قصة تصريح لعبدالحليم حافظ كاد يطيح بمسيرته.. العندليب يواجه الهجوم بالصمت
قصة تصريح لعبدالحليم حافظ كاد يطيح بمسيرته.. العندليب يواجه الهجوم بالصمت
في يوليو من عام 1966 نشرت مجلة الكواكب خبرًا عن العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ تحت عنوان «هل يصبح عبدالحليم عمر الشريف آخر؟»، وجاء في نص الخبر: «نزل عمر الشريف ضيفاً على عبدالحليم حافظ أيامًا قليلة في لندن، وكان عمر قد سافر إلى حليم ليطمئن عليه فور وصول الأخير إلى لندن، ومن المعروف أن عمر يقيم حاليًا في باريس، وتم الاتفاق في لندن على أن يكون عبدالحليم بطلاً لفيلم بريطاني اسمه مستر جونيور، يحكي قصة شاب عربي يتعلم في لندن، وسيقبض حليم 20 ألف جنيه مقابل الفيلم الذي سيبدأ تصويره قريبًا».
تصريح ناري وهجوم كاسح
بعد أيام ومع عودة العندليب إلى مصر تواصل معه محرر مجلة الكواكب ليعرف منه كواليس الرحلة التي التقى فيها عمر الشريف، وتفاصيل أكثر عن الفيلم المنتظر، فقال حليم: «عمر الشريف إنسان وفنان مجتهد وممكن يصبح عندنا مئات عمر الشريف إذا كانوا مجتهدين مثل عمر، وإذا كان الفنان العالمي يجمع موهبة الجمال أو موهبة الفن فعمر جمع الاثنين وضرب عصفورين بحجر واحد، عمر شكله جميل وسماته شرقية صرفة، وإلى جانب هذا فهو موهوب، وهذا سر جعل عمر الشريف يغزو السينما العالمية»، وحين سأله المحرر: وهل يفكر عمر في العودة إلى مصر؟، رد حليم وقال: «هل يعود ليصبح لعبة في يد مخرجين لا يعرفون من فنون السينما شيئا؟ كلام فارغ إذا عاد عمر ليعمل في السينما المصرية، أما أن يعود للزيارة فأهلاً وسهلاً».
في العدد التالي، تفاجأ العندليب بهجوم كاسح من السينمائيين في مصر ردًا على تصريحه، وكانت البداية من المخرج حسين حلمي المهندس الذي قال: «قرأت بمزيد من الدهشة والأسف الكلمة التي جاءت على لسان الأستاذ عبدالحليم حافظ في حديثه عن النجم عمر الشريف، ويحق لي أن أسأل بدوري بضعة تساؤلات يشاركني فيها العديدون: ما مدى أستاذية الأستاذ عبدالحليم حافظ في الفن السينمائي عامة، وفي فن الإخراج بصفة خاصة حتى يصدر مثل هذه الاحكام؟ هل نسي عبدالحليم أن المخرجين المصريين كانوا هم الأساتذة الأوائل الذين تعلم منهم عمر الشريف، ولولاهم ولولا القاهرة لما كان عمر نجماً عالميًا؟ وهل ينسى عبدالحليم أن المخرجين المصريين قد أسهموا بنصيب فيما أصابه هو شخصيا من مجد وشهرة؟ وإذا كان لا يعترف بمقدرتهم أو وجودهم فكيف قبل ويقبل أن يعمل معهم؟».
