12 عاما على «30 يونيو».. صالون «الوطن» يحتفي بـ«ثورة الإنقاذ والتصحيح» بمشاركة نخبة من المفكرين والسياسيين
12 عاما على «30 يونيو».. صالون «الوطن» يحتفي بـ«ثورة الإنقاذ والتصحيح» بمشاركة نخبة من المفكرين والسياسيين
فى لحظةٍ مصيرية من عمر الوطن، تجمعت إرادة الشعب المصرى لتصنع التاريخ من جديد، لم تكن «30 يونيو» مجرد انتفاضة مرحلية، بل كانت زلزالاً شعبياً، هز أركان مشروع ظلامى أراد اختطاف الدولة، ومحو هوية المصريين الراسخة عبر آلاف السنين، فخرجت الحشود بملايينها من كل شبر على أرض مصر، تهتف باسم الوطن وترفع رايته، دفاعاً عن الحاضر، واسترداداً للمستقبل، بعدما حاول تنظيم الإخوان أن يفرض مشروعه المُظلم على المصريين، وأن يعيد صياغة الدولة لتكون على مقاس الجماعة، الذى لا علاقة له بمفهوم الدولة، فكانت ثورة 30 يونيو هى الرد الحاسم، والفيصل بين دولة تنهار، وأخرى تنهض من جديد، ثورة أعادت تصحيح المسار، وأنقذت البلاد من سيناريوهات الانهيار، ومهّدت الطريق نحو بناء دولة عصرية، تستند إلى القانون والمؤسسات.
وبعد مرور 12 عاماً على تلك اللحظة الفارقة، تظل 30 يونيو رمزاً للإرادة الشعبية الحرة، وعنواناً للوعى الجمعى، الذى لا يقبل الخضوع ولا المساومة على هوية الوطن، وفى هذا السياق، نظم «صالون الوطن» فعالية خاصة بمشاركة نخبة من المفكرين وكبار السياسيين، احتفاءً بهذه المحطة المفصلية فى تاريخ مصر الحديث، من بينهم الكاتب الصحفى والروائى الكبير يوسف القعيد، والبرلمانية السابقة مارجريت عازر نائب رئيس حزب «الوعى»، والدكتور عبدالله المغازى أستاذ القانون الدستورى، والنائب ياسر الهضيبى سكرتير عام حزب «الوفد»، وماهر فرغلى الباحث فى شئون الحركات الإسلامية، ومجدى البدوى نائب رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر.
مصطفى عمار: «30 يونيو» كانت لحظة وعى وطنى فارقة ونضالاً شعبياً للدفاع عن هوية الدولة

أكد الكاتب الصحفى مصطفى عمار، رئيس تحرير «الوطن»، أن السنوات الاثنتى عشرة الماضية شهدت العديد من التحديات والأزمات، إلى جانب لحظات الانتصار خلال مواجهة الجماعة الإرهابية، قائلاً: «مرت على مصر خلال هذه السنوات لحظات صعبة، خلال مواجهة إرهاب الجماعة الفاشلة ومحاولاتهم المتكررة لهدم الدولة، سواء باستخدام العنف أو ترويج الشائعات».
البعض بذل جهوداً لإسكات أصوات الحق.. لكن الشعب كشف زيف هذه المحاولات وواجهها بوعى
وأضاف «عمار» على هامش الصالون، أن ما حدث خلال هذه الفترة لم يكن مجرد مواجهة لدولة ضد جماعة، بل كان نضالاً شعبياً شارك فيه المواطنون بأنفسهم للدفاع عن هوية الدولة الوطنية، موضحاً أن كل تلك المحاولات كان هدفها الأساسى إسكات أصوات الحق داخل هذا الوطن، ولكن الشعب فَهِم هذه المحاولات جيداً، وواجهها بوعى.
وتابع: «30 يونيو كانت لحظة وعى وطنى فارقة، جسّدت فيها الجماهير إرادتها الحرة، ورفضت الوصاية ومحاولات اختطاف الدولة، ما حدث لم يكن مجرد احتجاج ضد حكم الإخوان، بل كان اقتلاعاً جذرياً لمشروع أراد تفكيك مؤسسات الدولة، وتزييف هوية المصريين»، مؤكداً أن الشعب استعاد قراره الوطنى، وأسقط قناع الزيف باسم الدين، فمصر لا تُحكم إلا بإرادة شعبها، لا بإملاءات جماعات مغلقة.
«الوطن» كانت فى مقدمة الصفوف المدافعة عن الثورة واحتضنت «تمرد» واستضافت اجتماعاتها
ولفت «عمار» إلى أنه بعد 12 عاماً على الثورة، نرى اليوم بوضوح أن ما تحقق لم يكن إلا البداية لمسيرة بناء حقيقية، دفعت فيها مصر الثمن من أجل بقائها وعزتها، مشيراً إلى الدور الوطنى الذى لعبته جريدة «الوطن» منذ تأسيسها، إذ كانت فى مقدمة الصفوف الإعلامية المدافعة عن ثورة 30 يونيو، كما احتضنت حركة «تمرد» وكانت أول من استضاف اجتماعاتها داخل مقرها
تجارب وشهادات حية من سجلات التصدى لمخططات «جماعة الشر» لهدم الدولة المصرية عبر «مشروع ظلامى» لا يعترف بالمقومات الوطنية
استهل صلاح البلك، نائب رئيس تحرير «الوطن»، فعاليات الندوة بكلمة ترحيبية بالضيوف، مؤكداً أنّ ثورة 30 يونيو كانت نضالاً شعبياً، شارك فيه المواطنون بأنفسهم فى الدفاع عن هوية الدولة الوطنية، بعدما أدركوا أن الخطر لم يكن سياسياً فحسب، بل وجودياً، يهدد كيان الدولة ومؤسساتها ومقدراتها.

