المفتي: نُدشن نموذجاً للذكاء الاصطناعي يوازي «ChatGPT» لضبط الفتوى إلكترونياً (حوار)

كتب: إسراء سليمان

المفتي: نُدشن نموذجاً للذكاء الاصطناعي يوازي «ChatGPT» لضبط الفتوى إلكترونياً (حوار)

المفتي: نُدشن نموذجاً للذكاء الاصطناعي يوازي «ChatGPT» لضبط الفتوى إلكترونياً (حوار)

فى زمن تتسارع فيه التحولات المجتمعية والتقنية، وتتصاعد فيه الأسئلة الوجودية والأسرية والشرعية، تظل الفتوى صاحبة الدور المحورى فى توجيه البوصلة، واحتضان الإنسان فى لحظات القلق والتشوّش، ومن هذا المنطلق، أجرينا حواراً مع فضيلة الدكتور نظير عياد، مفتى الديار المصرية، الذى فتح قلبه وعقله للحديث عن التحديات الجديدة التى يواجهها المجتمع، والدور المتجدّد لدار الإفتاء كضامن للوعى الدينى الرشيد، فى حوار مُمتد، لم يكن الحديث عن الفتاوى فقط، بل عن الإنسان قبل الحُكم، وعن الوطن قبل الفتوى، وعن الذكاء الاصطناعى، والأسرة، والخطاب الدينى، وتجديد أدوات التواصل، وملف فلسطين، والخصوصية، وحتى مشاعر الأبوة والبنوة.

هذا الحوار لا يُقرأ كتصريحات رسمية، بل كوثيقة صادقة تعكس ضمير المؤسسة، ووجدان قادتها، خاصة بعد تأكيد المفتى أن دار الإفتاء المصرية ليست قِبلة للمصريين فقط، بل للعالم أجمع، كونها مؤسسة تبثّ الأمن والاستقرار فى أمور الدين والدنيا، مشيراً إلى أن المجتمع المصرى شهد تغييرات اقتصادية واجتماعية، لكنها لم تمس جوهر الإنسان المصرى الطيب وعراقة معدنه، وإلى نص الحوار:

■ دار الإفتاء دائماً مع المواطن، لكن من وجهة نظرك، إلى أى مدى تغيّر المجتمع المصرى؟

  • دار الإفتاء ليست قبلة للمصريين فحسب، بل للعالم أجمع، وهى واحدة من المؤسسات التى ينظر إليها على أنها واحدة من المؤسسات التى تبث الأمن والاستقرار فى أمور الحياة والدين، ففى الواقع، الإنسان المصرى يعتريه ويؤثر فيه ما يؤثر فى أى إنسان، سواء من الأفراح أو الأتراح، لكن يبقى أن الشعب المصرى يتميز بطيبة الأصل وعراقة المعدن، وهو ما نلمسه فى كل الظروف، وفى أى ظرف نجد أن المصرى على اختلاف ظروفه الحياتية والتعليمية، ورغم تأثيرات الجوانب الاقتصادية والاجتماعية التى تغيّرت بعض الشىء فإنه يعود إلى معدنه الطيب وأصله العريق وجدعنته المعهودة، وهو ما يمكن أن نقف عليه فى هذا الشعب.

الفتوى مسئولية ودواء للروح والمفتى كالطبيب لا بد أن يََلقَى السائل بوجه بشوش ولسان طيب ولا يصف إلا ما يناسب حال السائل

■ يُقال دائماً إن المفتى ورجل الدين هو من يداوى الطبيب، فماذا تقدم دار الإفتاء فى هذا الجانب؟

  • ننطلق من الاقتداء بالنبى، صلى الله عليه وسلم، الذى ضرب لنا أروع الأمثلة، وهو القدوة لنا، فقد كان المعلم والمربى والإنسان، فالمفتى حينما يُصدر الحكم الشرعى لا بد أن يُراعى أمام عينيه الحالة الإنسانية، فالمفتى أشبه بالطبيب الذى يقوم بمعالجة البدن والروح، وهو ما يتطلب أن يكون ذا وجه بشوش ولسان طيب، لأن الشخص ربما لا تكون عنده مشكلة بقدر حاجته إلى من يأخذ بيده ويُبصّره بالحقيقة وأمور حياته ويعينه على حاله، فهنا المفتى لا بد أن يكون جامعاً بين الجوانب العلمية والإنسانية.

