الدكتور عاصم الدسوقي: الاحتلال البريطاني جنَّد حسن البنا لتفتيت مصر.. وساعدوه ماليا لمواجهة الحركة الوطنية

كتب: إمام أحمد

الدكتور عاصم الدسوقي: الاحتلال البريطاني جنَّد حسن البنا لتفتيت مصر.. وساعدوه ماليا لمواجهة الحركة الوطنية

الدكتور عاصم الدسوقي: الاحتلال البريطاني جنَّد حسن البنا لتفتيت مصر.. وساعدوه ماليا لمواجهة الحركة الوطنية

كشف المؤرخ د. عاصم الدسوقى، أستاذ التاريخ الحديث، حقيقة النشأة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، ودور بريطانيا فى توظيف مؤسسها حسن البنا أداةً لتفكيك الدولة المصرية وبثّ الفتنة الطائفية خدمةً للمشروع الاستعمارى. ويعرض «الدسوقى»، فى حواره لـ«الوطن»، ما وصفه بـ«تاريخ الخيانة» التى ارتكبتها الجماعة منذ تأسيسها عام 1928 وحتى عام حكمها لمصر بين 2012 و2013، مؤكداً أن ثورة 30 يونيو جاءت كضرورة تاريخية لإنقاذ الهوية الوطنية وإجهاض مخطط «الشرق الأوسط الكبير»، الذى يستهدف تقسيم العالم العربى إلى دويلات على أسس دينية وعرقية.. وإلى نص الحوار:

■ كيف نشأت جماعة الإخوان فى عام 1928؟

- نشأت لتلبية أفكار مؤسسها حسن البنا وطموحه فى أن يكون زعيماً دينياً ومؤثراً فى المجتمع، وكذلك لخدمة مصالح الاحتلال البريطانى.

■ وهل الاحتلال البريطانى وظّف جماعة الإخوان لخدمة مصالحه قبل ثورة 1952؟

- نعم، هذا أمر ثابت تاريخياً، وليس قبل ثورة يوليو 52 فقط، بل هى فكرة قديمة ترجع إلى ما قبل معاهدة 1936. الاحتلال كان يبحث عن قوة «دينية» تُجهض النزعة الوطنية التى توهجت مع الحركة الوطنية المصرية بدءاً من أحمد عرابى ومصطفى كامل ومحمد فريد، خاصة مع ثورة 1919 وظهور زعيم آخر على الساحة هو سعد زغلول وحزب الوفد، فى هذه الأثناء كان الحس الوطنى متوهجاً، فالاحتلال قرر أن يواجه الحركة الوطنية بفكرة من الداخل، فكرة طائفية دينية، يسهل عليه توظيفها وتوجيهها والسيطرة عليها، فوجد ضالته فى حسن البنا عندما كان مدرساً فى الإسماعيلية، وكان يتطلع أن يكون زعيماً دينياً، فالتقطته بريطانيا ووظفته.

■ كيف وظّفت بريطانيا حسن البنا.. هل قدمت له الأموال مثلاً؟

- نعم، بريطانيا موّلت حسن البنا وجندته لتفتيت مصر والحالة المصرية، وأعطت له مساعدات مالية وتبرعات لينشر دعوته ويبدأ فى توسيع قاعدة جماعته الوليدة فى 1928، وسمحت له بالانتقال إلى القاهرة بدلاً من الإسماعيلية لتوسيع الدعوة بعد ذلك. كان الهدف واضحاً: نشر خطاب «الدولة الدينية» لكسر مشروع الدولة الوطنية الذى تقوده الحركة السياسية المصرية، ومن أجل تحقيق هذا الهدف قدمت له تسهيلات كبيرة.

■ ما التسهيلات الأخرى التى قدمتها بريطانيا لحسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان، حينذاك؟

- إلى جانب الدعم المالى، سهّلت بريطانيا لـ«البنا» وظيفة حكومية منتظمة، وضمنت له راتباً ثابتاً ومقراً دعوياً، ثم تدخّلت لإعادته من الصعيد إلى القاهرة حين بدأت الحكومة المصرية تضيق بأنشطته. استُخدمت المساجد والمقاهى الشعبية منصّات لتجنيد الأتباع تحت مرأى ومسمع، بل وحماية، من الاحتلال نفسه، ونمت الجماعة مالياً وتنظيمياً تحت مظلة حماية بريطانية، ثم ادعت الجماعة بعد ذلك أنها كانت تحارب الاحتلال وتجاهد ضد الأعداء، وهذا غير صحيح. بل هذا كان مجرد خطاب دعائى لكسب عناصر تنظيمية، لكن فى حقيقة الأمر الجماعة نشأت برعاية من الإنجليز، وحصلت على أموال ومساعدات من الإنجليز، ولعبت أدواراً تخدم مصالح ومخططات الإنجليز.