وفى شهادة حية، عكست تجربة الكاتب الكبير يوسف القعيد والمثقفين المصريين فى مواجهة محاولات تنظيم الإخوان الإرهابى للسيطرة على المشهد الثقافى إبان حكمهم، وصف حركتهم فى ذلك الوقت بـ«الشرارة الأولى» لثورة 30 يونيو، إذ يذكر أن هذا المشهد بدأ فى مقر وزارة الثقافة القديم بحى الزمالك، عندما صدر قرار بتعيين وزير للثقافة ينتمى لجماعة الإخوان، وهى اللحظة التى شكلت نقطة تحول أظهرت بوضوح الوجه الآخر للجماعة الإرهابية، مشيراً إلى أن الرفض لم يكن فقط لانتماء الوزير السياسى، بل لأجندته «غير المصرية بالأساس»، والتى كانت تسعى إلى «إلغاء الأوبرا»، وغيرها من القرارات التى كانت تهدف إلى تفكيك البنية الثقافية للدولة.
الاعتراض على حكم «الإخوان» كان دفاعاً عن هوية مصر الثقافية.. والمثقفون وقفوا أمام محاولات «الجماعة» لاختراق مؤسسات الدولة
وأشار إلى أن الاعتراض لم يأتِ من فراغ، بل كان رفضاً صريحاً لمشروع يهدد الهوية الثقافية للبلاد، قائلاً: «تحركنا من أمام الوزارة سيراً على الأقدام نحو رئاسة الجمهورية، وكان الناس ينضمون إلينا فى الطريق، فقط لمجرد أنهم عرفوا أن هذا التحرك ضد الجماعة الإرهابية، بدأنا بالعشرات، ووصلنا فى النهاية إلى الآلاف، وكان ذلك التحرك بمثابة الشرارة الأولى للثورة التى امتدت بعد ذلك إلى ربوع مصر فنزل المصريون إلى الميادين فى كل مصر»، مؤكداً أن المثقفين المصريين لعبوا دوراً حاسماً فى هذه المواجهة، حيث تصدّوا لمحاولة اختراق مؤسسات الدولة الثقافية، ومنعوا الوزير الإخوانى من دخول مبنى الوزارة أو أى من المؤسسات التابعة لها، قائلاً: «كنا كتّاباً وفنانين ومبدعين من كل الأطياف، توحّدنا خلف هدف حماية الثقافة المصرية.
التاريخ لا يُكتب بالروايات.. نحتاج إلى كتاب «هتاف المنتصرين» لتخليد أحداث «30 يونيو» وأدعو لإطلاق مشروع قومى لمحو الأمية
ولفت إلى أن ما جرى خلال تلك الأيام يستحق أن يكون كتاباً قائلاً: «يجب أن نترك للتاريخ وقائع موثقة، لأن التاريخ لن يذكر الحكايات الشفوية»، مقترحاً أن توثق تلك الشهادات التاريخية فى كتاب تحت اسم «هتاف الصامتين» أو «هتاف المنتصرين»، مشيراً إلى أن خطر الجماعة لم ينتهِِ بعد، بل ما زال قائماً فى القرى، قائلاً: «هم يعملون فى القرى مستغلين الأمية، لديهم مشروع، وعلينا نحن أن نواجهه، لا أن ننتظر من الدولة أن تتحرك وحدها، فالمواجهة يجب أن تكون منا كإعلام ومجتمع وأفراد».
ورأى أن مصر خاضت محاولات متكررة للبناء الوطنى منذ عهد محمد على، مروراً بعبدالناصر والسادات، وحتى الرئيس الأسبق مبارك الذى حاول الحفاظ على ما بُنى، لكن الجذب الحقيقى للشعب المصرى تمثل فى ثورة 30 يونيو التى نحتفى بها اليوم، والتى شارك فيها الجميع من القرية إلى المدينة إلى العاصمة، قائلاً: «الشعب المصرى اقتلع جماعة تتخفى وراء الدين، والإسلام منها برىء تماماً، والوثائق والأدلة موجودة»، لافتاً إلى أن ثورة الثلاثين من يونيو التى شارك فيها الشعب المصرى جميعاً كانت البذرة الأولى للحفاظ على الهوية الوطنية والثقافية والاجتماعية للدولة المصرية.
وفيما يتعلق بمعركة الوعى، شدد «القعيد» على أن الاحتفاء بالمعرفة لا يقل أهمية عن الانتصارات العسكرية، قائلاً: «الوعى يجب أن يبدأ بأن نحتفل بمحو أمية آخر مواطن مصرى، كما فعل فيدل كاسترو فى كوبا عندما أقام احتفالاً ضخماً اعتبره عيداً قومياً. إذا تحقق ذلك فى مصر، سيكون بمثابة عبور جديد للمصريين، لا يقل أهمية عن ثورات كبرى فى تاريخنا مثل ثورة 1919، وثورة 1952، وثورة 30 يونيو».
وأضاف أن محو الأمية خطوة جوهرية لبناء الدولة الحديثة، مطالباً بأن تكون الثقافة متاحة للجميع: «المسرح لازم يوصل القرية، مش يبقى حكر على أبناء المدينة، الثقافة مش رفاهية، ده حق لازم الدولة والمجتمع يكفلوا وصوله للجميع، وده ما يتحققش من غير خطة زمنية واضحة».
