منابر لـ«التكفير وشرعنة الدماء».. فقه إخواني في مواجهة مؤسسات الدولة

كتب: سهيلة هاني

منابر لـ«التكفير وشرعنة الدماء».. فقه إخواني في مواجهة مؤسسات الدولة

منابر لـ«التكفير وشرعنة الدماء».. فقه إخواني في مواجهة مؤسسات الدولة

خبراء: فتاوى العنف جزء من منهج التنظيم الإرهابى للإخوان طوال تاريخه وأسهم بشكل مباشر فى إنتاج بيئة متشدّدة ومعادية لقيم الإسلام المعتدلة

«نوح»: الجماعة الإرهابية وظّفت النصوص الشرعية لخدمة مشروعها السياسى وتضليل الشباب وصناعة خطاب دينى متشدّد يبرر العنف والخروج على الدولة

مثّلت الفتاوى المتشدّدة إحدى أبرز الأدوات التى استخدمتها جماعة الإخوان منذ تأسيسها لترسيخ مشروعها السياسى، وتثبيت شرعيتها بين أتباعها عبر خطاب دينى مُفخّخ يُضفى على العنف طابعاً دينياً زائفاً، وعلى مدار تاريخها، لم تتردّد الجماعة فى توظيف النصوص الدينية خارج سياقها، من أجل تبرير إراقة الدماء، والتحريض ضد مؤسسات الدولة، وعلى رأسها السلطة القضائية، ووسائل الإعلام، والمسئولون الحكوميون.

وتُظهر الشواهد التاريخية أن الفتاوى التى صدرت عن رموز الجماعة، لم تكن مجرد اجتهادات دينية قابلة للنقد أو التصويب، بل جاءت فى كثير من الأحيان بصيغة إلزامية لاستخدام العنف كوسيلة مشروعة للوصول إلى الحكم أو الحفاظ على مكاسبهم وتنفيذ أجنداتهم. وقد لعبت هذه الفتاوى دوراً خطيراً فى إنتاج عقلية تنظيمية ترى فى المخالف عدواً يجب عزله أو إقصاؤه أو حتى تصفيته.

وقد بلغ هذا النهج ذروته خلال عام حكم الجماعة لمصر (2012 - 2013)، حين اتّسع نطاق الفتاوى التحريضية التى خرجت من منابر وقيادات محسوبة على الجماعة أو متحالفة معها، لتطال القضاة والإعلاميين والمعارضين، وتُكفّر من يخرج عن الشرعية، كما تصفها الجماعة، وتُحرّض على معارضيها صراحة تحت غطاء دينى. وشهدت تلك الفترة استخداماً ممنهجاً للفتاوى بشكل لم يُشهد له مثيل فى تاريخ الدولة المصرية الحديثة، مما أسهم فى تأجيج الوضع والانقسامات وزيادة العنف داخل المجتمع، مما تحول إلى سبل وآليات مهّدت لثورة شعبية واسعة فى 30 يونيو 2013 أطاحت بحكم الجماعة.

وفى تقرير سابق من مؤشر الإفتاء العالمى، تناول خطورة فتاوى تلك الجماعة، أكد أن «الإخوان» الإرهابية وباقى التنظيمات المتطرّفة وظّفت الفتوى بصورة مؤصّلة لخدمة أغراضها القتالية، مشيراً إلى أن الكثير من الفتاوى لعبت على ترسيخ العقيدة القتالية لدى أتباع هذه التنظيمات، علاوة على أنها حملت ألفاظاً معينة لبث روح القتال والعدوان فى نفوس أتباعها، إضافة إلى ربط هذه الألفاظ والفتاوى بالتذكير بالثواب المنتظر فى الجنة والنعيم الدائم بها لمن مات وهو يجاهد فى صفوفهم، والتمكين والانتصار لمن يظل على قيد الحياة.

