دراسة دولية: جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين «قسوة منظمة»

كتب: سيد خميس

  دراسة دولية: جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين «قسوة منظمة»

دراسة دولية: جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين «قسوة منظمة»

دفعت وحشية جيش الاحتلال الإسرائيلى فى قطاع غزة، على مدار أكثر من 21 شهراً، باحثين سوسيولوجيين من جامعة «دبلن»، بأيرلندا، لوصف الحرب الإسرائيلية على القطاع بأنها ليست مجرد صراع تقليدى أو حتى حرب غير متكافئة، بل هى مؤشر على مسار أكثر قتامة فى طبيعة الحروب الحديثة، حيث يتحول القتل الجماعى إلى إجراء بيروقراطى تنفيذى يخلو من أى شعور بالندم أو الصراع الأخلاقى.

وطرح الباحثان الدكتور «سينيشا ماليشيفيتش»، والدكتورة «ليا ديفيد»، فى دراسة بعنوان «القسوة المنظمة: غزة وسوسيولوجيا الحرب»، نُشرت فى مجلة «أبحاث الإبادة الجماعية»، مفهوم «القسوة المنظمة»، حيث لا يُقتل الإنسان لكونه عدواً مباشراً، بل لأنه يمثل عائقاً وظيفياً، فى طريق تنفيذ أهداف عسكرية أو سياسية عُليا، وهو ما يحدث الآن فى غزة لتنفيذ أهداف سياسية إسرائيلية عليا، فى إشارة إلى الإبادة الجماعية وتهجير مواطنى غزة، وأن الحرب فى القطاع تعكس أزمة أخلاقية عميقة فى نماذج تنظيم العنف.

وركز الباحثان على ما يصفانه بالقدرة «التنظيمية القسرية»، الهائلة لدولة الاحتلال الإسرائيلى، التى بُنيت على إرث إدارى عسكرى منذ الانتداب البريطانى، وتطورت إلى منظومة حديثة قادرة على إدارة العنف بأدوات متقدمة.

وتوضح الدراسة كيف أصبح الجيش الإسرائيلى يعتمد على أنظمة ذكاء اصطناعى مثل «Gospel»، و«Lavender»، التى تحدد أهدافاً بشرية للقصف بضغطة زر، حيث تُنتج مئات الأهداف يومياً، ما دمر أكثر من 70% من مبانى غزة، وأسقط أكثر من 70 ألف طن من القنابل على القطاع خلال أشهر معدودة، متجاوزة ما أُسقط خلال الحرب العالمية الثانية على مدن أوروبية كبرى.

لا تكتفى الحرب بالقوة، بل تحتاج -وفق الدراسة- إلى شرعية، وهنا تؤكد الدراسة أن الخطاب القومى الإسرائيلى يلعب دوراً مركزياً. فكل المؤسسات، من الجيش إلى التعليم والإعلام، تشارك فى نشر تصور للعالم يُجرد الفلسطينى من إنسانيته، ويمنح المقاتل الإسرائيلى إحساساً بالحق المطلق، وأن تصريحات مسئولين إسرائيليين، التى وصفت الفلسطينيين بـ«الحيوانات البشرية»، أو تشبيه الحرب بـ«صراع أبناء النور مع أبناء الظلام»، تُعد تمهيداً أيديولوجياً لـ«شرعنة الإبادة».

«الوطن» تواصلت مع الدكتور «سينيشا ماليشيفيتش»، عالم الاجتماع التاريخى المقارن، وأستاذ ورئيس قسم السوسيولوجيا بجامعة «دبلن»، لشرح أوسع لمفاهيم الدراسة، وأفاد الدكتور «ماليشيفيتش»، بأنه بتحليل حرب إسرائيل على قطاع غزة، أكثر الحروب الحالية تدميراً، نجد أن هذا الصراع العنيف عن الحروب الأخرى الجارية، كتلك التى فى أوكرانيا أو ميانمار أو السودان، من حيث الخسائر فى صفوف المدنيين، فبينما كانت الوفيات بين المدنيين فى معظم النزاعات الحديثة الأخرى أقل بكثير من الوفيات العسكرية، فإن الغالبية العظمى من الضحايا فى غزة هم من النساء والأطفال، وقدّرت عدة مصادر مستقلة هذه النسبة بـ80%.

