الأرض تختزن حرارة قاتلة.. دراسة تكشف عن تسارع غير مسبوق في التغير المناخي
الأرض تختزن حرارة قاتلة.. دراسة تكشف عن تسارع غير مسبوق في التغير المناخي
صفّارة إنذارٍ أطلقتها دراسات علمية حديثة، بعدما كشفت عن خللٍ مقلق في ميزانية طاقة الأرض، تضاعف خلال عقدين فقط، متجاوزًا التوقعات والنماذج المناخية، ما يعني أنّ كوكبنا يُخزّن طاقةً أكثر بكثيرٍ مما يتخلص منها، ما يُنذر بتسارع غير مسبوق في وتيرة التّغير المناخي، وبينما تتكدس الحرارة في المحيطات وتذوب الكتل الجليدية، تقف البشرية على حافة مستقبلٍ مناخي أكثر تقلبًا وخطورة.
تفاقم اختلال ميزانية طاقة الأرض
وذكرت الأبحاث الحديثة أنّ الاختلال في ميزانية طاقة الأرض تضاعف بأكثر من الضعف خلال الـ20 عامًا الماضية، إذ ارتفع متوسط اختلال توازن الطاقة من نحو 0.6 وات لكل مترٍ مربعٍ في منتصف العقد الأول من القرن الـ21 إلى نحو 1.3 وات لكل مترٍ مربعٍ في السنوات الأخيرة، ويعني هذا التضاعف أنّ معدل تراكم الطاقة بالقرب من سطح الكوكب قد تسارع بشكلٍ ملحوظٍ، وتُشير هذه النتائج إلى احتمال تسارع تغير المناخ في السنوات المقبلة، وهو أمر مقلقٍ بشكلٍ خاصٍ نظرًا للتهديدات التي تُواجه تمويل جهود تتبع تدفقات الحرارة في الولايات المتحدة، بحسب ما ذكرت مجلة sciencealert العلمية.
وتعمل ميزانية طاقة الأرض على مبدأ مشابه لحساب مصرفي؛ إذ تدخل الأموال وتخرج، وفي هذه الحالة تكون العملة هي الطاقة، وتعتمد الحياة على الأرض على توازن دقيق بين الحرارة الواردة من الشمس والحرارة التي تعود إلى الفضاء، لكن هذا التوازن يميل الآن بشكل كبير، إذ تصل الطاقة الشمسية إلى الأرض وتدفئها، وتحتفظ الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي - التي تحبس الحرارة - ببعض هذه الطاقة، وأدى حرق الفحم والنفط والغاز إلى إضافة أكثر من تريليوني طن من ثاني أكسيد الكربون والغازات الدفيئة الأخرى إلى الغلاف الجوي، ما يؤدي إلى حبس المزيد والمزيد من الحرارة ومنعها من الانفلات إلى الفضاء.
وتُسخن بعض هذه الحرارة الزائدة الأرض أو تُذيب الجليد البحري والأنهار الجليدية والصفائح الجليدية، لكن هذه الكمية ضئيلة، وفي الواقع يذهب نحو 90% من هذه الحرارة الزائدة إلى المحيطات بفضل قدرتها الهائلة على امتصاص الحرارة، وتُطلق الأرض الحرارة بشكل طبيعي بطرق مختلفة، مثل انعكاس الحرارة الواردة من السحب والثلج والجليد إلى الفضاء، بالإضافة إلى إطلاق الأشعة تحت الحمراء مرة أخرى إلى الفضاء، فمنذ بداية الحضارة الإنسانية وحتى قرن مضى، كان متوسط درجة حرارة سطح الأرض نحو 14 درجة مئوية، لكن الاختلال المتراكم في ميزانية الطاقة أدى الآن إلى ارتفاع متوسط درجات الحرارة بمقدار 1.3 - 1.5 درجة مئوية.
