«الأكياس البلاستيكية».. رفيق المصريين المدمر لصحتهم ينتظر ظهور بديل آمن

كتب: منة عبده

«الأكياس البلاستيكية».. رفيق المصريين المدمر لصحتهم ينتظر ظهور بديل آمن

«الأكياس البلاستيكية».. رفيق المصريين المدمر لصحتهم ينتظر ظهور بديل آمن

«الكيس البلاستيك مشارك أساسى فى يومنا أنا وولادى وجوزى ما نقدرش نعيش من غير ما نستخدمه».. هكذا بدأت نهى عبدالحميد، صاحبة الـ40 عاما، ربة منزل، وإحدى سكان منطقة الهرم، حديثها عن مدى أهمية الكيس البلاستيك فى حياتها اليومية وفى حياة أفراد أسرتها.

تعتمد «نهى» على استخدام الأكياس البلاستيك سواء خارج المنزل، عند قيامها بشراء الخضراوات والفواكه ومستلزمات المنزل، أو داخل المنزل عن طريق تخزين الطعام داخلها ووضعه فى الثلاجة والفريزر لحفظه: «الأكياس البلاستيك سهلة التخزين ومش مكلفة، بشترى فيها الطلبات، ولما أرجع البيت أنضفها وأستخدمها تانى فى التخزين، لأنها ما بتاخدش مكان فى الفريزر والتلاجة، عكس العلب والأطباق».

ربة منزل: ببلاش وبنشترى فيها الطلبات وبنخزن فيها الأكل.. وابنتها: ما بنلاقيش غيرها

تلتقط منها أطراف الحديث ابنتها، أسماء على، صاحبة الـ14 عاماً، طالبة بالصف الثانى الإعدادى، قائلة: «ماما بتنبه عليا كل يوم الصبح أرجع كيس السندوتشات معايا، علشان تستخدمه تانى يوم، وأنا رايحة المدرسة».

تلفت أسماء النظر إلى أنها منذ بدأت الذهاب إلى المدرسة لا تعرف وسيلة لحفظ الطعام غير الكيس البلاستيك، وذلك لكثرة وجوده داخل المنزل، وعند التجار والبائعين الذين تشترى طلبات المنزل لوالدتها منهم: «أى مكان بروح أجيب منه طلبات لماما، سواء السوق أو السوبر ماركت، مش بلاقى غير الكيس البلاستيك، هو ده اللى موجود ببلاش».

يتدخل الأب على السيد، صاحب الـ 45 عاماً، موظف بالقطاع الحكومى، مؤكداً أيضاً أهمية الكيس البلاستيك فى حياته اليومية، حيث اعتاد أن يصطحب فيه السندوتشات التى تحضرها له زوجته، وتضعها فى كيس بلاستيك صغير، يمكن وضعه داخل شنطة اليد الخاصة به.

يقول الأب: «الكيس البلاستيك مزاياه كتير، أولاً ببلاش، وبناخده مع الحاجة اللى بنشتريها، ثانياً حجمه صغير جداً ومش بياخد مكان، كمان بيحافظ على الأكل ومش بيبهدله، لكن العلب الزجاج بتاخد حيز وسعرها مكلف».

وأشار «السيد» إلى أنه يحرص عند ذهابه إلى السوق لشراء طلبات المنزل، أن يضع كل صنف فى كيس بلاستيك مستقل، كى يحصل فى النهاية على عدد أكبر من الأكياس فى نهاية رحلته، ليزيد من رصيد زوجته من الأكياس: «مراتى بتحب تخزن العيش والخضار والفاكهة واللحوم، فى أكياس بلاستيك، علشان كده ما نقدرش نستغنى عنها».

تعود الأم مرة أخرى للحديث، قائلة: «زمان كنا بنستخدم الشنط القماش، وكانت الشنطة بتعيش معانا العمر كله، لكن دلوقتى الشُنط دى مش موجودة، ولو موجودة أكيد هيبقى سعرها غالى»، موضحة أنها سمعت من قبل عن أضرار استخدام الأكياس البلاستيك، ولكنها لم تجد أمامها البديل المناسب: «كل حاجة ليها مزايا وعيوب، واللى متاح قدامنا بنعيش بيه، ولو اتوفر لنا حاجة آمنة وسعرها مناسب لينا، أكيد هنختارها علشان صحتنا وصحة أسرنا».