وحول مفهوم القسوة المنظمة، أوضح الدكتور «ماليشيفيتش»، لـ«الوطن»، أن «القسوة المنظمة» هى عملية تنطوى على القتل الجماعى للبشر لتنفيذ هدف أيديولوجى معين، لا يُقتَل «العدو»، بسبب معتقداته أو هوياته أو ما يفعله، بل لأن وجوده فى حد ذاته يعيق تطبيق الآفاق الأيديولوجية الأوسع، مشيراً إلى أن آلة الحرب الإسرائيلية فى هذه الحالة ترى فى مواطنى غزة ما يعيق تطبيق أيديولوجيا التيار الحاكم فى إسرائيل الآن.

وبسؤاله عن السلوك الحربى الإسرائيلى فى غزة، وهل يعكس نموذجاً جديداً للحوكمة العسكرية، أم أنه امتداد لأنماط رأيناها تاريخياً؟ قال إن اعتماد جيش الاحتلال الإسرائيلى المفرط على التقنيات الجديدة مثل الذكاء الاصطناعى والتجاهل التام للضحايا المدنيين قد جعل الحرب فى غزة أكثر قسوة من الناحية التنظيمية. على سبيل المثال، بينما كان الجيش الإسرائيلى فى النزاعات السابقة مع الفلسطينيين يعمل على مبدأ أن نسبة الضحايا المدنيين المقبولة هى مدنى واحد مقابل كل مسلح رفيع المستوى، فقد تغير هذا الآن فى الحرب الدائرة فى غزة إلى 15 مدنياً مقابل كل عضو منخفض المستوى فى حركة حماس.

وبينما كان محللو الجيش الإسرائيلى فى النزاعات السابقة يستطيعون تحديد 50 هدفاً جديداً فى غزة سنوياً، فإن أنظمة الذكاء الاصطناعى مثل «جوسبل» (Gospel) و«لافندر» (Lavender) تسمح للجيش الإسرائيلى بتحديد 100 هدف يومياً. لذلك، بدلاً من أن تمثل هذه الحرب نموذجاً جديداً، فإنها لم تفعل سوى تكثيف الديناميكيات القائمة للحروب الحديثة حيث يتلاشى التمييز بين الجنود والمدنيين باستمرار.

وحول طرق تغيير التكنولوجيا، خاصة الذكاء الاصطناعى والأسلحة الموجهة عن بُعد، المسافة الأخلاقية بين الجنود والمدنيين، أضاف «ماليشيفيتش»، لـ«الوطن»، أنه لطالما كان للتطورات الجديدة فى التقنيات العسكرية تأثير عميق على طابع الحرب. وهذا ينطبق بشكل أكبر الآن، حيث يمكن نشر أسلحة موجهة عن بُعد تعمل بالذكاء الاصطناعى، وأجهزة روبوتية، وتكنولوجيا نظام تحديد المواقع العالمى (GPS)، وتكنولوجيا النانو، والعديد من الاكتشافات الجديدة الأخرى لشن حروب أكثر تدميراً. يمكن للمرء أن يرى عواقب هذه التقنيات الجديدة فى غزة وأوكرانيا، حيث تعيث الطائرات دون طيار وغيرها من الأسلحة الموجهة عن بعد التى تعمل بالذكاء الاصطناعى، فساداً فى المناطق الحضرية المكتظة بالسكان ولا تفرق بين الجنود والمدنيين. وأشار إلى أن عالم الاجتماع العسكرى البريطانى «أنتونى كينج»، حلل ديناميكيات حرب المدن وأظهر مدى صعوبة الاستيلاء على الأهداف العسكرية والسيطرة عليها داخل التجمعات السكانية المكتظة. وبما أن معظم سكان العالم يعيشون الآن فى مدن كبيرة، فمن المرجح أن تؤدى الحروب إلى وفيات أكثر بين المدنيين.