وتتبع المؤشر العالمى للفتوى مجموعة من فتاوى جماعة الإخوان وعمل على تحليل محتواها وألفاظها أيضاً، ليكشف عن تلاقى أفكار هذه التنظيمات فى معاداة الأوطان لأجل نصرة التنظيمات، واختصار مفهوم الجهاد فى الموت والإرهاب.

وأكد الدكتور مختار نوح، المفكر السياسى، أن فتاوى جماعة الإخوان الإرهابية التى تناولت مفاهيم القتل والتكفير، لم تكن مجرد اجتهادات دينية عشوائية أو فردية، بل كانت جزءاً لا يتجزّأ من منهج الجماعة الذى وظف النصوص الشرعية لخدمة مشروع سياسى خاص، يهدف إلى فرض هيمنة الجماعة على الدولة والمجتمع، مضيفاً أن هذه الفتاوى استُخدمت بشكل منهجى ومنظّم فى صناعة خطاب دينى مُتشدّد يسعى لتهيئة كوادر الجماعة نفسياً وشرعياً لتقبل ممارسة العنف واستخدام القوة متى اقتضت الحاجة.

وأوضح «نوح»، فى تصريحات خاصة لـ«الوطن»، أن «الإخوان» اعتمدت منذ عقود على خطاب مزدوج، يخاطب الجمهور الخارجى بلغة سلمية منمّقة، بينما تستخدم فى أدبياتها الداخلية، وتحديداً فى حلقاتها التنظيمية المغلقة، نصوصاً وفتاوى تصب فى اتجاه تبرير العنف والخروج على الدولة، وتكفير الأنظمة الحاكمة وكل من يخالفها فكرياً أو سياسياً. وبيّن المفكر السياسى أن هذه الازدواجية لعبت دوراً خطيراً فى تضليل الشباب واستقطابهم، حيث تتم تغذيتهم بأفكار تدعو إلى تكفير المجتمع واعتبار الحاكم مرتداً، مما يحوّل البيئة التنظيمية إلى حاضنة للتطرف والإرهاب، مشيراً إلى أن ما يُعرف داخلها بـ«فقه الجماعة» لا علاقة له بالمنهج الوسطى الذى يُعرف به الأزهر الشريف، بل هو فقه مغلق يقوم على تأويل محرّف للنصوص، يضع التنظيم فوق الدين، ويجعل من الولاء للجماعة معياراً وحيداً للصواب، مؤكداً أن هذا الفكر لا يُنتج إلا العنف والفوضى، ولا يؤدى إلا إلى تشويه صورة الإسلام أمام العالم، حيث يظهره ديناً يدعو إلى القتل والكراهية، وهو برىء من ذلك تماماً.

وأضاف أن التصدى لهذا الانحراف يجب أن يكون شاملاً، بتفكيك الأسس الفكرية التى قامت عليها هذه الفتاوى، وتقديم خطاب دينى بديل، قائم على الوسطية والرحمة، يعيد للإسلام صورته الحقيقية كدين يدعو إلى السلام والتعايش واحترام الآخر.

فيما شدد الدكتور رفعت سيد أحمد، الباحث المتخصّص فى شئون الجماعات الإسلامية، على خطورة الفتاوى التى أصدرتها «الإخوان» الإرهابية عبر تاريخها، والتى تبنّت فيها خطاباً تكفيرياً يحض على العنف ويبرّر القتل، مؤكداً أن هذه الفتاوى كان لها أثر بالغ السلبية على استقرار المجتمعات، وأسهمت بشكل مباشر فى إنتاج بيئة فكرية متشدّدة ومعادية لقيم الإسلام الحقيقية التى تقوم على الرحمة والتسامح واحترام الآخر.

