أسرار جديدة عن مؤسسة غزة الإنسانية.. مصيدة الموت وما خفي كان أعظم

كتب: محمد عبد العزيز

أسرار جديدة عن مؤسسة غزة الإنسانية.. مصيدة الموت وما خفي كان أعظم

أسرار جديدة عن مؤسسة غزة الإنسانية.. مصيدة الموت وما خفي كان أعظم

بينما كان آلاف الفلسطينيين ينتظرون المساعدات عند إحدى نقاط التوزيع في رفح جنوبي قطاع غزة، أثارت مؤسسة غزة الإنسانية الجديدة واحدة من أكثر آليات التوزيع قلقًا وغموضًا، ومع سقوط شهداء وتخلي الأمم المتحدة ومنظمات إنسانية كبرى عن التعاون معها، تتصاعد الشكوك حول طبيعة هذه المؤسسة الغامضة، وتزداد المؤشرات على وجود خلل قانوني وهيكلي في تأسيسها.

يستمر الجدل بشأن المؤسسة الجديدة يوم وراء آخر، فبعد أن رفضت الأمم المتحدة والمنظمات الأخرى التعاون معها، استقال المدير التنفيذى لها، جيك وود، وبرر أن خطة التوزيع غير ممكنة وتلحق ضررًا بالغًا بالمدنيين، كما استقال اليوم الثلاثاء، الثالث من يونيو، مسؤولين آخرين للسبب نفسه، لكن، لماذا لا يُعرف الكثير عن المؤسسة وعملها؟ ولماذا أطلق عليها «غامضة»؟

مؤسسة غزة الإنسانية.. واحدة في جنيف وأخرى في ديلاوير الأمريكية

تملك مؤسسة غزة الإنسانية مقرَّين بلا عنوان، أحدهما في ولاية ديلاوير الأمريكية، والآخر في جنيف بسويسرا، وذلك وفقًا لوثيقة اطّلعت عليها «الوطن».

تأسست في 11 فبراير الماضي، تحت غطاء مؤسسة أخرى غير ربحية، اسمها «Stiftung»، ويقع مقرها بجنيف، ووفقًا لموقع دليل المؤسسات بجنيف «Fundraiso»، فاللغة الرسمية لها هي الفرنسية، وتعمل في مجالات الرعاية الصحية، والإغاثة الإنسانية، ومكافحة الفقر، والمياه النظيفة، والثقافة والفنون.

ورئيس فرع المؤسسة في سويسرا هو ديفيد بابازيان، وهو رجل أعمال أمريكي أرميني، شغل منصب المدير التنفيذي لصندوق المصالح الوطنية الأرمينية «ANIF» منذ تأسيسه في عام 2019 وحتى يناير 2024، وأطلق عدة مشروعات استثمارية، لكن بداية العام الماضي، تمت إقالته وسط حالة من الغموض، وبعدها، كشف وزير الاقتصاد الأمريني فاهان كيروبيان، بوجود مشاكل في الصندوق تتعلق بالمساءلة والشفافية وحوكمة الشركات، وفقًا لوسائل إعلام أرمينية، مما يعطي مزيدًا من الغموض حول قيادة مؤسسة غزة.

تقول وزارة الخارجية السويسرية، ردًا على أسئلة «الوطن» بشأن الوضع القانوني لمؤسسة غزة الإنسانية في جنيف، إنها تأسست في 3 فبراير الماضي، ومقرها ولاية ديلاوير الأمريكية، ولها فرع آخر في سويسرا سُجل في جنيف في 12 فبراير الماضي، وأشارت إلى أن المؤسسة بصفتها خاصة، تخضع بموجب القانون السويسري لإشراف للهيئة الفيدرالية للرقابة على المؤسسات «ESA».

وأكدت أن مهمة الهيئة التحقق من التزام المؤسسات في سويسرا بأنشطتها وفقًا لأنظمتها الأساسية، ومن استخدام أصولها وفقًا لأنظمتها.

مساعدات مؤسسة غزة الإنسانية

فرع جنيف لا يفي بالالتزامات القانونية

وكانت المفاجأة في تقييم الهيئة الفيدرالية للرقابة على المؤسسات بجنيف، هو أن فرع مؤسسة غزة الإنسانية هناك، لا يفي بالعديد من الالتزامات القانونية، فلا يوجد عضو مُوقِع في مجلس إدارة المؤسسة مُقيم في سويسرا، ولا يتوفر الحد الأدنى لعدد أعضاء مجلس إدارة المؤسسة، وهو 3 أعضاء، المنصوص عليه في النظام الأساسي، كما لا يوجد حساب مصرفي للمؤسسة في سويسرا وليس لديها عنوان ولا مدقق حسابات.

وبناءً على تلك المعلومات، قالت وكالة الأمن الأوروبية، لـ«الوطن»، إنّ فرع المنظمة في سويسرا لم يبدأ نشاطه بعد، كما أكدت الوكالة، أنها تواصلت مع المؤسسة، وأبلغتها بمتطلباتها القانونية، وطلبت منها توضيح الوضع، وأشارت إلى أنه تعمل على تقديم التوضحيات اللازمة.

من يقف وراء مؤسسة غزة الإنسانية؟

لمعرفة الجهات والأطراف المسؤولة عن إدارة المؤسسة، بحثت «الوطن» عن علاقات تربطها بشركات أمريكية ذات نشاطات أمنية في الشرق الأوسط، منها شركة Safe Reach Solutions، وهي شركة مقاولات عسكرية أمريكية يديرها فيليبي رايلي، وهو ضابط سابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.