■ ما طبيعة الأدوار التى قامت بها الجماعة لخدمة أجندة الاحتلال البريطانى قديماً؟

- أولاً التأثير على شعبية وقوة الحركة الوطنية المصرية، والتشكيك فى عقيدة رموز الحركة الوطنية المصرية، ومحاولة التأثير على صورتهم لدى العوام. الأمر الثانى هو زرع بذرة الفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين، ومحاولة تقسيم المجتمع دينياً واستخدام الشعارات الدينية بدلاً من الشعارات الوطنية التى يلتف حولها الناس. هذا هو أخطر شىء قامت به جماعة الإخوان فى تلك الفترة، إلى جانب جرائم أخرى؛ جرائم عنف واغتيالات للخصوم السياسيين باسم «التنظيم الخاص». وبالمناسبة حسن البنا نفسه كان ضحية لهذا التنظيم فى وقت لاحق، وهذه الحلقة المبكرة تؤكد أن العنف والإقصاء هما صلب منهج الجماعة منذ الولادة.

■ كيف كان «البنا» ضحية التنظيم الخاص.. هل التنظيم هو من قتل حسن البنا؟

  • نعم، التنظيم الخاص للإخوان هو من قتل مؤسس الجماعة حسن البنا، التنظيم كان تم اختراقه وتوجيهه، وأصبح يُستخدم كأداة ضد الخصوم، وضد الجماعة نفسها. وهذا ليس عجيباً ولا غريباً، الإخوان يؤمنون بأن الغاية تبرر الوسيلة، وبالتالى لا مانع من التعامل مع الاحتلال، ولا مانع من خدمة مصالح قوة معادية، ولا مانع من تصفية الخصوم، إذا اختلفت المصالح.

..

■ كيف كان موقف الإخوان من «عبدالناصر».. من الاقتراب إلى محاولة الاغتيال؟

- الإخوان يحاولون تملق أى حاكم أو سلطة طالما أنها فى مرحلة قوة، وإذا وجدوا الفرصة سانحة أو اختلفت المصالح حاولوا الانقضاض على السلطة. هذا حدث مع «عبدالناصر»، فى البداية الإخوان لم يتصادموا، ثم عندما وجدوا ميلاداً لزعيم حقيقى دخل فى صدام معلَن مع القوى الاستعمارية، وحاول إجراء إصلاحات اجتماعية واقتصادية حقيقية، وحظى بشعبية واسعة سريعاً، حاول الإخوان تصفيته فى حادث المنشية الشهير، وبالمناسبة بريطانيا رأت أن الإخوان وسيلة لعرقلة المشروع التحرّرى لـ«عبدالناصر».

■ ما ردك على من يقول إن حادث المنشية لم يكن حقيقياً.. وإنه حادث دعائى تمت صناعته من «عبدالناصر» نفسه؟

- هذا كذب، ومن يقول هذا الكلام عليه قراءة كتب التاريخ، حادث المنشية حقيقى، والإخوان حاولوا اغتيال «عبدالناصر»، والإنجليز أنفسهم اعترفوا بذلك، والتاريخ كوقائع ليس فيه وجهات نظر، يعنى محدش يقول لى أنا وجهة نظرى إن حادث المنشية غير حقيقى، أقول له: أين دليلك؟.. الواقعة تمت، والمتهم قُبض عليه، والإنجليز اعترفوا بها، فكيف نكذب كل ذلك؟! ثم عندما حدث الاختلاف، وفشل الإخوان فى اغتيال «ناصر» هاجموا فترة حكمه وحاولوا تصفيته معنوياً، وهاجموا ثورة يوليو ووصفوها بأنها انقلاب.