كما دعا الكاتب يوسف القعيد إلى إطلاق حملة قومية لمحو الأمية، محذراً من خطورتها على مستقبل الدولة، خاصة فى القرى والمدن الصغيرة، قائلاً: «أناشد الرئيس السيسى أن يجعل من محو الأمية أولوية، لأنها خطر حقيقى يهدد البنيان الوطنى، وخصوصاً فى القرى التى تعانى من استغلال الجهل بشكل ممنهج»، متابعاً أن بعض الجماعات تستغل الأمية داخل المساجد والزوايا لبث أفكار متطرفة، مشيراً إلى أن قريته تضم أكثر من سبعة مساجد، كثير منها يُستخدم فى تمرير رسائل دينية مشوهة.
كما رحب بفكرة عودة الكتاتيب كمبادرة لمحو الأمية، لكنه شدد على أهمية اختيار من يديرها بعناية، مضيفاً: «الكتاتيب كانت وسيلة فعالة فى التعليم، لكن الشيخ الذى يدير الكُتّاب هو الأساس، لأنه قد يكون مصدر توعية أو تطرف، حسب فكره وتكوينه»، ولفت إلى أن السينما ليست وسيلة ترفيه، بل أحد مكونات القوة الناعمة للدولة، قائلاً: «السينما المصرية كانت ثروة قومية، لا تقل أهمية عن الصناعات الاستراتيجية، لكن القطاع الخاص وحده لا يستطيع النهوض بها، لأنه قد يقوم بالدور أو لا يقوم به، والدولة كانت حاضرة فى السابق، واليوم يجب أن تستعيد دورها فى دعم الثقافة والفن والإبداع».

مارجريت عازر : ثورة «30 يونيو» أنقذت هوية مصر من براثن جماعة ظلامية لا تؤمن بالدولة الوطنية وتستهدف المرأة لأنها «عماد الأسرة»
من جانبها، أكدت مارجريت عازر، عضو مجلس النواب السابقة، ونائب رئيس حزب الوعى، أن ثورة 30 يونيو كانت نقطة فاصلة فى تاريخ مصر، ليس فقط من حيث استعادة الهوية الوطنية، بل أيضاً فى رد الاعتبار لدور المرأة المصرية، التى كانت فى مقدمة الصفوف، قائلة «إن ثورة 30 يونيو تختلف عن كل الثورات السابقة؛ فثورة 19 كانت ضد الاحتلال، و23 يوليو أسست الجمهورية، و25 يناير طالبت بالعدالة، لكن 30 يونيو كانت الثورة التى أنقذت الهوية والثقافة المصرية من الضياع على يد جماعة لا تؤمن بالوطن ولا بالمؤسسات».
كنت السيدة الوحيدة المنتخبة فى «برلمان الإخوان».. والمرأة استعادت مكانتها كشريك فى بناء الدولة الحديثة بعد الثورة
وتحدثت عن تجربتها كنائبة فى برلمان 2012، والذى وصفته بـ«البرلمان الإخوانى»، قائلة: «كنت المرأة الوحيدة التى فازت بالانتخاب فى هذا البرلمان، والذى رأينا فيه مشاهد غريبة عن أى عملية انتخابية فى التاريخ، فكانت القوائم تضم رموزاً مثل الوردة بدلاً من صورة السيدة وكذلك أسماء مثل «أم أيمن»، وهو ما كان صادماً ومهيناً للمجتمع المصرى».
وكشفت مارجريت عن محاولات الإخوان للسيطرة على مؤسسات الدولة المختلفة قائلة: «فى البرلمان، كانوا يخططون لإحلال وتبديل كامل داخل أجهزة الدولة، بما فيها الوزارات السيادية».
وأضافت «عازر» أن الثورة أنقذت المرأة من محاولة إقصائها وتهميشها، قائلة: «الجماعة الظلامية استهدفت المرأة المصرية لأنها عماد الأسرة، وكانت هناك محاولات ممنهجة لضرب هذا الدور»، موضحة أن القيادة السياسية بعد 30 يونيو أدركت هذا الخطر، وتعاملت معه وعالجته بذكاء، واعتبرت أن تمكين المرأة لم يكن مجرد موقف سياسى بل رؤية ثقافية، والرئيس السيسى أعاد للمرأة المصرية مكانتها، واهتم بقضاياها، وأصبحت شريكة حقيقية فى الدولة وفى القرار، فنحن نعيش فى عصر المرأة الذهبى والذى شهد تمكيناً غير مسبوق».
وعن المكاسب التى حققتها المرأة، قالت: «أصبح لدينا أكثر من 25% من مقاعد البرلمان للمرأة، و27% من الحقائب الوزارية، وعدد من القاضيات ورئيسات الجامعات، كما وصلنا لأول مرة إلى وجود محافظات من السيدات، مثل محافظ البحيرة»، متابعة: «كنا نحلم منذ التسعينات أن يكون لدينا محافظة سيدة، واليوم أصبحت المرأة محافظة ووزيرة للتنمية المحلية وهناك تمثيل نسائى حقيقى فى كل مواقع اتخاذ القرار».