وقدمت الشركة الأمريكية عبر تطبيق «لينكد إن» إعلان توظيف، وطلبت شخص للعمل كموظف اتصال رئيسية بين حلول الوصول الآمن والمنظمات الإنسانية، بما في ذلك المنظمات غير الحكومية ووكالات الأمم المتحدة، وأن يتمتع بخبرة واسعة في الشرق الأوسط، وفهم عميق لمبادئ العمل الإنساني وأن يتحدث اللغة العربية بطلاقة.

ومن هنا، كان الربط بين Safe Reach Solutions وبين منظمة غزة الإنسانية، لكن لا يوجد تأكيد رسمي عن أنهما تابعيّن لبعضهما، لكن صحيفة «التايمز» الأمريكية، و«فايننشال تايمز»، ربطت بين الشركتين أيضًا.

مهام عسكرية استخباراتية

وبحسب منظمة «شومريم» الإسرائيلية المتخصصة في الصحافة الاستقصائية، فالشركة الأمريكية تقوم بمهام عسكرية استخباراتية بحتة، وتستخدم البيانات البصرية والطائرات المسيرة والأقمار الصناعية في عملها، وفقًا لمراسلات داخلية قالت إنها حصلت عليها.

وتواصلت «الوطن» مع مؤسسة غزة الإنسانية للحصول على بعض التوضيحات بشأن عملها في غزة، لكن لم ترد على طلبات الاستفسار عبر البريد الإلكتروني، بينما عبر الواتساب، رحب أحد العاملين بنا قائلًا: «أقدر جهودك، هل تسمح لي بالحصول على إذن للتحدث معك أو أن أرسل لك شخصًا يمكنه مساعدتك؟»، ولم يرد على طلبات الحديث مرة أخرى.

يذكر أن منظمة Safe Reach Solutions كانت تعمل على تفتيش الفلسطينيين المدنيين خلال عودتهم من جنوبي قطاع غزة إلى الشمال، خلال وقف إطلاق النار بين الاحتلال الإسرائيلي وحماس شهر يناير الماضي.

وكشفت صحيفة «واشنطن بوست»، إن شركة استشارات أمريكية اسمها «مجموعة بوسطن الاستشارية - BCG»، كانت تعمل مع مؤسسة غزة الإنسانية، سحبت فريقها الميداني في تل أبيب، وأعطت أحد كبار الشركاء الذين يقودون المشروع إجازة مؤقتة، ريثما تجرى مراجعة داخلية، وفقًا لما اطلعت عليه الصحيفة الأمريكية.

طلبات لمراقبة أنشطة مؤسسة غزة الإنسانية

وكانت شركة «ترايل إنترناشيونال - TRIAL International»، ومقرها جنيف بسويسرا، قدمت طلبًا للحكومة السويسرية لمراقبة أنشطة مؤسسة غزة الإنسانية هناك، وقال المتحدث باسم الشركة في تصريحات لـ«الوطن»، إنه قدمت طلبًا عاجلًا لمعالجة ومراجعة انتهاكات محتملة من قِبل منظمة غزة الإنسانية لقواعد القانون الوطني والدولي المختلفة، لا سيما فيما يتعلق بخدمات الأمن الخاصة في إطار أنشطة المنظمة، مثل عسكرة أمن نقاط التوزيع ومراقبة الأفراد.

وسألنا شركة TRIAL International عن معلوماتها المتعلقة بمصادر تمويل المؤسسة الإغاثية، لكنها أكدت أنها لا تمتلك أي معلومات عن تمويلها، وأضاف المتحدث، أن إنشاء نقاط توزيع في مناطق جغرافية مُستهدفة محددة يُقيد بشدة وصول المساعدات الحيوية لشريحة كبيرة من السكان في غزة، والذين قد يُجبرون - إن استطاعوا - على الانتقال.

وأضاف: «قد تُؤدي هذه الممارسة إلى التواطؤ في التهجير القسري، وهي جريمة حرب وفقًا للقانون الإنساني الدولي».

من جانبه، أكدت الخارجية السويسرية لـ«الوطن»، أن وكالة الأمن الأوروبية ووزارة الخارجية الفيدرالية تلقت إخطارًا من شركة ترايل إنترناشونال بشأن طبيعة عمل المؤسسة الإنسانية في غزة.

مساعدات مؤسسة غزة الإنسانيةمساعدات مؤسسة غزة الإنسانية

تحقيقات جارية في سويسرا

وقالت الخارجية السويسرية، أن وزارة الخارجية هي الجهة المختصة بالقانون الفيدرالي بشأن خدمات الأمن الخاصة المقدمة في الخارج والمعروف بـ«PSSA»، والذي يُنظم طبيعة عمل الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين الذين يقدمون خدمات أمنية خاصة من سويسرا ويخضعهم لشرط الإقرار المسبق، وتشمل الخدمات التي تندرج ضمن نطاق القانون حماية الأشخاص وحراسة أو مراقبة السلع والممتلكات في البيئات المعقدة، بالإضافة إلى الدعم التشغيلي واللوجستي للقوات المسلحة وقوات الأمن.

وكجزء من ولايتها القانونية، تدرس وزارة الخارجية السويسرية ما إذا كان فرع مؤسسة غزة الإنسانية بجنيف اضعًا لشرط الإقرار الخاص بالقانون، ولم يُنشر أي تفاصيل جديدة حول محتوى التحقيقات الجارية.


مواضيع متعلقة