■ هل تعملون على تأهيل وتدريب المفتين على هذا الأمر؟

- وصلت إلى دار الإفتاء منذ قرابة عام، وجدتها مؤسسة عريقة ومتشعّبة الأطراف والأدوار، وأحد هذه الأدوار ما هو متعلق بالشق الاجتماعى فى الحياة، وبالتالى لديها وحدة تُعرف بالإرشاد الأسرى، فضلاً عن إدارة فض المنازعات، وهى لا تُعنى فقط بحل مشكلات الأسرة فقط، ولكنها تعنى بتقديم الاستشارة والمعونة من خلال دورات تدريبية لتأهيل المقبلين على الزواج، وكذلك للمتزوجين، رغبة منها فى العمل على الديمومة بين الزوجين، وعملاً بمبدأ الوقاية خير من العلاج، أما وحدة فض المنازعات فتعمل على حل المشكلات والخلافات المتعلقة بين الأسر وبعضها البعض.

■ بعد مرور قرابة عام على تولى فضيلتكم منصب المفتى، ما أهم الملفات التى توليها اهتماماً خاصاً؟

- أحد أهم الأمور التى نعمل عليها حالياً هى وحدة الإرشاد الأسرى، ونعمل على الانتقال بها من مجرد وحدة، لتكون مركزاً عالمياً لهذا الجانب، أما الأمر الآخر فهو إيجاد نوع من الدراسات الرصينة التى تقوم على البيانات والإحصائيات، بالتعاون مع المراكز البحثية، ولعل أبرزها المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، خصوصاً أن لدينا وحدات رصد فى دار الإفتاء المصرية، ووجّهت بحصر أهم القضايا والفتاوى التى تأتى إلى دار الإفتاء، على أن يتم تصنيفها، ثم تحليلها وإعداد دراسة حول الأسباب والبواعث والعمل على العلاج والمقترحات لحلها من خلال إطار علمى صحيح يجمع بين الرؤية البحثية والإفتائية الشرعية.

■ ما القضية الأبرز الجديرة بالاهتمام، باعتبارها أمراً مُلحّاً فى المجتمع؟

- قضية الخلافات الأسرية واحدة من القضايا المهمة، وهنا أتحدث عن الخلافات الأسرية بشكل عام، وليس الطلاق فقط، لأن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل نجد أيضاً العلاقة بين الآباء والأبناء، وكذلك الخلافات على الميراث، وتعليم الإناث فى بعض المناطق، وزواج القاصرات، وهناك بعض القضايا التى تحتاج إلى تصحيح الفهم الخاطئ فيها، ووضعها فى الإطار الصحيح، بالإضافة إلى أن هناك بعض الأمور المتعلقة بوسائل التواصل الاجتماعى والسوشيال ميديا، فرغم أن لها إيجابيات إلا أن البعض قد يسىء استعمالها، وقد يؤدى ذلك إلى نوع من التخريب للعقول داخل الأسر وتدمير للأخلاق، أما الأمر الآخر فهو قضية المياه، وقريباً سنُدشن حملات للتوعية بتلك النعمة التى تُعد أغلى موجود وأيسر مفقود، وأحرص على تناول بعض القضايا السلبية التى قد تتعلق بالأسرة أو الاتجاهات الفكرية، وإيجاد نوع من الدراسات الرصينة التى تُعنى بالمشكلات الموجودة فى المجتمع.

■ البعض الآن يسأل مباشرة «شات جى بى تى» عن الفتاوى الدينية، فكيف تواجهون ذلك؟ وهل فتاوى «شات جى بى تى» صحيحة أم خاطئة؟

  • المؤتمر العاشر للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء، خطوة أولى نقصد منها محاولة الاستفادة من نعمة الذكاء الاصطناعى والخوف من توظيفها لتكون نقمة، فهذا المؤتمر خطوة بقصد محاولة التأكيد على أهمية الذكاء الاصطناعى والتركيز على الحرص على كيفية الاستفادة منه وتدقيق الإجابة والمعلومة الواردة منه، وسرعة إصدار المعلومات للآخرين، من خلال الأطر العلمية والقانونية التى تحكم بين الإنسان والذكاء الاصطناعى، ثم التحذير من مغبّة سوء استخدامه، الأمر الآخر هو أن الذكاء الاصطناعى عمل ونتاج فكر بشرى يتوقّف على ما يوضع فيه ويقوم الإنسان بتغذيته، وبسبب تسارع الأحداث أصبح الناس يلجأون إلى شات جى بى تى وجوجل يسألونهما عن بعض الأحكام الدينية، وهنا يظهر دور دار الإفتاء فى إيجاد نموذج يُحاكى هذا الذكاء الاصطناعى، ويُمكن أن يُستخدم ويُسأل ويُوظف لكن بإجابات وافية ومنضبطة ومستقلة تحافظ على الثوابت والأصول، وفى الوقت نفسه تحافظ على مصالح الناس، وترك الأمر هكذا خطير، لأنه يُغذَّى بمعلومات قد تكون غير صحيحة، ونطلب من الناس ألا يعتمدوا على شات جى بى تى، خصوصاً فى الفتاوى، نظراً لأنه يتضمّن بعض الأخطاء التى تحتاج إلى تصويب، ومن هنا يأتى دور المؤسسات الإفتائية، ونحن الحمد لله لدينا مؤسسات عدة تُعنى بهذا الجانب، والكل يحرص على إيجاد فتوى رشيدة لا تؤدى إلى فوضى.