عبدالله المغازى : القوات المسلحة والشرطة «حائط الصد» وقت أن كانت الدولة على حافة الانهيار.. و«3 يوليو» كانت لحظة الحسم «إما دولة أو لا دولة»
وبعد ذلك، انتقل سعيد حجازى، رئيس قسم الملفات فى «الوطن»، للحديث عن محور آخر، وهو مشهد خارطة الطريق والتحديات التى واجهتها الدولة فى هذا التوقيت، وكيف تعاملت الدولة مع خطر التنظيمات الموازية، والتقط الحديث الدكتور عبدالله المغازى، معاون رئيس مجلس الوزراء الأسبق، وأستاذ القانون الدستورى، متحدثاً حول تفاصيل تلك المرحلة الدقيقة التى سبقت وأعقبت ثورة 30 يونيو، مشيراً إلى أنه فى ذلك الوقت كان متحدثاً لحزب الوفد الذى كان ساحة لكل الاجتماعات الوطنية، وأن غالبية أعضاء الحزب، دون استثناء، تلقوا تهديدات مباشرة بسبب مواقفهم.
الوطنيون كانوا ينتزعون الكلمة بالقوة فى «برلمان الإخوان» وسط أجواء القمع.. ومعركتنا لم تكن سياسية فقط بل معركة وجود دولة كاملة
وقال «المغازى»: «كنتُ عضو مجلس نواب فى برلمان الإخوان، ويمكن الوصف أننا كنا ننتزع الكلمة انتزاعاً فى البرلمان الإخوانى، فى حين كانت الكلمة تُمنح بسخاء لأعضاء الجماعة أو المتعاطفين معهم، لم نكن نمارس حقوقنا النيابية بسهولة، وكنا نُمنع حتى من حضور بعض اللجان، فى تعدٍ واضح على حق النائب الممثل عن الشعب، فى دخول أى لجنة كيفما يشاء».
وأضاف: «حزب الوفد آنذاك تعرّض لإطلاق نار قبل الثورة مباشرة، لم نكن نخوض معركة تغيير نظام سياسى، بل معركة وجود دولة، فالجماعة لم تكن تهدف فقط إلى السيطرة على الحكم، بل إلى طمس الهوية الوطنية بكاملها»، متابعاً: «إن ما واجهته مصر فى 30 يونيو لم يكن مجرد خطر تغيير نظام، بل كان خطر اختفاء الدولة نفسها».
وأكد «المغازى» أن الشعب المصرى لم يتحرك فقط استجابةً لدعوات التمرد، بل بدافع وطنى داخلى، وإحساس فطرى بخطورة ما يحدث، لافتاً إلى أن اللحظة المفصلية كانت يوم 3 يوليو، عندما أطلق الرئيس عبدالفتاح السيسى، والذى كان وزيراً للدفاع آنذاك، خطاب الحسم وبيان خارطة الطريق، ثم طلب تفويضاً شعبياً لمواجهة الإرهاب، فهذه اللحظة كانت أكثر خطورة من 30 يونيو، لأنها كانت لحظة الحسم.. إما دولة وإما لا دولة.
وأشار إلى أنه كان عضواً بالمجلس الاستشارى فى ذلك الوقت، قائلاً: «اطّلعنا فى هذا المجلس على كم هائل من الفيديوهات والمعلومات حول الأعمال التخريبية لجماعة الإخوان الإرهابية سواء من تسخين الشارع المصرى والتى لم تُعرض على الرأى العام، وكان من الصعب كشفها خوفاً على استقرار الدولة، وفى تلك المرحلة ظهرت الشخصيات الوطنية الحقيقية، الذين خاطروا بأرواحهم دفاعاً عن وطنهم».
فى هذا السياق، وجه «المغازى»، التحية إلى الرئيس عبدالفتاح السيسى ومؤسسات الدولة، مؤكداً أن القوات المسلحة والشرطة كانتا دائماً الركيزة التى يستند إليها الشعب فى لحظات المصير، قائلاً «الدول التى انهارت مؤسساتها لم تنهض مرة أخرى، ولهذا فثقتنا فى مؤسساتنا الوطنية لا تتزعزع»، متابعاً «صحيح أن مواجهة الفكر المتطرف تتطلب فكراً مستنيراً، لكن يجب ألا نغفل أن المعركة الحقيقية تحتاج أيضاً لمعالجة اقتصادية؛ لا يكفى أن تشرح للناس ضرر التطرف، إن لم توفر لهم بديلاً معيشياً كريماً، فالعوز يفتح الباب أمام الجماعات لاستقطاب الشباب»، وأكد أن ما جرى فى 30 يونيو هو انتصار لحفاظ الدولة على نفسها، وليس فقط تغيير نظام حكم، قائلاً: «الناس نزلت لأنها كانت خايفة على البلد، مش علشان تغيير شخص، واللى حصل وقتها كان لحظة إنقاذ حقيقية للهوية الوطنية».

ياسر الهضيبى :الرئيس السيسى قاد مصر للانتقال من «شرعية الانتخابات» إلى «شرعية الإنجاز».. و«30 يونيو» ثورة فكرية فى مواجهة مشروع متطرف
وفى كلمته، قال النائب الدكتور ياسر الهضيبى، سكرتير عام حزب الوفد، إن ثورة 30 يونيو لم تكن ثورة ضد نظام حكم فقط، بل كانت ثورة فكرية شاملة فى مواجهة جماعة لم تكن تمثل مجرد تنظيم سياسى، بل جماعة قائمة على فكر متطرف له امتدادات تتجاوز حدود الدولة الوطنية.
