الاغتيالات والعنف المسلح.. نهج لتنفيذ مخططات الجماعة الإرهابية
الاغتيالات والعنف المسلح.. نهج لتنفيذ مخططات الجماعة الإرهابية
شغل الاغتيال السياسى والعنف المسلح موقعاً مركزياً فى البنية الفكرية والتنظيمية لتنظيم الإخوان الإرهابى، فلم يلجأ التنظيم إلى العنف استثناءً أو كرد فعل عابر على وقائع سياسية، بل هو جزء أصيل من أدواته لتحقيق التمكين والسيطرة، فمنذ ثلاثينات القرن الماضى ارتبط اسم التنظيم بسلسلة طويلة من الاغتيالات السياسية والعمليات الإرهابية التى استهدفت خصوماً سياسيين، ورموزاً أمنية، وقادة رأى، فى محاولات ممنهجة لفرض مشروعها بالقوة.
بدأت باستهداف القاضى «الخازندار» عام 1948 حتى وصلت إلى موجة العنف الدامية بعد «30 يونيو»
تاريخ الجماعة محاط بمحطات سوداء استخدمت فيها الاغتيال كوسيلة مباشرة لإزاحة كل من يقف أمام أهدافها، بدءاً من اغتيال القاضى أحمد الخازندار عام 1948، ثم رئيس الوزراء محمود فهمى النقراشى فى العام ذاته، مروراً بالعديد من الحوادث، حتى وصلت إلى موجة العنف الدامية التى أعقبت ثورة 30 يونيو 2013، التى أعاد فيها التنظيم تفعيل لجانه النوعية وخلاياه الإرهابية لتنفيذ عمليات اغتيال وتفجير ضد مؤسسات الدولة ورموزها، كان أبرزها اغتيال المستشار هشام بركات، النائب العام المصرى الأسبق، واغتيال المقدم محمد مبروك بالرصاص داخل سيارته، بالإضافة إلى تفجير موكب وزير الداخلية الأسبق محمد إبراهيم، وتفجير مديرية أمن الدقهلية ما أسفر عن استشهاد 14 من رجال الشرطة وإصابة 120 آخرين، كما طالت العمليات الإرهابية منشآت حيوية ومرافق عامة، ضمن خطة لإرباك الدولة وزرع الفوضى.
عقيدة تنظيمية راسخة ترى فى العنف وسيلة مشروعة لتحقيق الغاية
هذا النهج الدموى لم يكن وليد لحظة أو ضمن سياق سياسى ضاغط، بل يعكس عقيدة تنظيمية راسخة ترى فى العنف وسيلة مشروعة لتحقيق الغاية، وفى إرباك الدولة طريقاً ممهداً للعودة إلى الحكم أو فرض النفوذ، كما دخلت البلاد فى موجة تفجيرات طالت المصريين وليس القيادات فى الدولة فقط، ومن بينها تفجير كاتدرائية القديس مرقس بالقاهرة، ما أسفر عن استشهاد 29 شخصاً وإصابة 21 آخرين بسبب عبوة ناسف، وفى 7 يوليو 2017 وقع هجوم إرهابى على كمين البرث فى سيناء، ما أسفر عن استشهاد وإصابة 26 من أبطال القوات المسلحة، فى مقدمتهم البطل أحمد المنسى، وحادث مسجد الروضة بسيناء فى خطبة الجمعة، ما أسفر عن استشهاد المئات وإصابة آخرين منهم أطفال، وفى أغسطس 2019 قاموا بتفجير معهد الأورام بمنطقة قصر العينى، ما أسفر عن 22 شهيداً وإصابة 47 آخرين، وهكذا عندما تعارضت مصالح الجماعة مع إدارة الشعب أو استقرت الدولة بعيداً عن نفوذها، لم تجد الجماعة سوى الدم وسيلة لإعادة ترتيب المشهد.
منير أديب، الخبير فى شئون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولى، قال إن جماعة الإخوان المسلمين مارست العنف منذ سنواتها الأولى، مشيراً إلى أن التحول الكبير فى توجهاتها حدث خلال المؤتمر الخامس للجماعة عام 1938، حين أعلن مؤسسها حسن البنا بوضوح أن الجماعة لم تعد تقتصر على العمل الدعوى، بل باتت تنظيماً سياسياً له أهداف تتجاوز التبشير الدينى، وأضاف «أديب» أن البنا قال حينها بشكل صريح: «سوف نستخدم القوة حين لا يجدى غيرها»، وهو ما مهَّد الطريق لإنشاء «النظام الخاص»، عام 1939، باعتباره الذراع العسكرية للجماعة، الذى تولَّى تنفيذ الاغتيالات والعمليات المسلحة.
وأوضح «أديب»، لـ«الوطن»، أن العنف ظل خياراً دائماً للجماعة، تمارسه متى رأت أن الظروف تقتضى ذلك، مؤكداً أن تاريخها حافل بالاعتداءات على ضباط الشرطة والجيش والقضاة والمدنيين، وأن حل النظام الخاص لم يكن نهاية العمل المسلح، بل بداية لظهور تشكيلات أخرى بأسماء جديدة وبنفس المنهج، ففى أعقاب سقوط حكم الإخوان عام 2013 أسست الجماعة عدداً من الكيانات المسلحة مثل حركة «حسم، لواء الثورة، المقاومة الشعبية، وحركة ضنك»، كما دعمت تنظيمات أخرى لتنفيذ عمليات إرهابية داخل البلاد.