«تنظيم الفتوى» ليس تضييقاً بل حماية للناس والدين من الفتاوى الشاذة.. والتشابك بين الأزهر و«الدار» والأوقاف ضرورة

■ أيام وسينطلق المؤتمر السنوى للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء هذا العام، فماذا سيكون على أجندة المؤتمر؟

- مؤتمر الأمانة العامة هذا العام يتعلق بصناعة المفتى الرشيد فى عصر الذكاء الاصطناعى، لأن إحدى مشكلات المجتمع حالياً هى تعدّد الروافد والنوافذ للفتوى عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعى، فالفتوى هى توقيع عن الله تبارك وتعالى، ولا يقوم عليها إلا من يكون مؤهلاً، وهو ما نسعى لتحقيقه من خلال مواكبة تطورات العصر.

■ ذكرت أنه ستكون هناك منصة إلكترونية أو نموذج يحاكى «الشات جى بى تى» يكون خاصاً بدار الإفتاء، فمتى سترى تلك الفكرة النور؟

- لعلى ذكرت أن هذا المؤتمر هو خطوة ستتبعها خطوات عدة، من بينها إطلاق نموذج يحاكى «الشات جى بى تى»، بحيث يكون منصة آمنة للناس، للباحثين والدارسين.

■ عادة ما يتم عقد المؤتمرات والخروج بتوصيات، ولا تتم متابعتها ولا متابعة تنفيذها بعد انتهاء المؤتمر، فماذا ستفعل دار الإفتاء فى المؤتمر المقبل؟

- هذا قد يكون فيه جانب من الصحة، لكن كعادة دار الإفتاء المصرية سأكون حريصاً على انبثاق لجنة منه تُعنى بمتابعة ومراجعة ما سيصدر عن المؤتمر من توصيات وأفكار ومخرجات، وأعدكم بأن كل التوصيات ستكون محل عناية ومتابعة، ولن تكتمل السلسلة إلا بخطوات تلو الأخرى، خاصة أن هذا المؤتمر سيشهد حضور 200 شخصية من كل الدول.

■ صدر مؤخراً قانون تنظيم الفتوى، فما رأى فضيلتكم فى هذا القانون، هل سيمنع فوضى الفتاوى من غير المتخصصين؟

- أرى أن هذا القانون خطوة مهمة وإيجابية، وأسال الله تبارك وتعالى أن يُحقّق المراد منه، لأنه يضبط الأمر ويحفظ على المجتمع تماسكه ودينه ومعتقده، لأن الفتوى ليست مجرد حكم، لكن لا بد للمفتى أن ينظر إلى المآل والمقصد والنتيجة، ولا بد أن يكون لديه من الخبرة ما يجعله يبرز حكم الله دون أن يقفز على الثوابت، وفى الوقت نفسه ينظر إلى أحوال ومصالح الناس.

■ كيف ترى التشبيك بين المؤسسات الدينية الثلاث فى قانون الفتوى؟ وهل هذا سيُحدث تنظيماً أم صداماً؟

- الأزهر الشريف هو المظلة والمعهد الذى نستظل به، باعتباره المؤسسة الأم، ثم تأتى دار الإفتاء ووزارة الأوقاف، فأئمة الأوقاف والمفتون هم خريجو الأزهر فى الأساس، فالعلاقة بين الأزهر والإفتاء والأوقاف علاقة إيجابية وقوية وتشبه الروح بالجسد، لأن هذه هى الصورة الصحيحة، وبالتالى عندما تتوحّد الجهات الثلاث فى ما يتعلق بالقانون والإفتاء، يتحقق الكثير من الإيجابيات وينزوى اللغط، فضلاً عن التصدى لفوضى الفتاوى التى قد تخرج من بعض الأشخاص المدفوعين بالحماسة الدينية أو أمور أخرى، ولكن تنقصهم الرؤية التى تُحقّق مقصد الشرع الحكيم وتحفظ للناس أموالهم وأعراضهم ودينهم وأنفسهم، وهى المقاصد الخمسة الكبرى، وتحفظ للوطن تماسكه.