الجماعة استغلت الدين لتزييف الوعى والتغلغل فى المجتمع.. والتنظيم استفاد من «السيولة الحزبية» عقب «25 يناير»
وأضاف «الهضيبى» أن جماعة الإخوان الإرهابية ليست جماعة سياسية، ولكن من وجهة نظرى هى فكرة، والفكرة لا تُواجه إلا بفكرة مثلها، موضحاً أن خطورة هذا التنظيم تكمن فى قدرته على التغلغل داخل المجتمعات من خلال استغلال الدين، وتزييف الوعى، مشدداً على أن معركة 30 يونيو كانت فى جوهرها معركة استرداد الوعى المسلوب منذ أحداث يناير 2011.
وأشار إلى أن ثورة 30 يونيو تستمد قوتها من جذورها فى ثورة 1919، التى أطلقها زعيم الأمة سعد زغلول، والتى جسدت إرادة المصريين فى الانعتاق من التبعية والاستعمار، وهو نفس ما فعله المصريون حينما خرجوا فى يونيو 2013 لإنقاذ هويتهم الوطنية من جماعة أرادت اختطاف الدولة بالكامل.
وأوضح «الهضيبى» أن ثورة 30 يونيو ينبغى أن تُقابل بتحيتين واجبتين: الأولى للشعب المصرى الذى أثبت أنه القائد والمعلم وصاحب السيادة، والثانية للرئيس عبدالفتاح السيسى، الذى قدَّم نفسه فداءً للوطن، ووضع مصلحة البلاد فوق أى اعتبارات، مؤكداً أن الرئيس لم ينسب لنفسه يوماً إنجازاً، بل كان دائماً ما يردد أن الشعب هو البطل الحقيقى.
وأضاف: «ثورة 25 يناير أعادت الروح للشعب المصرى، بينما أعادت 30 يونيو الوعى، الذى خُطف من المصريين فى 25 يناير، استطاعوا أن يستردوه سريعاً فى 30 يونيو، فكانت أول مرة فى التاريخ أن يصحح شعب بنفسه مسار ثورته فى أقل من عام».
وتابع «الهضيبى» أن الدولة المصرية فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى انتقلت من شرعية الانتخاب إلى شرعية الإنجاز، وهو ما يفرض مسئولية كبيرة فى تحصين الدولة ضد كافة أشكال الخطر، سواء من الإرهاب أو التحديات الخارجية والداخلية، وعلى رأسها جماعة أهل الشر، مشيراً إلى أن هذه المرحلة تتطلب نقل مصر نقلة نوعية صناعية وزراعية حقيقية، مشدداً على أن الخروج من الأزمة الاقتصادية لن يكون إلا عبر هاتين القاطرتين، قائلاً: «الصناعة والزراعة هما اللتان ستوفران الدولار، وهما من ستقللان الاعتماد على الاستيراد الذى يضغط على الاقتصاد الوطنى».
وفى حديثه عن الأحزاب السياسية، قال سكرتير عام حزب الوفد، إن الجماعة استغلت حالة السيولة الحزبية بعد ثورة يناير، حينما فتحت الباب أمام تأسيس الأحزاب بمجرد الإخطار، وهو ما أدى إلى تفتيت الخريطة الحزبية وبعثرة الأصوات، لتبقى الجماعة هى الكتلة الصلبة الوحيدة فى المشهد، وأشار إلى أن تنوع الأحزاب السياسية حالياً يمثل مصدر قوة فى الدولة، مشيراً إلى الدور الذى تلعبه تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، باعتبارها نموذجاً جديداً فى الحياة السياسية المصرية، لافتاً إلى أن أعضاء التنسيقية لا يتبنون مواقف التأييد المطلق أو المعارضة المطلقة، وإنما يمارسون دوراً نقدياً بناءً، وهو ما رأيته فى جلسات مجلس الشيوخ فكانوا «لو الحكومة أحسنت يقولون أحسنت، ولو أساءت يقولون أسأت، وهذا هو المطلوب»، وكذلك من أبرز ما يميز تنسيقية شباب الأحزاب هو انتماء أعضائها لأحزاب مختلفة، مثل الناصريين، والتجمع، والوفد، ومستقبل وطن، وحماة وطن، وغيرها من الأحزاب، ما يخلق حالة من التنوع الحقيقى داخلها، ويمنح العمل السياسى زخماً مختلفاً، كما شدد على أن أهل الشر لم ينتهوا، وإنما جذورهم ما زالت كامنة، وستعود بمجرد أن تجد الماء المناسب لتنبت من جديد، مطالباً بأن تظل الدولة فى حالة يقظة دائمة، مع الضغط المستمر على هذه الجذور حتى لا تعود للسطح مرة أخرى.

ماهر فرغلى: مصر كانت على شفا الانفجار قبل «30 يونيو».. والثورة كانت «ضرورة وجودية» و«واجب وطنى» لمنع انهيار الدولة
ماهر فرغلى، الباحث المتخصص فى شئون الحركات الإسلامية، كان شاهداً على مظاهر التشدد التى بدأت تتصاعد فى ميدان التحرير آنذاك، قال: كنت أرى بعينى وجود قيادات من أكثر من 30 أو 40 تنظيماً متطرفاً داخل الميدان، وعلى رأسهم محمد الظواهرى، وجماعات كـ «حازمون، وتطبيق الشريعة، والجهاد، وغيرها من الجماعات المتطرفة»، مضيفاً، أن هؤلاء كانوا يلقون البيعة العلنية لبعضهم البعض، وكان من بينهم مؤسس تنظيم بيت المقدس، والذى التقى فى الميدان مع قيادات أخرى لتأسيس كيان مسلح يستهدف الداخل المصرى.
