرية جديدة تلوح فى الأفق، حيث تتزامن هذه الأوامر مع نزوح جديد لعشرات الآلاف من الفلسطينيين، أثار موجة واسعة من الانتقادات والنداءات الدولية العاجلة للسماح بإدخال مساعدات إنسانية إلى القطاع المحاصر بصورة فورية.
وبحسب صحيفة «نيويورك تايمز» فقد جاء تحذير جيش الاحتلال، عبر الناطق باسمه باللغة العربية، أفيخاى أدرعى، الذى أعلن أن مناطق شمال القطاع قد تتحول إلى «ساحات قتال خطرة» فى أى لحظة، داعياً السكان إلى التحرك نحو الغرب، باتجاه ساحل البحر المتوسط، ووفقاً لخرائط الإخلاء لم يتبقَّ سوى عدد قليل من أحياء مدينة غزة الشمالية لم تشملها أوامر الإخلاء، خلال الأيام العشرة الماضية، وهو ما يعكس اتساع نطاق التصعيد المحتمل.
واعتبرت الصحيفة الأمريكية أن غالبية سكان شمال غزة يعيشون فى حالة «نزوح دائم»، إذ سبق أن اضطروا إلى مغادرة منازلهم منذ بدايات الحرب فى أكتوبر 2023، ومع تدهور الوضع الإنسانى وندرة الغذاء والدواء باتت المجاعة واقعاً يومياً يتهدد حياة مئات الآلاف، فى ظل شحّ المساعدات، وعدم وصولها إلى هذه المناطق المنكوبة، فى ظل استمرار العدوان الإسرائيلى على كافة أنحاء القطاع، بدعوى القضاء على حركة «حماس»، التى تسيطر على غزة منذ سنوات، فى أعقاب الهجوم الذى شنته الحركة الفلسطينية على عدد من المستوطنات الإسرائيلية فى «غلاف غزة»، فى السابع من أكتوبر 2023، وأسفر عن مقتل نحو 1200 شخص، ومع انهيار اتفاقات وقف إطلاق النار، منذ مارس الماضى، فرضت إسرائيل حصاراً شاملاً على المساعدات الإنسانية، واتهمت «حماس» بالاستيلاء على تلك المساعدات وبيعها، لتحقيق مكاسب، والسيطرة على السكان.
وأضافت «نيويورك تايمز»، فى تقريرها، أنه رغم إطلاق آلية جديدة لإيصال المساعدات للسكان المحاصرين فى قطاع غزة، الأسبوع الماضى، بدعم من إسرائيل والولايات المتحدة، عبر ثلاثة مراكز توزيع، فى جنوب ووسط القطاع، فإن الشكوك ما زالت تحيط بفاعلية هذه الخطوة، وقد أعلنت «مؤسسة غزة الإنسانية»، وهى الجهة المسئولة عن تشغيل هذه المراكز، أنها وزعت 2.1 مليون وجبة فى الأيام الأربعة الأولى فقط، وقال المدير التنفيذى المؤقت للمؤسسة، جون أكرى: «رغم صعوبة الظروف المحيطة بنا، إلا أن جهودنا بدأت تؤتى ثمارها، من خلال تقديم العون الممكن إلى سكان غزة».
إلا أن الواقع على الأرض يكشف صورة أكثر قتامة، حيث تتفاقم حالة الفوضى وانعدام الأمن حول مراكز التوزيع ومخازن الأغذية، فى حين أن الكميات التى تصل لا تزال بعيدة جداً عن سدّ الاحتياجات الفعلية، وفى ظل ذلك، وجهت عدة دول أوروبية، على رأسها فرنسا وألمانيا، تحذيرات شديدة اللهجة إلى حكومة الاحتلال الإسرائيلى، ففى مؤتمر أمنى عُقد فى سنغافورة يوم الجمعة الماضى، قال الرئيس الفرنسى، إيمانويل ماكرون، إنه «إذا لم يتم التعامل مع الوضع الإنسانى خلال الساعات القادمة، فسنضطر إلى اتخاذ موقف جماعى أكثر صرامة، لا يمكن السماح باستمرار هذه الكارثة»، وكذلك شكك وزير الخارجية الألمانى، يوهان واديبول، فى مدى التزام الحملة الإسرائيلية فى غزة بالقانون الدولى، ولوَّح باحتمال إعادة النظر فى استمرار شحنات الأسلحة إلى تل أبيب.
وفى المقابل، ردَّت حكومة الاحتلال الإسرائيلى، برئاسة بنيامين نتنياهو، بغضب على تصريحات الرئيس الفرنسى، الذى اتهمته بـ«الانحياز لحركة حماس»، وزعمت، عبر بيان لوزارة الخارجية، أن «إسرائيل تسهِّل دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع»، وأضافت أن «الحقائق لا تهم ماكرون»، فى إشارة إلى أنه يتجاهل ما تقوم به الحكومة من جهود، بحسب الرواية الإسرائيلية.
من جانبها، رفضت الأمم المتحدة وعدد من المنظمات الإنسانية التعاون مع «مؤسسة غزة الإنسانية»، ووصفتها بأنها «آلية توزيع عسكرية الطابع، تنتهك المبادئ الإنسانية»، ووصف ينس لاركى، المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية، الوضع فى غزة بأنه «الأشد جوعاً على وجه الأرض»، متهماً إسرائيل بـ«ضخ الطعام بالتنقيط، فى منطقة على وشك الانهيار الكارثى».
وتزداد الأمور تعقيداً مع غموض يكتنف مقترحاً جديداً لوقف إطلاق النار، قدَّمه المبعوث الأمريكى، ستيف ويتكوف، ويشمل الإفراج عن عدد من الرهائن الإسرائيليين، أحياءً وأمواتاً، مقابل إطلاق مئات المعتقلين الفلسطينيين، ويشير المقترح، الذى حظى بموافقة حكومة الاحتلال، إلى بدء هدنة لمدة 60 يوماً، تسمح بتدفق المساعدات عبر قنوات تديرها الأمم المتحدة، على أن تستمر المفاوضات خلالها، لكن «حماس»، التى تقول إنها لا تزال تدرس المقترح، أبدت تحفظات عليه، معتبرة أنه لا يتضمن ضمانات كافية لإنهاء الحرب بشكل دائم، وهو أحد أبرز مطالبها، وفى المقابل تصر إسرائيل على الاحتفاظ بحق استئناف القتال، ما لم تُسلِّم حماس أسلحتها وتعلن استسلامها، فى حين تتمسك الحركة بضرورة التوصل إلى وقف دائم للعدوان، وانسحاب كامل للجيش الإسرائيلى من قطاع غزة.
واختتمت «نيويورك تايمز» تقريرها بالقول إنه فى ضوء كل ذلك، يواجه سكان غزة «معركة متعددة الأوجه»، ما بين «نزوح جديد يلوح فى الأفق، ومجاعة حقيقية تهدد حياة الملايين، ومفاوضات سياسية معقدة تترنح بين الأمل والخديعة»، وبينما تمضى إسرائيل فى خططها العسكرية، يتزايد ضغط المجتمع الدولى، لكن دون ضمانات حقيقية على الأرض، ويحدث كل هذا فى منطقة لا تزال تلملم جراحها من صراعات عقود طويلة، بينما تدفع الأجيال الجديدة الثمن الأكبر.