■ فى الفترات الأخيرة، رأينا بعض المشكّكين فى دار الإفتاء، كيف تعملون على استعادة الثقة وإقناع الشباب وجيل z؟

  • أىّ مؤسسة وأىّ عمل لا يمكن أن يكون محل تسليم وقبول تام، لكن نحن فى دار الإفتاء المصرية لدينا حرص على مواصلة العمل الجاد الذى يحفظ لهذه المؤسسة مكانتها من خلال العمل على تأهيل المفتى بما يناسب العصر وأدواته، وحريصون على إيجاد نوع من الخطاب الذى يناسب عقول الشباب والأطفال ويتناسب مع كل الاتجاهات بصورة قوية وواضحة دون تجاهل الواقع، بحيث لا نخرج عن الثابت، لأننا فى أمسّ الحاجة إلى عرض دين الله وبيان أحكامه بصورة إيجابية تتناسب مع الطفل الصغير والشاب الغارق فى أدوات التكنولوجيا، فمهما كانت الدعوات التى تحاول النيل من الدار أو التقليل من شأنها لن نرد عليها بالأقوال، ولكن سيكون بالأعمال التى تقوم بها، فدار الإفتاء تجوب مصر شرقاً وغرباً وتفتح حواراً مع الشباب فى الجامعات والمدارس والمحافظات، من خلال القوافل واللقاءات الميدانية، وأنا بنفسى زُرت أكثر من جامعة ومدرسة وكان هناك حوار مفتوح مع الشباب فى الجامعات، بهدف العمل على زيادة الوعى.

نسعى لتحويل وحدة الإرشاد الأسرى إلى مركز عالمى ونرصد تغيّرات المجتمع مع «القومى للبحوث» لإصدار فتاوى مبنية على تحليل علمى

■ تعتزم دار الإفتاء المصرية الكشف عن وثيقة حول الذكاء الاصطناعى والإفتاء، خلال المؤتمر الدولى العاشر، فما ماهية الوثيقة؟ وماذا عن الأهداف الاستراتيجية التى تسعى لتحقيقها على المدى القريب والبعيد؟

- الوثيقة تدور حول علاقة الإفتاء بالذكاء الاصطناعى، وتُعد أول مرجعية شرعية وأخلاقية شاملة تصدر على المستوى العالمى لتنظيم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى فى المجال الإفتائى، وهى صادرة عن الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم، بعد دراسات معمّقة ونقاشات موسّعة شارك فيها علماء الشريعة وخبراء التقنية، والوثيقة لا تُقدّم مجرد توصيات، بل تُؤسّس ميثاقاً متكاملاً يضبط العلاقة بين التطور الرقمى والوظيفة الإفتائية، بحيث تُصان هيبة الفتوى، وتحمى من التوظيف الخاطئ للتكنولوجيا، وتحقّق التوازن بين الأصالة الشرعية ومتطلبات العصر الرقمى، وهو ما نُعبّر عنه بمفهوم الرّشد الإفتائى، الذى يجمع بين العلم، والحكمة، والبصيرة الواقعية.

وتستهدف الوثيقة ضبط استخدام الذكاء الاصطناعى فى الإفتاء بضوابط شرعية وأخلاقية، وتمكين المفتى من أدوات التقنية دون التفريط فى أصول الاجتهاد، وكذلك التأكيد على بقاء العنصر البشرى فى مركز العملية الإفتائية، فضلاً عن سعيها لتعزيز التعاون الدولى بين دور الإفتاء فى استخدام الذكاء الاصطناعى بشكل جماعى مسئول، واستشراف مستقبل الإفتاء فى بيئات الذكاء الاصطناعى العام والميتافيرس.