وروى «فرغلى» أن هذا التنظيم هو من نفّذ لاحقاً تفجيرات استهدفت مديرية أمن الدقهلية، ومديرية أمن القاهرة، ومحاولة اغتيال وزير الداخلية الأسبق محمد إبراهيم، وأشار إلى أن الأجهزة الأمنية كانت تتابع هذه التحركات عن كثب، وكانت على علم بخريطة هذه الجماعات، ولكن صعوبة المرحلة كانت تكمن فى تجنيد عناصر جديدة لم تكن معروفة أمنياً، مشيراً إلى سيولة كبيرة حدثت فى هذه الفترة مهدت لظهور جماعات متطرفة جديدة، قائلاً: «الوضع فى هذه الفترة كان ينذر بانفجار وشيك للدولة، كان هناك انتشار غير مسبوق للتنظيمات الإرهابية، وخطاب تحريضى متطرف، وخيام مشبوهة فى قلب الميدان، وشعور عام بالخطر، ومع ذلك كان الأمن واعياً ومدركاً لحجم التهديد».
وعن فشل جماعة الإخوان الإرهابية خلال العام الذى صعدوا فيه إلى سُدة الحكم فى 2012، قال الباحث فى شئون الحركات الإسلامية، إن الجماعة لم تكن تمتلك مشروعاً حقيقياً لإدارة الدولة، وإن ما رُوّج له من مشروع النهضة لم يكن سوى «فنكوش»، مضيفاً أن الإخوان فوجئوا بعد 25 يناير بأنهم أصبحوا فى موقع السلطة دون أن يكونوا مستعدين لذلك، فلجأوا إلى ما وصفه بـ«الأخونة السريعة» لمؤسسات الدولة، من خلال تعيين المحافظين، والسيطرة على الإدارات التعليمية، والدفع بعناصر غير مؤهلة فى جميع مفاصل الدولة، مشيراً إلى أن الجماعة اعتمدت على منهج «التمكين» الذى يقوم على التغلغل فى مفاصل المجتمع من خلال النقابات والمؤسسات، كما استغلوا الدين كوسيلة للوصول إلى السلطة، وهو ما يدل على أن مشروعهم لم يكن دينياً بقدر ما هو مشروع سياسى بغطاء دينى، مؤكداً أن بعض تصرفاتهم كانت سبباً فى نفور الشارع المصرى، مثل الهجوم على الفنانين، والخطاب المتشدد عبر شاشات القنوات الدينية.
وتحدث «فرغلى» عن أهمية التصدى للفكر الإخوانى عبر مشروع متكامل لتوثيق تاريخ الجماعة، داعياً الدولة إلى تمويل مشروع بحثى شامل لكتابة تاريخ الجماعة من منظور الدولة، وليس من خلال المذكرات التى كتبها قادة الإخوان بأنفسهم، وحول ما إذا كانت ثورة 30 يونيو قد أنهت علاقة الدولة بالإخوان بشكل نهائى، قال إن الدولة المصرية لم تعتمد دائماً على سياسة الإقصاء التام، بل تبنت فى أحيان كثيرة نظرية «الاحتواء»، بحيث تستخدم تياراً ضد آخر، موضحاً أن الدولة لجأت إلى استبعاد الإخوان، لكنها أبقت على التيارات السلفية، باعتبارها أداة لتقويض التشدد الأكبر.
مشروع «الإخوان» سياسى بغطاء دينى والجماعة استغلت الدين وسيلة للسلطة والمواجهة مع التنظيم الدولى ما زالت مستمرة
واعتبر الباحث فى شئون الحركات الإسلامية أن نظرية الاحتواء ليست جديدة، وهى قائمة على استخدام تيار أكثر انفتاحاً نسبياً لضرب تيار أكثر تشدداً، لكنه حذر فى الوقت ذاته من خطورة بعض المدارس السلفية، خاصة تلك التى تنتشر فى المناطق المهمشة والفقيرة، لافتاً إلى أن الإخوان غيروا خططهم بعد 30 يونيو، وأنهم باتوا يتخذون من الخارج منطلقاً لعملياتهم، محذراً من أن المواجهة معهم لا تزال مستمرة، وأن الحذر مطلوب من التنظيم الدولى للإخوان، الذى لا يزال نشطاً فى تغيير استراتيجياته وأسلوب عمله، كما أكد أن ثورة 30 يونيو لم تكن فقط تصحيحاً لمسار سياسى، بل كانت ضرورة وجودية لحماية الدولة من الانهيار والفوضى، وأن الشعب المصرى انحاز لدولته فى لحظة وعى نادرة، بعدما رأى الخطر بعينيه.
وحول دور الإعلام فى تكوين وعى المصريين خلال ثورة 30 يونيو قال «فرغلى»، إن الإعلام المصرى لعب الدور الأبرز فى تعبئة الوعى الشعبى قبل ثورة 30 يونيو، مشيراً إلى أن الإخوان لم يكونوا ليسقطوا من الحكم لولا الجهود المكثفة لوسائل الإعلام والإعلاميين الذين فضحوا ممارسات الجماعة وكشفوا طبيعتها، وأضاف أن ثورة 30 يونيو لم تكن فقط ثورة على حكم جماعة، بل على تنظيم بالغ التعقيد، له بنية تنظيمية متعددة الطبقات، تتجاوز الصورة السطحية لجماعة واحدة، موضحاً أن الإخوان لم يكونوا تنظيماً واحداً، بل تنظيمان: علنى وسرى، من بعد حسن البنا، كان هناك مرشدان، مرشد رسمى، وآخر موازٍ فى فترة محمد بديع، لذا كان خيرت الشاطر هو المرشد الحقيقى.