إبراهيم عمارة: عمر الشريف لا يمت لنا بصلة
وأضاف إبراهيم عمارة أول مخرج يعمل معه عبدالحليم: «كلام السيد عبدالحليم حافظ يدخل تحت باب المقارنات بين إمكانيات السينما العربية والسينما في أوروبا وأمريكا، وهي مقارنة ظالمة، وفي رأيي أنه لا ينقص فناني السينما العربية غير الآلات والمعدات التي تستخدمها السينما الأمريكية والأوروبية، وثمة ملاحظة مهمة يجب ألا تفوت الأخ عبدالحليم وهي أن عمر الشريف الذي يبدو من حديث عبدالحليم أنه مبهور به، ليس مصريًا ولا عربيًا ولا شرقيًا ولا يمت لنا بصلة من بعيد أو قريب، بل هو أجنبي الأصل والنزعة والفكر والدم، وليس غريبًا أن تتاح له هذه الفرصة بين قوم تربطه بهم صلات القُربى والدم واللغة، لكن الأخ عبدالحليم الذى يتطلع لأن يكون مثل عمر الشريف لن يجد من يفهمه أو يطرب لصوته غير العرب الذين صنعوا شهرته، وكان أولى بعبدالحليم أن يشكر المخرجين المصريين على أنهم أتاحوا لشاب من الخواجات فرصة الظهور كممثل في الأفلام العربية ولفتوا إليه أنظار المخرجين الأجانب من بني جنسه، وإني أقدم للسيد عبدالحليم نصيحة خالصة لوجه الله، وهي أنه من الخير أن يكون في بلده الذى يفهمه ويقدره بدلاً من أن يسافر إلى الخارج مقلدًا عمر الشريف فيصبح هو لعبة في أيدي المخرجين الأجانب».
حسن الإمام: عبدالحليم كله «خطايا»
وعلق المخرج حسن الإمام على تصريح العندليب قائلاً: «إنني أعتبر عبدالحليم حافظ ابني وعندما يخطئ ابني أضربه على يديه، وقد أخطأ حليم في حق نفسه وحق من صنعوه، حتى أصبح كله خطايا، فإذا كانت البلد أو السينما العربية لا تعجب عبدالحليم فما عليه إلا أن يرحل ويلتحق بعمر الشريف ولن يضيرنا رحيله في شيء، ثم يا عبدالحليم هل عيّنك عمر الشريف مدير دعاية له؟ ماذا فعل عمر الشريف للبلد الذي آواه؟ ماذا فعل عمر بدولاراته التي يكسبها للصناعة التي خلقته يوم أن كان يتطلع إلى المخرجين المصريين، واتخذ من فاتن حمامة وسيلة ليصعد سلالم المجد؟ لماذا يا عبدالحليم تسب الفنانين المصريين الذين صنعوك؟ من الذي صنعك، إبراهيم عمارة أم الخواجة الأمريكاني؟ من الذي صنعك، عز الدين ذو الفقار أم خواجة فرنساوي؟ من الذي صنعك، حلمي حليم أم خواجة كندي؟ وأخيرا سؤال لك يا عبدالحليم: هل سمعت في حياتك أن موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب قد شتم أحدًا وأن سيدة الغناء العربي أم كلثوم قد سبّت أحدًا؟ لا، ولن تسمع أبدًا لأنهما مثل أعلى للفن، شخصية وإحساسًا وغناءً».
أحمد بدرخان: لولا مخرجو مصر ماكانش حد سمع عن حليم وعمر الشريف
وقال المخرج أحمد بدرخان: «يكفي المخرجين المصريين فخرًا أنه لولا جهودهم لما عرف أحد أو سمع باسم عبدالحليم أو عمر الشريف، ويكفيهم فخرًا أنهم أصبحوا يصدرون للسينما الأمريكية والأوروبية مواهب من اكتشافهم».
فطين عبدالوهاب: وقانا الله وإياه شر الغرور
أما المخرج فطين عبدالوهاب فقال في رده: «أعتقد أن عبدالحليم حافظ قد خانه التوفيق في تلك الكلمة التي جرت على لسانه، ويبدو أنه في حاجة لأن أقول له إنه في إمكان المخرجين المصريين أن يقدّموا أعمالًا سينمائية تقف على قدم المساواة مع الأعمال السينمائية العالمية، وقد سبق وقدمت السينما العربية فيلم الناصر صلاح الدين، وغيره من الأفلام التي صادفت نجاحًا في السوق العالمية، وما كان يجب على عبدالحليم حافظ أن يسيئ إلى المخرجين المصريين في الوقت الذي يدين بشهرته وما يتمتع به من نجاح لبعض هؤلاء المخرجين، وقانا الله وإياه شر الغرور».