التنظيم نفذ موجة تفجيرات استهدفت المصريين من بينها تفجير كاتدرائية القديس مرقس بالقاهرة ومسجد الروضة بسيناء
وأشار الخبير فى شئون الجماعات الإرهابية إلى أن العنف لدى الإخوان لا يقتصر على المواجهة المسلحة المباشرة، بل يشمل أشكالاً متنوعة كالعنف الجنائى والتحريض الإعلامى والتخريب الممنهج، مؤكداً أن الجماعة تتعامل مع توقيت وشكل العنف كقرار استراتيجى تحدده بحسب الظرف السياسى والميدانى، بهدف تحقيق مكاسب تنظيمية.
واختتم «أديب» تصريحاته بالتأكيد على أن العنف ليس طارئاً على فكر الجماعة، بل ركيزة أساسية من عقيدتها التنظيمية منذ عهد البنا، وقد ظل هذا النهج حاضراً فى جميع تحركاتها، سيما بعد 2013، حين رفعت فعلياً شعار «يا نحكمكم.. يا نقتلكم»، تعبيراً عن فلسفتها القائمة على احتكار السلطة أو تدمير الدولة.
وقال سامح عيد، الباحث فى شئون الإسلام السياسى، إن الأيديولوجيا التى تتبناها جماعة الإخوان لا تختلف فى جوهرها عن فكر تنظيمات مثل داعش وغيره من الجماعات الإرهابية، إذ تقوم على العنف واستباحة الدم واستخدام الدين كأداة لتحقيق أهداف سياسية، موضحاً أن ما يسمى بـ«مشروع الدولة الإسلامية» لا يزال يُداعب خيال عدد كبير من الإسلاميين، ليس فقط داخل مصر، بل فى عدد كبير من الدول العربية والإسلامية، وحتى خارجها، موضحاً أن هذا النوع من الفكر لا يتآكل من تلقاء نفسه، بل يُعاد تدويره عبر أدوات معاصرة، وبدعم مباشر من قوى عالمية تستخدمه كوسيلة لإضعاف الدول الوطنية وتفكيك مؤسساتها.
وأكد أن التصدى لتلك الأيديولوجيا لا يكون بالمواجهات الأمنية فقط، بل يحتاج إلى تحرك متكامل يبدأ من تجديد حقيقى للخطاب الدينى، وتفعيل الدور الثقافى والإعلامى والتعليمى، بما يسهم فى رفع الوعى الجمعى وتحصين المجتمع، خاصة الشباب، من الوقوع فى فخ هذا الفكر المتطرف، وختم بالتأكيد على أن المعركة ضد هذا النوع من الفكر ليست وقتية، بل طويلة المدى، وتتطلب استراتيجيات فكرية مستدامة.
وقال هشام النجار، الباحث المتخصص فى شئون الإرهاب، إن العنف والاغتيالات والعمليات الإرهابية ليست مجرد ردود فعل طارئة من جماعة الإخوان تجاه ظروف سياسية معينة، بل تمثل مكوناً أصيلاً ومتجذراً فى فكرها ومنهجها منذ تأسيسها، وأكد أن تاريخ الجماعة يكشف عن ارتباط وثيق بينها وبين كل ما من شأنه تهديد استقرار الدولة وأمن المواطنين، سواء عبر تنفيذ عمليات إرهابية مباشرة، أو عبر محاولات زعزعة النظام السياسى وتقويض مؤسسات الدولة الوطنية.
وأوضح «النجار» أن جماعة الإخوان استخدمت العنف المسلح فى مختلف المراحل، بداية من بعد ثورة 23 يوليو 1952، وصولاً إلى ثورة 30 يونيو 2013، وكانت فى كل مرة تلجأ إلى السلاح والتفجير كأداة للضغط السياسى والانقلاب على الإرادة الشعبية، مشيراً إلى أن الجماعة لم تنظر يوماً إلى الإنجازات والمشروعات القومية باعتبارها مكسباً وطنياً، بل كانت تستقبل كل تقدُّم بتحريض أو تشويه، ولم تُخفِ شماتتها فى الأزمات أو الكوارث، لأنها ترى فى انهيار الدولة فرصة لعودة التنظيم إلى المشهد.
وأضاف الباحث أن «الإخوان» لم تتخلَّ عن نهجها الدموى بعد سقوطها من الحكم، بل زادت تطرفاً، واتجهت نحو تشكيل ما يُعرف بـ«اللجان النوعية»، وهى كيانات مسلحة مارست العنف المنظم عبر خلايا إرهابية استهدفت رموز الدولة ومؤسساتها، ولفت إلى أن من أبرز العمليات التى نفذتها تلك الخلايا كانت عملية اغتيال المستشار الشهيد هشام بركات، بالإضافة إلى سلسلة هجمات استهدفت محطات الكهرباء والمرافق الحيوية، فى محاولة لإرباك الدولة وزرع الفوضى وخلق شعور عام بعدم الأمان، واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن سلوك الجماعة بعد 2013 لم يكن جديداً، بل كان استمراراً لمنهج أصيل يعادى الدولة الوطنية، ويرى فى العنف وسيلة مشروعة لتحقيق أهداف التنظيم على حساب الوطن والمجتمع.