وفى السياق نفسه، يوضح د. عزت حسن، الخبير البيئى، أن البلاستيك يعد أحد الاكتشافات التى أدت لتسهيل حياة البشر بشكل كبير، وقد انتشر استخدام الأكياس البلاستيكية تحديداً لسهولة استعمالها ووزنها الخفيف، لكن على الرغم من هذا فقد حمل البلاستيك أضراراً صحية كبيرة.

واستشهد «حسن» بدراسة أعدتها وزارة البيئة عام 2019 تحت عنوان «مخاطر الأكياس البلاستيك»، أوضحت أن أكياس البلاستيك تُعتبر بمثابة قاتل خفى، تفوق فى خطرها الأوبئة والحروب، إذ تتسبب فى قتل طفل كل دقيقة حول العالم.

وأشار إلى أنه طبقاً لهذه الدراسة فإن مصر تستهلك نحو 12 مليار كيس بلاستيكى سنوياً، وبلغ استهلاك البلاستيك للفرد 25 كيلوجراماً فى عام 2012، وهو الرقم الذى تضاعف فى السنوات الأخيرة.

ووفقاً لبيانات مركز التجارة الدولى، سجلت واردات مصر من البلاستيك والمنتجات المصنعة منه عام 2021 نحو 4093.208 مليون دولار، بزيادة قدرها 37.42% عن العام السابق 2020، الذى سجل نحو 2978.579 مليون دولار.

وأوضح «حسن» أن البلاستيك مادة يتم صنعها من خلال عمليات متعددة أساسها النفط الذى يعد المادة الأولية فى صناعة اللدائن، كما يمكن إنتاجها باستخدام الغاز الطبيعى والفحم كمادة أولية. ويتم تصنيع أكياس البلاستيك عادة من مادة البولى إيثيلين وهى عبارة عن سلسلة طويلة من ذرات الكربون والهيدروجين.

وأكد أن هذه الأكياس تمثل عبئاً كبيراً على البيئة لأنها غير قابلة للتحلل، وعند حرقها بشكل عشوائى تتصاعد منها مركبات كيميائية تُشكل سحابة سوداء تؤدى لتلوث الهواء وتؤثر سلباً على صحة الجهاز التنفسى.

وأشار إلى أن حفظ الأطعمة فى الأكياس البلاستيكية، خصوصاً إذا كانت ساخنة، يؤدى إلى تحرر بعض المواد الضارة التى تسبب تغيرات واضطرابات هرمونية فى الجسم، مثل اضطرابات الغدد الصماء، كما تزيد الأكياس والعلب البلاستيكية التى تُستخدم فى حفظ أو نقل المواد الغذائية من فرص الإصابة بالتشوهات الخلقية، بسبب وجود مواد كيميائية تتفاعل مع الغذاء المحفوظ أو المنقول بواسطتها.

ولفت الخبير البيئى إلى أن الأكياس البلاستيكية المُلقاة على الأرض تشكل وعاء لتجمع المياه وتكاثر الجراثيم ما يسبب التلوث البيئى، كما أن المواد العضوية المستخدمة فى صناعة منتجات البلاستيك والأكياس البلاستيكية، مثل: بولى فينيل كلوريد (PVC)، تزيد من فرص الإجهاض وتعمل على خفض مستويات هرمون التستوستيرون فى الجسم.

وأشار إلى أن إلقاء الأكياس البلاستيكية تحت أشعة الشمس يُمكن أن يتسبب فى انبعاث غازات ضارة جداً على صحة الإنسان، كما أن التعرض للمواد الكيميائية الضارة أثناء التصنيع، أو اختلاطها بالمواد الغذائية المخزنة أثناء استخدام العبوات البلاستيكية قد يعود بنتائج صحية ضارة شديدة.

وحول أسباب استخدام المواطنين للأكياس البلاستيكية، أكد «حسن» أنها تتمثل فى عدم توافر بدائل منخفضة التكلفة، مثل الشنط الورقية أو القماش، وارتفاع أسعار تلك البدائل عن مثيلاتها فى البلاستيك، بالإضافة لقلة الوعى البيئى والصحى بمخاطر استخدام الأكياس البلاستيكية فى حفظ ونقل الطعام، وعدم وجود مبادرات وحملات توعية من الدولة والمجتمع المدنى بمخاطر استخدام الأكياس البلاستيكية فى الحياة اليومية، وعدم وضع هذه القضايا والمخاطر فى المقررات الدراسية، مثل التربية البيئية، وعدم التركيز الإعلامى عليها لأهميتها وتعدد مخاطرها.