■ ما رأيك فى مفارقة وصف يوليو بـ«الانقلاب»، وهو نفس الوصف الذى استخدمه الإخوان تجاه ثورة 30 يونيو؟

- الثورات مش على المزاج، لدينا فى التاريخ مفهوم واضح. مفهوم الثورة علمياً هو اقتلاع جذور النظام لا استبدال رأسه فقط. وهذا ينطبق على ثورة يوليو بلا شك، فثورة يوليو غيّرت بنية الحكم الملكى واستأصلت الاستعمار، وأحدثت تغييراً كبيراً فى تاريخ مصر بل والمنطقة كلها. وأيضاً ثورة يونيو كانت محطة فارقة وأطاحت بمشروع جماعة الإخوان، وهو جزء من مشروع الشرق الأوسط الكبير الصهيونى والأمريكى، وهذا المشروع يقسّم المنطقة إلى 73 دولة، ويقسّم مصر إلى 5 دويلات صغيرة.

■ وفى رأيك، هل ينطبق تعريف الثورة على ما شهدته مصر فى 25 يناير 2011؟

- 25 يناير انتفاضة شبابية، واستغلتها جماعة الإخوان بعد ذلك، وهى ليست ثورة بالمفهوم العلمى التاريخى. وأيضاً ثورة عرابى وثورة 1919 رغم أنهما محطتان مهمتان فى تاريخ مصر، لكن لا ينطبق عليهما مفهوم الثورة، لأنه لم يحدث تغيير جذرى حقيقى، لم تزح نظاماً وتبنى نظاماً جديداً. لا أريد أن يفزع أحد من هذا الكلام، وهذا ليس تقليلاً مما قام به الزعيم عرابى، أو سعيد زغلول، أو غيرهما. ولكن لا أحداث عرابى كانت ثورة، ولا 1919 ينطبق عليها مفهوم الثورة، وأيضاً لا ينطبق على أحدث يناير 2011.

■ كيف تعامل الإخوان مع ثورة يوليو؟

- حاول حسن الهضيبى «مغازلة» الضباط الأحرار، ثم تحولت المغازلة إلى معاداة. وهنا أذكر أن «الهضيبى» نفسه طلب من «عبدالناصر» قراراً يفرض الحجاب على نساء مصر. ردّ عليه «عبدالناصر»: «اطلب هذا من ابنتك أولاً.. فهى طالبة طبّ بلا حجاب». عندما فشلوا فى ابتزازه لجأوا إلى محاولة اغتياله عام 1954، فحُظر التنظيم.

■ وفى رأيك ما أخطر جرائم الإخوان بعد وصولهم إلى الحكم 2012؟

- الأخطر أنهم شرعوا فوراً فى أخونة مؤسسات الدولة، الدستور صيغ على مقاس مشروعهم، القضاء كانوا يسعون إلى أخونته أيضاً، بمعنى استبدال القضاة بمنتسبى الجماعة، والجيش هدف أساسى لهم، لأنه العقبة الكبرى فى مخطط جماعات التأسلم السياسى، لكنهم لم يلحقوا به. الاقتصاد انهار؛ إذ استُبعدت الكفاءات غير الموالية، وارتفعت حدة الاستقطاب الطائفى جهاراً بتصريحات قياداتهم. ومصر كانت على شفا حرب أهلية حقيقية، فلأول مرة نرى مصريين ومصريين يتحاربون فى الشارع، ويمارسون العنف، ورأينا عمليات الهجوم على الكنائس، الإخوان كانوا يريدون إشعال مصر بنار الفتنة الطائفية، وهذا يخدم المشروع الأمريكى والصهيونى فى منطقة الشرق الأوسط. لكن مصر نجت من هذا المخطط بفضل «30 يونيو».

■ ما الأسباب الجوهرية لخروج الملايين يوم 30 يونيو ضد الجماعة بعد عام واحد؟

- شعور شعبى جارف بأن الوطن يُختَطَف. الناس رأت الدستور يتفصّل، وسلطات الدولة تتفكّك، والخطاب الدينى يُستخدم لتكفير المعارضين. إضافةً إلى معاناة اقتصادية متصاعدة وانقطاع الكهرباء والوقود. كل هذا فجّر وعى الشعب، فخرج 30 مليون مواطن يطالبون بنهاية حكم الإخوان.


مواضيع متعلقة