ويتتبع العلماء ميزانية الطاقة بطريقتين رئيسيتين؛ إذ يمكن قياس الحرارة الصادرة من الشمس والعائدة إلى الفضاء مباشرةً باستخدام أجهزة قياس الإشعاع الحساسة على أقمار الرصد الصناعية، وتعود هذه البيانات إلى أواخر الثمانينيات، كما يمكن تتبع تراكم الحرارة في المحيطات والغلاف الجوي بدقة من خلال قياس درجات الحرارة، ورصدت آلاف العوامات الروبوتية درجات الحرارة في محيطات العالم منذ التسعينيات، وتُظهر كلتا الطريقتين أن اختلال التوازن في الطاقة قد ازداد بسرعة.

أسباب التغير غير المتوقع
كان تضاعف اختلال التوازن في الطاقة مفاجأة للعلماء، إذ لم تتمكن نماذج المناخ المتطورة من التنبؤ بمثل هذا التغير الكبير والسريع، وعادةً ما تتنبأ النماذج بأقل من نصف التغيير الفعلي الذي يُلاحظ في العالم الحقيقي، وعلى الرغم من عدم وجود تفسير كامل حتى الآن، تشير أبحاث جديدة إلى أن التغيرات في السحب تُعد عاملًا مهمًا، فللسحب تأثير تبريدي عام، ولكن المساحة المغطاة بالسحب البيضاء شديدة الانعكاس قد تقلصت، بينما ازدادت مساحة السحب المختلطة والأقل انعكاسًا، علمًا بأنّ سبب تغير لون السحب ليس واضحًا، ولكن أحد العوامل المحتملة هو الجهود الناجحة لتقليل الكبريت في وقود الشحن بدءًا من عام 2020، إذ ربما كان لحرق الوقود الأقل تلويثًا تأثير مُضئ على السحب، ومع ذلك فإنّ الخلل المتسارع في ميزانية الطاقة بدأ قبل هذا التغيير.
وتلعب التقلبات الطبيعية في النظام المناخي، مثل التذبذب العقدي للمحيط الهادئ دورًا أيضًا، والأكثر إثارة للقلق هو أن تغيرات السحب قد تكون جزءًا من اتجاه ناتج عن الاحتباس الحراري نفسه، أي تأثير إيجابي على تغير المناخ، وتشير هذه النتائج إلى أنّ السنوات الأخيرة التي شهدت درجات حرارة شديدة للغاية ليست حالات فريدة من نوعها، بل قد تعكس تعزيز ظاهرة الاحتباس الحراري على مدى العقد المقبل أو أكثر، ويعني هذا زيادة فرص حدوث تأثيرات مناخية أشد، مثل موجات الحر الشديد والجفاف والأمطار الغزيرة على اليابسة، وموجات الحر البحرية الأشد والأطول أمدًا.

الحساسية المناخية والحلول الممكنة
ويؤدي هذا الخلل إلى عواقب وخيمة على المدى الطويل، إذ تُظهر أبحاث جديدة أن النماذج المناخية الوحيدة التي تقترب من محاكاة القياسات الواقعية هي تلك التي تتمتع بحساسية مناخية أعلى، وهذا يعني أن هذه النماذج تتنبأ بارتفاع درجات الحرارة بشكل أكثر حدة خلال العقود القليلة المقبلة في السيناريوهات التي لا يتم فيها خفض الانبعاثات بسرعة، ومع ذلك لا نزال لا نعرف ما إذا كانت هناك عوامل أخرى مؤثرة، ومن السابق لأوانه الجزم بأنّنا نسير على مسار شديد الحساسية.
والحل المعروف منذ فترة طويلة لمواجهة هذه الأزمة هو التوقف عن حرق الوقود الأحفوري بشكل روتيني والتخلص التدريجي من الأنشطة البشرية التي تسبب الانبعاثات مثل إزالة الغابات، كما أنّ الاحتفاظ بسجلات دقيقة على مدى فترات طويلة من الزمن أمر ضروري لاكتشاف التغيرات غير المتوقعة، وتُعد الأقمار الصناعية، على وجه الخصوص، بمثابة نظام تحذير مبكر، إذ تخبرنا عن التغيرات في تخزين الحرارة قبل نحو عقد من الزمان من الطرق الأخرى ومع ذلك، فإنّ تخفيضات التمويل والتحولات الجذرية في الأولويات في الولايات المتحدة قد تهدد عمليات مراقبة المناخ الأساسية عبر الأقمار الصناعية.