أما عن تداعيات أن الحد الفاصل بين الحرب والإبادة الجماعية أصبح ضبابياً على نحو متزايد على القانون الدولى والأعراف الإنسانية، قال عالم الاجتماع التاريخى إن علماء آخرين مثل مايكل مان ومارتن شو جادلوا بأن الحروب المعاصرة أصبحت أكثر تدميراً من أى وقت مضى مع تزايد استهداف المدنيين. غالباً ما يُنظر إلى المدنيين على أنهم مجرد عقبة، أو أضرار جانبية يجب إزالتها. وقبل القرن العشرين، كانت الحروب تُخاض فى الغالب فى ساحات المعارك والجبهات، حيث كان الجنود يطلقون النار على بعضهم البعض بينما يظل المدنيون خارج مناطق الحرب.

لقد غيرت الحربان العالميتان هذا المسار بأن أصبحتا حربين شاملتين حيث كانت مجتمعات بأكملها تتقاتل، وأصبح التمييز بين الجندى والمدنى ضبابياً للغاية. وأضاف أنه فى العقود العديدة الماضية، شهدنا العديد من الحروب، بما فى ذلك رواندا، والبوسنة والهرسك، وسريلانكا، والآن غزة، التى محَت هذه الثنائية بين المدنى والعسكرى، مما أدى إلى ممارسات إبادة جماعية. ومع ذلك، فى التسعينيات، كانت هناك إرادة لدى المجتمع الدولى لتقديم مرتكبى الإبادة الجماعية إلى العدالة، ولكن هذا الأمر تضاءل الآن. وإننا نعيش اليوم فى عالم مختلف تماماً حيث تتجاهل أكثر الدول قوة القانون الدولى والأعراف الإنسانية. والنتيجة طويلة الأمد لذلك هى احتمالية أن تكون الحروب المستقبلية أكثر تدميراً وأكثر ميلاً للإبادة الجماعية.

وعن أهم نتائج خلصت إليها دراسة حرب إسرائيل فى غزة سيسولوجياً، أفاد بأنه للأسف، الواقع الاجتماعى للحروب المعاصرة قاتم للغاية، وإذا واصلنا على هذا النمط، يمكن للمرء أن يتوقع المزيد من النزاعات المدمرة فى المستقبل القريب، وأن الحروب أصبحت أكثر فتكاً. وأنه للأسف، أيضاً، تغيرت الظروف الجيوسياسية الآن بشكل جذرى، ويعمل بعض قادة أكبر وأقوى الدول فى العالم بجد لتقويض مشروع حماية حقوق الإنسان بأكمله، ومؤسساته، مؤكداً أنه حاول أن يوضح ذلك فى كُتبه، خاصة فى كتاب صعود الوحشية المنظمة (The Rise of Organised Brutality).

وأكد أن هناك الكثير من الضغط على الأكاديميين فى بعض البلدان، وخاصة فى ألمانيا والولايات المتحدة، لعدم استخدام مصطلح الإبادة الجماعية، عند وصف ما يحدث فى غزة. وقد تعرض بعض العلماء لعقوبات من قبل حكوماتهم بسبب ذلك، وفقد آخرون وظائفهم أو مسيراتهم المهنية فى الأوساط الأكاديمية. ومع ذلك، فإن وظيفة الباحث ليست اتباع خط أى حكومة، بل تحليل الواقع الاجتماعى كما هو. لكنه يعيش ويعمل فى أيرلندا، ولم يواجه هذه المشاكل فى جامعته، ولكن كان هناك بعض ردود الفعل العنيفة على الصعيد الدولى. ومع ذلك، فإن هذا لن يثنى بحثه أو منهجه بأى شكل من الأشكال.


مواضيع متعلقة