وتابع: «الإخوان بنوا تنظيمهم مثل الأخطبوط، قائم على أضلاع متعددة، كل ضلع يعمل بمعزل عن الآخر، لضمان الاستمرارية والمرونة»، لافتاً إلى أن التنظيم أعاد هيكلة نفسه بعد الضربات الأمنية عقب 30 يونيو، وتحول من نموذج رأسى إلى «جزر منفصلة»، موزعة على خمس أذرع رئيسية، بالإضافة إلى ضلع إضافى سادس، وأشار إلى أن الضلع الأول هو الضلع المدنى، ويشمل منظمات غير حكومية، ومراكز ثقافية وتعليمية، ومدارس خاصة، ومعاهد لغات، وجمعيات لا تحمل اسم الإخوان ظاهرياً، لكنها تابعة لهم فكرياً وإدارياً «هى جمعيات تظهر بوجه مدنى، لكن تحت السطح، هى ذراع من أذرع الجماعة»، أما الضلع الثانى فهو الضلع الاقتصادى، والذى يعتمد على شبكة معقدة من الشركات، التى تعمل من خارج مصر، ولها أذرع فى أفريقيا وأوروبا، وتُستخدم فى التمويل والدعم اللوجيستى للجماعة، ويأتى الضلع الثالث تحت مسمى «المستقلين»، وهو يشمل شخصيات مستقلة ظاهرياً، لكنها تنتمى فكرياً إلى الجماعة، وتؤدى أدواراً ناعمة فى التأثير المجتمعى والإعلامى والدينى، دون التصريح بانتمائها.
واستكمل ماهر فرغلى: الضلع الرابع، هو السياسى، ويضم الوجوه المعروفة التى كانت تتصدر المشهد السياسى كواجهات حزبية أو برلمانية، مثل الراحل عصام العريان، ومحمد البلتاجى، وغيرهما من المجموعة، أما الضلع الخامس فهو الضلع الفكرى الأيديولوجى، ويضم مؤسسات فكرية تنتج خطاباً دينياً ناعماً من خلال ما يسمى «الوسطية»، وتروج لمفاهيم مثل «مقاصد الشريعة» عبر مراكز ومعاهد بحثية مثل المعهد العالمى للفكر الإسلامى، والمعهد الأوروبى للعلوم الإنسانية، ومجمع الوسطية، وهم معنيون أكثر بنشر الفتاوى بما يخدم مصالح التنظيم ولكل بطرق متخفية، أما الضلع السادس فهو الضلع الميدانى، ويضم أفراداً ومنظمات تُمارس أدواراً مجتمعية ميدانية، مثل المراكز الحقوقية، والجمعيات الخيرية، والنشاط الأهلى، وهو الذراع الذى يساهم فى تجنيد عناصر جديدة خاصة فى البيئات الفقيرة والهامشية، مستكملاً «إن الجماعة بعد 30 يونيو أدركت أنها لن تعود إلى الحكم من خلال المواجهة، ولذلك أطلقت مشروعاً جديداً، تحت شعار «لن نتصارع على السلطة»، لتسويق خطاب سياسى جديد يعيد دمجهم فى المشهد تحت غطاء مدنى غير تصادمى»، وأوضح أن هذا المشروع هو إعادة توزيع للأدوار، وليس مراجعة فكرية حقيقية، مؤكداً أن الخطر الأكبر لا يزال قائماً، وأنه «ربما بعد عشر سنوات نفاجأ بتنظيم كبير متغلغل فى مفاصل الدولة والمجتمع، دون أن نشعر»، مؤكداً على ضرورة إدراك الدولة لخطورة هذا الشكل الجديد من التنظيم، والذى لا يعتمد على الهرمية القديمة بل على شبكات مرنة يصعب تتبعها.

مجدى البدوى:
وانتقل الحديث بعد ذلك إلى محور خاص بالطبقة العمالية والنقابات فى مصر، وهى الفئة الشعبية الأكثر داخل المجتمع المصرى، والتى شهدت العديد من محاولات تنظيم الإخوان الإرهابى لتنفيذ مخطط السيطرة عليها، حيث أكد مجدى البدوى، نائب رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، أن جماعة الإخوان الإرهابية، استهدفت النقابات المهنية والعمالية من أجل السيطرة عليها لتحقيق مصالح الجماعة الخاصة وخلق نفوذ لها، وخاصة بعد ثورة 25 يناير 2011، حيث سعت الجماعة للسيطرة على النقابات بغرض نشر أفكارها الهدامة واستقطاب عدد كبير من أعضاء النقابات لضمهم للجماعة بشكل أكبر بما يدعم أطماعها وأغراضها.
