صدفة الزراعة قادته إلى النجومية.. محطات في حياة عبدالوارث عسر

كتب: إلهامي سمير

صدفة الزراعة قادته إلى النجومية.. محطات في حياة عبدالوارث عسر

صدفة الزراعة قادته إلى النجومية.. محطات في حياة عبدالوارث عسر

كشف الفنان الكبير عبدالوارث عسر عن كواليس رحلته نحو عالم النجومية والشهرة، مؤكدًا في حديثه في عدد 8 نوفمبر 1966 لمجلة الكواكب أنه عاش حياة ثرية، بدأت باسمه الذي يوحي بالمشقة، لكنها مضت خالية من العسر، لتصنع قامة فنية راسخة في تاريخ السينما والمسرح المصري، موضحًا كيف تغلغل حب الفن والأدب في نفسه منذ الصغر، وكيف واجه التحديات ليشق طريقه في عالم التمثيل والتأليف، تاركًا بصمة لا تُمحى في وجدان الجمهور.

بدايات فنية في مدرسة خليل أغا

وُلد عبدالوارث عسر بالقاهرة في 17 سبتمبر عام 1891، وسُمي بهذا الاسم الذي اشتق من العسر والشدة، على الرغم من أن حياته مضت بعيدة عن الصعاب. تلقى عبدالوارث تعليمه الابتدائي في مدرسة خليل أغا، وهناك كانت الشرارة الأولى لاكتشاف موهبته الفنية. يقول "عسر" في حواره للكواكب: "في مدرسة خليل أغا عرفت فن التمثيل، حيث كانت المدرسة تقدم روايات يمثلها التلاميذ تحت إشراف المرحوم أحمد فهيم، وكنت أمثل الأدوار الرئيسية في هذه الروايات فتغلغل حب التمثيل في نفسي وأحببت الأدب منذ ذلك الوقت".

صقل الموهبة

مع التحاقه بمدرسة القاهرة الثانوية بحي السيدة زينب، بدأ "عسر" يدرس الأدب بعمق وتوسع، مستفيدًا من توجيهات أستاذ ألماني من المستشرقين، وقد أكد أن هذه الفترة ساعدته على إشباع هوايته للأدب بالكتابة في بعض المجلات، بينما كانت حفلات المدرسة هي المتنفس لهوايته في التمثيل.

مفترق الطرق

في عام 1914، حصل "عسر" على شهادة البكالوريا، وفي نفس العام توفي والده، واضطرته الظروف العائلية للانتقال إلى الريف وممارسة الزراعة، مبتعدًا عن الأضواء والأدب والفن، لكن حبه العميق للأدب والتمثيل ظل يملأ قلبه وعقله، وهو ما قال عنه لـ"الكواكب": "حب الأدب والتمثيل كان يملأ رأسي وقلبي وكان ينازعني حب الريف وهدوئه، وأخيرًا آمنت بأن الزراعة ليست المهنة التي خُلقت لها، وضقت ذرعًا بالزراعة والريف فشددت الرحال عائدًا إلى القاهرة". عاد "عسر" ليجد أن الأدب قد تحول من المقالة والخطبة والقصيدة إلى الرواية، ففكر في أن يكتب الرواية، وكان المسرح هدفه الأول.

خطوات واثقة نحو النجومية

لم تكن بداية عسر في عالم التمثيل سهلة، حيث التحق بفرقة الشيخ سلامة حجازي بدون أجر، لكنه لم يستمر طويلًا بسبب طبيعة المسرحيات الغنائية التي لم يرتح لها، فيما كانت الفرصة الحقيقية عندما عاد جورج أبيض من أوروبا وأسس فرقته. يفسر عسر: "لما عاد الأستاذ جورج أبيض من أوروبا وأسس فرقته وبدأ يقدم المسرحيات العالمية ويقبل عليها علية القوم، أيقنت أن الفرصة قد واتتني، فانفصلت عن فرقة الشيخ سلامة والتحقت عام 1917 بفرقة الأستاذ جورج كممثل مبتدئ يقوم بتمثيل أدوار ثانوية بدون أجر". جاءت اللحظة الحاسمة عندما رُشح عبدالوارث عسر لدور كبير، واستطاع تمثيله ببراعة، مما شجع جورج أبيض على إسناد أدوار أخرى إليه، وقرر تخصيص راتب له قدره 6 جنيهات.

مرحلة النضوج الفني

بعد حوالي عام، أسس عبدالرحمن رشدي فرقته ودعا عسر للاشتراك فيها، فاستأذن "عسر" من جورج أبيض، موضحًا السبب لـ"الكواكب": "شعرت أن اللون التراجيدي لا يلائم مواهبي وأن الدراما أليق بي وأستطيع أن أثبت وجودي فيه". في هذه الفترة، تعرّف "عسر" على صديق عمره ورفيق دربه، الفنان الكبير سليمان نجيب، وعملا معًا في العديد من الفرق، ثم في السينما، فيما اشتركا في وضع عدد من الروايات للمسرح.

تدهور المسرح والتوجه نحو السينما

مع تدهور حالة المسرح بسبب الحرب العالمية الأولى، نصحه بعض الأصدقاء بالالتحاق بعمل حكومي لضمان قوت يومه، وبالفعل، التحق "عسر" بوزارة المالية في عام 1921، لكنه لم ينقطع عن المسرح نهائيًا، بل ظل على اتصال دائم به، يكتب ويمثل. وزاد نشاطه عندما بدأ يوسف وهبي في تكوين فرقة رمسيس، حيث كان يستعين به في بعض الأدوار، ومع ظهور السينما، اتجه إليها عبدالوارث عسر، وعمل فيها بالتمثيل والتأليف، لتبدأ انطلاقة مسيرته الفنية الحافلة بالإبداع.