«رقية» متطوعة لمحو أمية في كفر الشيخ: رئيس الوزراء في السبعينيات منحني مكافأة 500 جنيه وأرسلني في بعثة لفرنسا
«رقية» متطوعة لمحو أمية في كفر الشيخ: رئيس الوزراء في السبعينيات منحني مكافأة 500 جنيه وأرسلني في بعثة لفرنسا
فى بيت بسيط بقرية «الحوة»، التابعة لمركز بيلا بمحافظة كفر الشيخ، تجلس سيدة تجاوزت من العمر الخامسة والسبعين، خلف طاولة خشبية قديمة، تتوسّط حلقة تلتف حولها نساء وفتيات يتعلمن الحروف الأولى من الأبجدية، ولأكثر من ستة عقود، لم تنطفئ شعلة العلم التى تحملها السيدة السبعينية، حيث بدأت رحلتها منذ كانت فتاة صغيرة فى الكُتّاب، تحفظ القرآن الكريم، ثم التحقت بالمدرسة الابتدائية فى بلقاس، وواصلت حتى الصف الثانى الإعدادى، قبل أن تجبرها الظروف العائلية بعد وفاة والدها على الانسحاب من التعليم والتفرّغ لرعاية أشقائها.
لم تقبل «رقية» أن تكون النهاية عند هذا الحد، تقول بابتسامة فيها الكثير من العزم: «كنت حاسة إنه فيه حاجة ناقصة، ولما سمعت عن مركز تدريب الرائدات الريفيات، قررت أقدم، رغم أن أخويا الكبير رفض، بس أقاربنا أقنعوه، ودخلت المركز 6 شهور، كلها محاضرات، وطلعت الأولى، وبعدها اتعينت رائدة ريفية فى الشئون الاجتماعية، وبعدين اتنقلت للتربية والتعليم».
جسّد عام 1969 نقطة التحول فى حياة «رقية»، حينما بدأت فصل محو الأمية فى منزل والدها، تصنع المقاعد من جريد النخل، وتستخدم الإضاءات البسيطة من أجل الطلاب، وتدرس ليلاً بعد انتهاء دوامها الحكومى: «كنت بادرس 6 حصص فى الليلة، وبعد كده 12، وبامشى بين القرى علشان أشرف على الفصول اللى فتحتها بنفسى، كنت بامسك يد الدارسين وأعلمهم يكتبوا حرف حرف».
جهودها الاستثنائية لم تمر دون أن تُلاحظ، ففى سبعينات القرن الماضى، نقل التليفزيون المصرى قصتها، فوجدت نفسها على موعد مع رئيس الوزراء وقتها، الذى منحها مكافأة بقيمة 500 جنيه، وكان بمثابة مبلغ كبير فى ذلك الوقت، وأرسلها فى بعثة إلى فرنسا، كما التقت السيدة جيهان السادات التى دعتها إلى العشاء، لكن «رقية»، لم تكتفِ بالتدريس، بل ألفت كتاباً مُبسّطاً لمحو الأمية، بعد أن وجدت أن كتب الهيئة العامة لتعليم الكبار معقّدة على بعض الدارسين: «عملت كتاب بسيط، ولما الهيئة عرفوا، طبعوه وبقى منهج رسمى»، واليوم وبعد ستين عاماً من العمل فى الظل، ما زالت «رقية» تستقبل الراغبين فى التعلم فى منزلها، وتقول بكل وضوح: «هافضل أعلّم الناس لحد آخر يوم فى حياتى، علشان العلم حق للجميع».