«حسن»: أكياس البلاستيك قاتل خفى وقلة الوعى البيئى والصحى بمخاطر استخدامها وراء انتشارها

وشدد «حسن» فى المقابل على أن الدولة يجب أن تقوم بمبادرات وحملات بيئية وتوعوية على نطاق كبير، لزيادة وعى المواطنين بمخاطر استخدام الأكياس البلاستيك على صحتهم، وتشجيع الجمعيات والمؤسسات على طرح بدائل آمنة منخفضة التكلفة ليتجه إليها المواطنون، ويبتعدوا عن استخدام الأكياس البلاستيكية.

وفى سياق البحث عن حلول للمشكلات والمخاطر المرتبطة بالأكياس البلاستيكية، يؤكد د. مجدى علام، الخبير الدولى فى شئون البيئة، وأمين اتحاد خبراء البيئة العرب، أن الشرط الأول للحد من مخاطر البلاستيك هو الحد من إنتاجه واستهلاكه من الأساس، وبعد ذلك فإن أى بقايا من البلاستيك يجب جمعها أو تدويرها أو حرقها فى مدافن صحية، بحيث لا تترك فى الجو أو المياه أو التربة والأرض.

«علام»: الحد من إنتاجها واستهلاكها أول شروط مواجهة مخاطرها.. ويجب استبدالها بـ«القماش والورق»

وأوضح «علام» أن اختلاط بقايا البلاستيك بالهواء والمياه والتربة، يؤدى لمشكلات بيئية وصحية عديدة، مضيفاً أنه فى حال ترك الأكياس البلاستيكية على الأرض تتحلل وتتفتت وتتحول إلى مادة بيضاء، وعند انتشارها على الشواطئ ووصولها للبحار، تتناولها الأسماك عن طريق الخطأ، وهو ما قد يؤدى لنفوقها، وعند شرائها قد نجد فى أحشائها نقاطاً بيضاء، وهى البقايا المُفتتة من البلاستيك التى تغذت عليها، ما يعود ويضر البشر.

وأشار «علام» إلى أنه يجب على كل دولة الحرص على جمع جميع المخلفات البلاستيكية، وخاصة الأكياس التى تتطاير فى الهواء، والتخلص الآمن منها، للحد من تلوث البيئة والتأثير السلبى على صحة البشر والنبات والحيوان والبحار، وتسليمها للجهات البيئية المسئولة أو أفران الحرق، ومصانع التدوير، ومهم للغاية التوجه نحو استخدام الكيس القماش والورق، مضيفاً: «الكيس الورق أو القماش صديق للبيئة وللإنسان، لعدم وجود أى مخاطر صحية من استخدامه فى تغليف الطعام».

وتطرق «علام» إلى واحد من المشاهد الخطيرة، التى باتت منتشرة فى حياتنا اليومية، وهى وقوف الأفراد أمام المطاعم لشراء الأطعمة الساخنة مغلفة بالأكياس البلاستيكية، وهو ما يُعرض من يتناول هذا الطعام للإصابة بأمراض خطيرة قد تصل إلى السرطان، نظراً لتفاعل درجة حرارة الطعام مع المواد الكيماوية المصنع منها الأكياس البلاستيكية، قائلاً: «نناشد الحكومة والمسئولين والمواطنين بشكل خاص استخدام الورق والشنط القماش فى نقل وحفظ الأطعمة، والابتعاد عن الأكياس البلاستيكية».

وفى هذا السياق، أكد «علام» أهمية التوعية: «لأن الناس مش هتستوعب فكرة الخطر من استخدام الأكياس البلاستيك غير فى حالة رؤية تحلل تلك الأكياس، والاستماع إلى حديث متخصصين وأطباء عن خطورة ذلك على الصحة».

وأوضح أن من أهم الحلول التى يمكن من خلالها التخلص من الأكياس البلاستيكية والحد من استخدامها، إطلاق مبادرات من جانب المجتمع المدنى والشباب والمرأة والحكومة لجمع الأكياس البلاستيكية والتعريف بمخاطرها، وأن نستبدل بها الشنط القماش بتكلفة بسيطة تتماشى مع الظروف الاقتصادية للمواطنين، بجانب قيام وزارة البيئة بتخصيص محارق آمنة مُخصصة للبلاستيك، وتوسيع نطاق المبادرات والوصول للمواطن على أرض الواقع بشكل أفضل، والبحث عن حلول مناسبة لإنهاء عصر استخدام الأكياس البلاستيك، وتوفير بديل مناسب للمواطنين لشرائه والتعامل به.


مواضيع متعلقة