«الإخوان» سعوا للسيطرة على النقابات العمالية لتنفيذ أجندتهم.. ومكتب الإرشاد فرض عناصره على الوزارات والنقابات
وقال «البدوى» إن مكتب الإرشاد دفع بعناصر الإخوان على رأس وزارة القوى العاملة ومجلس إدارة الاتحاد العام للعمال وبعض النقابات العمالية المهمة، بهدف بسط السيطرة على الوسط والروابط العمالية، ولكن لم يستطيعوا، لأن عمال مصر شرفاء ويعرفون جيداً قيمة ومعنى الوطن، وهو بالفعل ما شاهدناه فى ثورة 30 يونيو التى خرج فيها كل عمال مصر، دون توجيه حتى دعوة واحدة، فالكل خرج من المصانع والشركات وجميع المؤسسات، خوفاً على وطنهم، وعلى عجلة الإنتاج التى كانت قد توقفت بشكل كبير لدرجة أن 4600 مصنع وشركة كانوا خرجوا من الخدمة وتم تشريد عمالهم، وأضاف أنّ ثورة 30 يونيو خلصت العمال من مصير مظلم، ولا سيما بعدما وصلت البطالة إلى ما يقرب من 15% وهو رقم كارثى، مشيراً إلى أن عمال مصر شهدوا عصرا غير مسبوق على كافة الأصعدة بعد ثورة 30 يونيو ومع تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى الحكم فى عام 2014.
البطالة بلغت ذروتها فى عهد «الجماعة».. والثورة خلصت العمال من مصير مظلم.. والدولة استعادت حقوقهم بقوانين عمل وتأمين صحى شامل
وأوضح نائب رئيس اتحاد العمال، أن ملف الأجور فى مصر كان يعانى خلال فترة حكم الإخوان أى الفترة السابقة لثورة 30 يونيو من اختلال كبير، مشيراً إلى أن نظام الأجور فى مصر كان مقلوباً مقارنة بدول العالم، حيث كانت النسبة الأكبر من دخل العامل تعتمد على الأجر المتغير بدلاً من الأجر الأساسى، وأردف أنّ الدول المتقدمة تعتمد على أن يشكل الأجر الأساسى نحو 70% من إجمالى الراتب، فيما يمثل الأجر المتغير نسبة لا تتعدى 30%، إلا أن الوضع فى مصر كان معاكساً، حيث كان الأجر الأساسى يمثل 40% فقط من إجمالى الأجر، فى حين كان المتغير يصل إلى 60%، ما تسبب فى تشوهات كبيرة فى نظام الرواتب، وأضاف أن إصدار قانون الخدمة المدنية ساهم بشكل كبير فى إعادة ضبط هيكل الأجور والعلاوات، إلى جانب وضع حد أدنى للأجور، تم رفعه تدريجياً حتى وصل إلى 7000 جنيه، وهو ما مثّل معالجة فعلية لمشكلة طالما أثرت سلباً على العدالة الوظيفية بين العاملين فى الجهاز الإدارى للدولة.
وأشار «البدوى» إلى أن غياب العدالة فى توزيع الأجور كان من أبرز الإشكاليات التى واجهت منظومة العمل قبل الثلاثين من يونيو، حيث كانت هناك فجوة كبيرة بين العاملين من أصحاب النفوذ النقابى أو الضغط التنظيمى، الذين كانوا يحصلون على أجور مرتفعة، مقابل فئات أخرى مثل العاملين فى الأحياء والمرافق، كانوا يحصلون على أجور منخفضة للغاية، نظراً لضعف تمثيلهم أو عدم قدرتهم على الضغط لتحسين أوضاعهم، لافتاً إلى أن قانون الخدمة المدنية أسهم فى تقليص هذه الفجوة عبر تحديد حد أدنى للأجر بكل درجة وظيفية، ما أعاد بعض التوازن داخل الهيكل الإدارى، وفيما يتعلق بملف المعاشات، أشار إلى أن الأجر الذى كان يتم التأمين عليه كان ضعيفاً جداً، مما تسبب فى فجوة ضخمة بين راتب الموظف أثناء الخدمة وقيمة المعاش بعد الخروج من العمل، حيث كان البعض يتقاضى 7000 جنيه شهرياً ثم يحصل على معاش لا يتجاوز 1000 جنيه، وأوضح أن قانون التأمينات الجديد، الصادر عام 2021، عالج هذا الخلل من خلال رفع قيمة الأجر التأمينى تدريجياً، بما يسمح للمؤمن عليه بالحصول مستقبلاً على معاش قد يصل إلى 80% من إجمالى ما كان يتقاضاه، وهو ما يعد تحولاً كبيراً فى تأمين الحماية الاجتماعية للمواطنين بعد التقاعد.
ونوه «البدوى» بأن من بين التشريعات المهمة أيضاً التى شهدتها الدولة مؤخراً، قانون التأمين الصحى الشامل وقانون العمل الجديد، واللذان اعتبرهما نقلة نوعية فى مجال حماية حقوق العمال وتنظيم العلاقة بين طرفى الإنتاج، مؤكداً أن القانون الجديد جاء ليواكب التغيرات الاقتصادية وهيمنة القطاع الخاص على سوق العمل، بعدما كانت القوانين السابقة تعكس واقعاً مختلفاً كانت فيه الحكومة هى صاحب العمل الأكبر، وفى السياق ذاته، لفت «البدوى» إلى أن العمالة غير المنتظمة حظيت باهتمام خاص خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث المساندة الاجتماعية أو من خلال إدماجها فى التأمينات الاجتماعية والتأمين الصحى، مشيراً إلى أن القوانين الثلاثة الأخيرة «العمل، والتأمينات، والتأمين الصحى»، تضمنت ما يسمى بـ«السَّقف الاجتماعى» لحماية هذه الفئة، وضمان تمتعها بمظلة من الحقوق والمكتسبات، التى لم تكن متوافرة من قبل.