دار الإفتاء تتجاوب مع صوت الواقع بوثيقة عالمية تُنظم العلاقة بين الإفتاء ومختلف وسائل التكنولوجيا الحديثة

■ فى سياق ما يعيشه العالم من تحولات رقمية متسارعة، كيف ترى أهمية إصدار وثيقة حول الذكاء الاصطناعى والإفتاء فى هذا التوقيت بالذات؟

- الوثيقة تُمثّل نقلة نوعية فى جهود تأصيل الإفتاء المعاصر، وهى بمثابة دستور أخلاقى شرعى يضع الإطار المرجعى المنضبط للتعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعى داخل مؤسسات الإفتاء، ويجمع بين المعايير الدولية والقيم الإسلامية الراسخة، وإصدارها فى هذا التوقيت لم يكن مصادفة، بل جاء استجابة واعية ومسئولة لما يشهده العالم اليوم من تحولات رقمية غير مسبوقة، باتت تؤثر فى كل مناحى الحياة، ومنها بطبيعة الحال مجال الإفتاء الشرعى، فنحن أمام واقع جديد يُعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمعرفة، ويطرح تحديات معقّدة على المؤسسات الدينية، تقتضى إعادة تأصيل وتطوير دور المفتى ومنظومة الفتوى، بما يتلاءم مع هذا العصر الرقمى.

■ ماذا يريد الشباب من دار الإفتاء؟

- هم يريدون من دار الإفتاء المحافظة على دورها والعمل على التوسّع فى الاستفادة من الأدوات التكنولوجية الحديثة، وفتح المزيد من قنوات التواصل.

■ هل يحتاج الشباب خطاباً غير تقليدى ونحن بحاجة إلى تجديد الخطاب الدينى لهم؟

- لا بد أن نُفرّق بين التجديد والتبديد، فالبعض يعتقد أن التجديد هو هدم للثوابت والخروج عن الأصول، لكن التجديد الحقيقى هو عرض هذا الدين ومحاسنه وإبراز مواطن الكمال والجمال الموجودة فيه بصورة سلسة وبسيطة تتناسب مع مقتضيات العصر وأدواته، ودار الإفتاء اعتمدت تحرّكات عدة للتوسّع فى هذا الأمر، والعمل مع الهيئات والمؤسسات الأخرى، ويمكن للمُفتى أن يستخدم أدوات العصر، وطرح المعلومات التى تتناسب مع المستفتى، وحاله وزمانه، ولدينا بعض الأمور التى نُركز عليها ونتوسّع فيها، كاستخدام الموشن جرافيك، وغيره من الأدوات التى تتناسب مع مقتضيات العصر، كما نحرص على إرسال الرسائل المتعدّدة والقصيرة عبر مواقع التواصل الاجتماعى، لنُقدّم للناس خطاباً يتناسب مع ظروفهم وأحوالهم وعقولهم، بما يُحقّق مصلحة الشرع الحنيف.

■ كيف تتابع فضيلتكم ما يحدث فى غزة، وما الرسالة التى أردت توصيلها بوضع مجسّم لخريطة غزة على مكتبكم، والتى لاقت رواجاً كبيراً مؤخراً عبر مواقع التواصل الاجتماعى؟

- القضية الفلسطينية فى القلب دائماً، وحرصى على وضع مجسم بخريطة الأراضى الفلسطينية، يعبّر عن الدعم الكامل للقضية الفلسطينية، ويعتبر إقراراً بالحق فى الأرض التى تمثل إرثاً لا يمكن التنازل عنها، مهما فعل الكيان الغاشم المحتل، ومؤسسات الدولة المصرية تدعم دائماً القضية الفلسطينية للتأكيد على التضامن والوحدة والاعتراف بحقوقهم، وهى رسالة أيضاً للكيان المحتل الذى لا يرعى لله حرمة ولا للإنسانية كرامة، افعل ما شئت لكنك فى النهاية إلى زوال، لأنه لا يضيع حق وراءه مطالب، مهما حاولت إخفاء الحقوق وطمس الحقائق، فنحن أمام كارثة بكل المقاييس، وأمام أزمة غاب فيها ضمير الإنسان إلا من رحم الله تبارك وتعالى، وهى وصمة عار فى جبين العالم أجمع الذى يدّعى لنفسه العلم والمدنية.

■ ننتقل إلى الدكتور نظير عياد الأب، كيف ترى العلاقة بين الأب والأبناء؟ وماذا يميز علاقتك بأبنائك؟

  • أدعو الله أن يحفظ أبناءنا وبناتنا، وأرى أنه يجب أن تكون العلاقة بين الأب والأبناء أكثر إيجابية، رغم زحمة الحياة ومشكلاتها، لأن أبناءنا أمانة لدينا، أمرنا الله عز وجل بالمحافظة عليهم، وأرى أن هذه العلاقة لا بد أن تجمع بين اللين والقوة، وأن يكون بها المزيد من الرحمة والحوار والتماس العذر، ولا بد من احترام وتوقير الكبير، والرحمة بالصغير.