وأوضح «رفعت» أن الجماعة منذ نشأتها لم تتعامل مع الدين باعتباره رسالة هداية وأخلاق، بل حولته إلى أداة فى الصراع السياسى، واستخدمته كغطاء لتبرير الاعتداء على الخصوم السياسيين، بل وتصفيتهم جسدياً، مُستشهداً بعمليات الاغتيال التى طالت شخصيات بارزة فى تاريخ مصر، مثل القاضى أحمد الخازندار، ورئيس الوزراء الأسبق محمود فهمى النقراشى، مؤكداً أن هذه الجرائم لم تكن حوادث فردية أو عشوائية، بل كانت ناتجة عن خطاب دينى متطرّف يتبنّى الكراهية ويدعو إلى العنف تحت ستار الدين.

وأشار الباحث إلى أن التحول الأخطر فى مسار جماعة الإخوان جاء مع تبنيها أفكار سيد قطب، الذى رسّخ مفاهيم خطيرة مثل «الجاهلية» و«الحاكمية»، مما أدى إلى تكفير المجتمعات ومؤسسات الدولة، وتبرير العنف المسلح تحت دعاوى دينية مغلوطة، كما أن هذه المرحلة مثّلت نقلة نوعية فى فكر الجماعة، حيث تحوّل الخطاب من دعوى تنظيرى إلى تحريضى ميدانى.

وشدّد على أن مواجهة هذا الفكر المتطرف لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل يجب أن تكون مواجهة شاملة تضم البعد الفكرى والدينى والقانونى أيضاً، لافتاً إلى أن الخطاب الذى تتبناه هذه الجماعة يُمثل انحرافاً صارخاً عن جوهر الإسلام، الذى يدعو إلى السلام ويرسّخ مبادئ الرحمة والعدل، ويرفض تماماً كل أشكال التكفير والعنف المسلح.

ومن جانبه، قال الدكتور نجاح الريس، أستاذ العلوم السياسية، إن فترة حكم الإخوان لمصر كانت واحدة من أخطر الفترات التى تم فيها استخدام الفتوى الدينية كأداة سياسية لتبرير العنف والإقصاء، بل والتحريض على القتل، موضّحاً أنها خلال عام حكمها، سمحت بانتشار فتاوى علنية على المنابر والشاشات تُكفّر المعارضين، وتُحل دماء من يخالف توجّهات التنظيم، وهو أمر خطير من الناحية الشرعية والدستورية.

وأشار «الريس» إلى أن مشاهد التحريض العلنى على قتل المتظاهرين فى ميادين مصر، واتهام المعارضين بأنهم خوارج أو أعداء الشريعة، تمت تحت غطاء فتاوى دينية صادرة من رموز تابعة أو قريبة من الجماعة، دون أى محاسبة، مضيفاً أن ما حدث فى محيط قصر الاتحادية من اعتداءات دموية على المتظاهرين، وكذلك محاصرة المحكمة الدستورية العليا ومدينة الإنتاج الإعلامى، لم تكن مجرد تصرفات فردية، بل جاءت نتيجة منظومة فكرية وتعبوية منظمة، استندت إلى خطاب دينى مُتشدّد يشرعن العدوان.

وأكد أستاذ العلوم السياسية أن الجماعة لم تكتفِ بسوء الإدارة، بل استخدمت الدين لتبرير القمع السياسى، وهو أخطر أنواع الاستغلال، لأنه يُضفى هالة من القداسة على ممارسات باطشة، لافتاً إلى أن هذه الفترة كشفت كيف يمكن توظيف الفتوى لخدمة مشروع سلطوى، حتى لو أدى إلى تقسيم المجتمع وإراقة الدماء. وتابع أن ما ارتُكب فى تلك المرحلة يجب ألا يُنسى أو يُغض الطرف عنه، ويجب أن يُدرس قانونياً وتاريخياً بوصفه نموذجاً واضحاً لاستغلال الدين فى السياسة، داعياً إلى توثيق تلك الانحرافات الفكرية والتنظيمية حتى لا تتكرر فى المستقبل.


مواضيع متعلقة