الدراما و«محو الأمية».. التعليم بطل الحكاية
الدراما و«محو الأمية».. التعليم بطل الحكاية
«سيدة» فتاة تعانى من الفقر والحرمان والجهل، ولم تكن متعلمة، عاشت طيلة حياتها الأولى فريسة سهلة للاستغلال من قِبل الجميع، بدءاً من خالتها مروراً بالمجتمع الذى لم يرحم ضعفها، ودخلت فى ظروف قاسية دفعتها لفقدان ثقتها بنفسها وبذاتها، لم يكن هناك تفسير أو تبرير لكل هذا سوى أنها «تجهل».
«سيدة» بطلة رواية «نحن لا نزرع الشوك» للكاتب الكبير يوسف السباعى، تحولت فيما بعد إلى فيلم سينمائى للفنانة شادية، وبعد ذلك مسلسل يحمل الاسم نفسه بطولة الفنانة آثار الحكيم، يظهر فى الرواية تأثير غياب التعليم، وكيف يفتح الباب للتهميش والاستغلال، ويدفع الإنسان، خاصة المرأة، إلى الوقوع فى دوامة القهر والضياع.
على مدار عقود، لم تكن الدراما المصرية بمعزل عن القضايا الاجتماعية الكبرى التى تؤرق المجتمع، مثل الفقر، والبطالة، والتهميش، والعنف الأسرى، لكن من بين هذه القضايا، برزت قضية محو الأمية، كأحد الملفات المسكوت عنها كثيراً، التى تم تناولها درامياً فى بعض الأعمال، بطرق متفاوتة بين المباشر والضمنى، وبين الواقعى والرمزى، وبمناسبة إطلاق «الوطن» لمبادرة «محو الأمية»، نستعرض كيف ساهمت الدراما فى عرض المشكلة وتقديم حلول لها.
وقد جاء ذلك فى عدة أعمال منها «الناس فى كفر عسكر» عام 2003 الذى رصد صراع الجهل والمعرفة، وتناول الواقع الريفى، حيث يتغلغل الجهل فى تفاصيل الحياة اليومية. و«هى والمستحيل» عام 1979، الذى يدور حول فتاة شابة تُدعى «زينب»، تواجه تحديات كبيرة فى حياتها بسبب ظروفها الاجتماعية التى تجبرها على الزواج قبل إنهاء تعليمها، لكنها لا تستسلم للواقع، بل تسعى جاهدة لتطوير نفسها من خلال التعلم، وتحقيق أحلامها رغم العقبات التى تواجهها، والمسلسل يعكس الإرادة والتحدى فى مواجهة الظروف، ويبرز القوة والإصرار على النجاح.
ومسلسل «الوتد» إنتاج 1996، الذى طرح قضية التعليم فى مواجهة الاستبداد الأسرى، وهو مستوحى من رواية خيرى شلبى، ويدور حول شخصية «فاطمة تعلبة» التى تجسد السلطة فى البيت. ومسلسل «خالتى صفية والدير» 1995، الذى تناول قصة صعيدية تدور حول الجهل وتأثيره على المجتمع رغم أنه لم يناقش الأمية بشكل مباشر، لكنه أظهر كيف يؤثر غياب التعليم على اتخاذ القرار وانتشار الأفكار المتطرفة.
مسلسل «أبوالعروسة» (2017 - 2021)، رغم أنه يدور فى أجواء اجتماعية عائلية، فإن بعض الحلقات أظهرت نقاشات حول تعليم الكبار، خاصة حين بدأت الأم «عايدة» -سوسن بدر- فى تحفيز بعض السيدات بالمنطقة على التعلم. و«أوان الورد» (2000) الذى كتبته جميلة إسماعيل وأخرجه سمير سيف، من خلال شخصية «جميلة» التى نشأت فى ظروف صعبة وسط بيئة فقيرة، لكنّها أصرت على التعلم، فى رسالة واضحة تقول من خلالها إن التعليم لا يقتصر على فئة دون أخرى، وإنه السلاح الأقوى لمحاربة الفقر والتمييز.
من جانبه، قال الفنان صبرى فواز، لـ«الوطن»، إنه يحلم بتنفيذ مسلسل كامل عن محو الأمية ويقدم خلاله شخصية مدرس فى أحد فصول تعليم الكبار فى أحد الأحياء الشعبية، لأن هذا الجانب من الدراما ثرى جداً وشديد الواقعية إن تم تقديمه، مؤكداً أنه مهتم على المستوى الشخصى بهذا الجانب، وهو التعليم بشكل عام، وشارك فى شبابه فى ورش محو الأمية بالفعل، واستمتع كثيراً بهذا الأمر، حيث يشعر أن الإنسان له قيمة بنقل العلم لغيره، وأن الأشخاص غير المتعلمين فى هذا الزمن يجرون البلاد للوراء، فلا بدَّ من القضاء على هذه الظاهرة.
ويرى الناقد السينمائى، أحمد سعد الدين، أن الدراما المصرية حالياً وخلال الخمسة عشر عاماً الأخيرة، لم تهتم كثيراً بقضية محو الأمية، عكس العصور السابقة، حيث كان هذا الموضوع فى مقدمة الموضوعات التى تهتم بها الدرما، موضحاً أنه يتذكر دائماً تتر أحد البرامج على الراديو الذى كان يقول: «ياللى اتحرمتوا من التعليم الفرصة لسَّه قدامكم»، مؤكداً أن الدراما، بشكليها السينمائى والتليفزيونى، لها أكثر من دور من ذلك الدور التوعوى والتثقيفى، ليس الترفيهى والتجارى فقط، وهذان الدوران من أهم الأدوار التى من الممكن أن تلعبهما الدراما، لأن ما تقدمه الدرما يترسخ فى عقل المشاهد، ويصبح حقيقة، وأتمنى أن تترك الدراما البلطجة والمخدرات وتتجه لقضايا مهمة ونبيلة مثل هذه القضية.
وتناولت الدراما قضية محو الأمية بشكل كوميدى فى الكثير من الأفلام، لعل أقدمها فيلم الأستاذة فاطمة للنجمة فاتن حمامة، التى كانت تساعد والدها فى محو أميته، وكان يلعب دوره الفنان عبدالفتاح القصرى، وفيلم «مبروك رمضان أبوالعلمين حمودة» حديثاً، وعن ذلك قال إن الكوميديا تصل أسرع للمشاهد، والضحك ليس للتسلية فقط، لكنه رسالة.
ورغم تعدد الإشارات لقضية محو الأمية فى الدراما بين أمية القلم وأمية الفكر، تظل الشاشة الصغيرة قادرة على أن تُحدث تغييراً كبيراً فى المجتمع، إذا قررت التعامل مع القضية باعتبارها أولوية وطنية.