أدعو الله أن يعيننى على حُسن تربية أبنائى.. ودعاء والدتى لا يفارقنى

■ حدّثنا عن علاقة فضيلتك بوالدتك.

- أدعو الله أن أوفّق فى تربية أبنائى وبناتى كما رُبّيت من قِبل أبى وأمى، فعلاقتى بأمى هى علاقة خاصة جداً، وسر من أسرارى، وكنت حريصاً على ألا ينكشف هذا السر، إلا أن الله تبارك وتعالى أراد أن ترى النور بعد أن توليت منصب المفتى، وما من خطوة أخطوها وتقدُّم أحرزه، إلا وسره هو دعاء والدتى لى بعد توفيق المولى عز وجل، فعلاقتى بأمى كأى ابن بوالدته التى تنصح وتُربى وتُعلم وتتابع باهتمام كل ما يخصنى، فهى أمى وأختى وابنتى وصديقتى، وأسال الله عز وجل أن يبارك فى عمرها ويرزقنى برها دائماً، فهى دائماً ما تتابع خطواتى وتحرص على الدعاء لى، ولا تزال دعواتها دائماً تحيط بى، وهى سر توفيقى فى الحياة.

■ حدّثنا عن موقف فى حياتك تلمّست الله فيه وشعرت فيه بالسكينة وبرحمة الله بك.

  • دائماً ما تحيط بالإنسان الشدائد والأزمات، ويكون أحوج إلى القُرب من الله تبارك وتعالى، ويشعر الإنسان بشدة الحاجة والعوز إلى مولاه تبارك وتعالى، وهذه الأوقات يكون فيها أكثر تعلقاً بالله عز وجل، ليُعزز السكينة فى قلبه، ولى مواقف كثيرة مع الله لا تُعد ولا تُحصى تحيطنى نعمه علىّ، وإذا ما ذكرت موقفاً واحداً كنت مقصراً فى هذا الجانب، لأننا يمر بنا الكثير من الأحزان والأفراح، فالمواقف كلها تقتضى الشكر لله تبارك وتعالى، وهو غنى عن ذلك، ولكننا الأحوج إليه.

عرض الحياة الخاصة على السوشيال ميديا يجلب الحسد والتربّح فيه نوع من الخروج عن المحظور

■ كيف ترى التربّح من «تيك توك» ومواقع التواصل الاجتماعى بفتح الكاميرات داخل البيوت ونشر الحياة الخاصة على العموم؟

  • أرى أنه يجب أن يترفّع المسلم عن فعل ذلك، لأن ذلك يتعلق بأسرار البيوت، فأحياناً يتعلق بالمال والولد، وهذه مواطن للحسد والنظر، وقد يكون فيه نوع من الألم للآخرين، فعلى الإنسان أن يُحسن التعامل مع الآخر، ولا يكون سبباً فى كسر خاطر غيره، فأقول لهم اتقوا الله فى ما أنتم فيه من نعم، واتقوا الله فى ما أنتم عليه، والتربح من هذا فيه نوع من الخروج عن المحظور، فالإنسان عندما يتربّح من ولده وباستعراض النعم التى لديه تجعله يقع فى حظر، أما استخدام وسيلة من هذه الوسائل فى عرض بضاعته أو تجارته أو مشروعه الخاص فلا حرج فى ذلك، أما من يفتح كاميرا فى بيته، وينشر أسراره، أقول لهم على كل عاقل أن يترفّع عن ذلك.

مواجهة الفكر المتطرف

قضية التطرّف قضية واسعة، والفكر المتطرف هو يمين ويسار، ومن الخطأ أن يقتصر الفكر المتطرّف على أنه تطرّف دينى، التطرّف إما أن يكون تطرفاً دينياً أو تطرفاً فكرياً، فالفكر يواجَه بالفكر، ومن خلال المناقشة العلمية الرصينة أستطيع أن أفكك هذا الفكر بمنظومة علمية سليمة، ويتأتى ذلك بالتحصيل العلمى المتميز والقراءة المتأنية لنصوص الدين، والاستنباط الحسن الذى يكون وفق القواعد والأدوات، لأن التطرّف داء، ولا بد له من دواء، فالدواء ما لم يكن مناسباً لحجم المرض يؤدى إلى تفشى المرض.


مواضيع متعلقة