فريد شوقي: الاعتذار أو المقاطعة
وقبل أن تهدأ العاصفة دخل النجوم على خط الأزمة، ونشرت مجلة الكواكب تصريحات لفريد شوقي الذى قال: «يبدو أن عبدالحليم قد نسي أن فاتن حمامة هي التي فرضت عمر الشريف على السينما المصرية، وقد بذلت في سبيل ذلك جهودًا عنيفة، والفرص التي هُيئت لعمر للعمل في الأفلام الأجنبية سبق أن عُرضت عليّ ورفضتها، ويشهد على ذلك صلاح أبو سيف الذى كان معي في إيطاليا عندما عرضوا عليّ التفرغ للسينما الإيطالية، فرفضت كل هذه الفرص، مفضّلاً أن أكون بين فناني بلادي، أخدم الفن العربي والقضايا العربية، وليس عندي من تعليق على الكلمة التي قالها عبدالحليم عن مخرجي السينما المصرية إلا أنه قد جانبه الصواب، وهي زلة لسان من الممكن أن يعتذر عنها فورًا، فإذا رفض الاعتذار فيجب على المخرجين المصريين أن يقاطعوه ويرفضوا التعاون معه».
شكري سرحان: الطعمية إذا وضعت على موائد عالمية ستأخذ الشكل العالمي
بينما جاء في تعليق شكري سرحان المنشور بمجلة الكواكب: «أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني، صحيح مخرجينا على المستوى المحلي، وعمر مع مخرجين عالميين، لكن هذا لا يمنع أن عندنا مستوى عالي جدًا من المخرجين، يوسف شاهين وصلاح أبو سيف وتوفيق صالح وكمال الشيخ وسيد عيسى، كل هؤلاء نوابغ في الإخراج، وإذا كان عبدالحليم قال هذا الكلام فهو غلطان، وربما نسي أن المخرجين عندنا يشتغلون في نطاق محدود، والطعمية إذا وضعت على موائد عالمية ستأخذ الشكل العالمي وهكذا الإنتاج السينمائي، كلام عبدالحليم يذكرني بمسرحية بجماليون، إنسان يصنع إنسانًا من لا شيء ويحيله إلى شيء ثم يتخلى عنه بعد أن كبر واشتد عوده، أنا عاوز أتكلم كتير، لكني أمتنع وأتكلم في حدود، لأن فيه فنانين وفنانات لهم شلل، وللشلل أقلام والواجب أن ألوذ بالصمت».
ماجدة: يجب ألا نقلل من شأن السينمائيين المصريين
وعلقت ماجدة: «المعروف أن الذكاء المصري موضع تقدير جميع الشعوب، ومن حقنا أن نعتز ونفخر بجهود السينمائيين المصريين أولاً وأخيرًا، ولا نقلل من شأنهم ولا نتجاهل أيضًا مكانة السينمائيين الأجانب، لقد مضى ذلك العهد وأصبحنا شعبًا يحسب له ألف حساب في كل المجالات، إن السينمائيين المصريين أقوياء بذكائهم أما السينمائيون الأجانب فأقوياء بأموالهم».
لبنى عبدالعزيز: كلام عبدالحليم حامي شوية
واختتمت لبنى عبدالعزيز: «مفيش عيب على مخرجينا في حدود مستوانا ولكل حلقة حدودها، وكلام عبدالحليم حامي شوية، وعمر من حقه أن يتعامل مع مخرجين عالميين ما دام قد أصبح ممثلاً عالميًا، ومخرجونا على قدنا».
حليم يتلزم الصمت
مع كل تلك الانتقادات، اكتفى حليم بالصمت، فيما أشارت بعض المصادر إلى أنَّ المقربين منه نصحوه بعدم الرد، وأن يدع العاصفة حتى تمر بسلام، وهو ما تحقّق لاحقًا، خصوصًا بعد أن تعرّض لأزمة صحية وسافر إلى لندن ليخضع لفحوصات مكثفة.