العالم يشهد «كارثة إنسانية» في غزة وصمت دولي على «تجويع» الأطفال

كتب: محمود العيسوي

العالم يشهد «كارثة إنسانية» في غزة وصمت دولي على «تجويع» الأطفال

العالم يشهد «كارثة إنسانية» في غزة وصمت دولي على «تجويع» الأطفال

فى قلب الحصار المتواصل، يعيش أهالى قطاع غزة أسوأ كارثة إنسانية يشهدها العالم، إذ تواصل أرقام الجوع وسوء التغذية بين الأطفال والنساء الحوامل تصاعدها المرعب، فى ظل انهيار شبه تام للمنظومة الصحية، وندرة شديدة فى الغذاء والدواء، وسط تحذيرات متكررة من جانب المنظمات الدولية ووكالات الإغاثة الإنسانية من تضاعف معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال، خاصةً فى المراحل الصغيرة دون سن الخامسة، بنحو ثلاث مرات خلال أسبوعين فقط، مع تضاعف عدد المحتاجين للرعاية بسبب الجوع بمقدار أربع مرات، منذ شهر مايو الماضى.

وبينما تواصل السلطات الصحية المحلية، وكذلك المنظمات الدولية العاملة فى غزة، تسجيل عشرات الوفيات نتيجة «الجوع» يومياً، غالبيتهم من الأطفال، أطلقت وكالات الإغاثة الدولية تحذيراً شديداً من أن «المجاعة الجماعية» فى القطاع الفلسطينى أصبحت «أكثر ضراوة»، فى ظل الحصار الشامل الذى تفرضه سلطات الاحتلال الإسرائيلى، والتى تسمح بدخول كميات محدودة للغاية من المساعدات، لا تلبى أدنى احتياجات مئات الآلاف من «الجوعى» فى غزة.

وأوردت صحيفة «الجارديان»، نقلاً عن خبراء الصحة، أن الأطفال والنساء الحوامل هم أول من يدفع الثمن فى حالات «الجوع الجماعى»، وفى هذا الإطار عرضت الصحيفة البريطانية تقريراً لمنظمة «أطباء بلا حدود»، أكدت فيه أن معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال دون سن الخامسة فى العيادة التابعة للمنظمة بمدينة غزة قد تضاعفت ثلاث مرات خلال الأسبوعين الماضيين، وأوضحت أن ربع الأطفال الصغار والنساء الحوامل أو المرضعات، الذين تم فحصهم فى عياداتها الأسبوع الماضى كانوا يعانون من سوء التغذية، مشيرةً إلى أن عدد المحتاجين إلى الرعاية، جراء سوء التغذية، فى عيادتها بمدينة غزة، قد تضاعف بمقدار أربع مرات منذ مايو الماضى.

وتُعد «أطباء بلا حدود» واحدة من أكبر الجهات الطبية العاملة فى غزة، إذ يعمل بها أكثر من 1000 موظف، يقدمون خدمات تتراوح من رعاية الأمومة إلى الجراحات الطارئة، وألقت المنظمة باللوم على ما سمتها «سياسة التجويع» الإسرائيلية، وقالت المنظمة، فى بيان: «لقد بلغ استخدام السلطات الإسرائيلية المتعمَّد للتجويع كسلاح فى غزة مستويات غير مسبوقة، حيث أصبح المرضى والعاملون فى القطاع الصحى أنفسهم يكافحون من أجل البقاء على قيد الحياة»، ووفقاً للسلطات الصحية، فقد استشهد ما لا يقل عن 122 شخصاً بسبب «الجوع» فى غزة.

«الأغذية العالمى»: أزمة الجوع وصلت إلى مستويات مرعبة.. وهناك 90 ألف طفل وامرأة بحاجة ماسة للعلاج

وفى تحذير آخر، أعلن برنامج الأغذية العالمى أن نحو ثلث سكان غزة لم يتناولوا أى أطعمة منذ أيام. واعتبر البرنامج، التابع للأمم المتحدة، أن أزمة الجوع وصلت إلى «مستويات مرعبة»، وجاء فى بيان صدر عن البرنامج مطلع الأسبوع الجارى أن «نحو شخص من كل ثلاثة لم يتناول أى طعام منذ عدة أيام، وسوء التغذية يتفاقم، مع وجود 90 ألف امرأة وطفل بحاجة ماسة للعلاج».

ونقلت الصحيفة البريطانية عن الطبيب الفلسطينى ناجى القرشلى، أخصائى أمراض النساء والتوليد، قوله إن الأرقام المعلنة لا تعكس الحجم الحقيقى للكارثة الإنسانية فى قطاع غزة، وأكد أن أكثر من نصف مئات النساء الحوامل اللاتى يترددن على عيادته يومياً يعانين من سوء التغذية، وأضاف: «الوضع الغذائى لا يمكن تخيله، طوال مسيرتى الطبية لم أتوقع حتى فى أسوأ كوابيسى أن نصل إلى هذا الحد»، كما أشار إلى ارتفاع حالات الإجهاض بشكل كبير بسبب معاناة الأمهات فى إيجاد ما يسد رمقهن، أما الأطفال الذين يصلون إلى نهاية الحمل فيُولد كثير منهم بأوزان منخفضة جداً، أو قبل الأوان، أو بتشوهات خلقية.

كما حذَّر «القرشلى» من النقص الشديد فى المستلزمات الطبية الضرورية لعلاج النساء اللاتى يعانين من سوء التغذية، لدرجة أنه وزملاءه يضطرون إلى استخدام قفازات غير معقمة، ووصف أدوية منتهية الصلاحية، وقال: «كطبيب عاجز، أشعر بألم لا يُحتمل، كثيراً ما أضطر لمغادرة المستشفى راكضاً لأننى لا أستطيع تحمُّل عدم قدرتى على تلبية أبسط احتياجات هؤلاء النسوة».

من جانبها، تصر حكومة الاحتلال الإسرائيلى، برئاسة بنيامين نتنياهو، على نفى مسئوليتها عن «المجاعة الجماعية» فى قطاع غزة، واعتبرت وزارة الخارجية أن التقارير الدولية التى تتهم سلطات الاحتلال بالمسئولية عن «أسوأ كارثة إنسانية» يشهدها العالم «حيلة أجنبية متعمدة لتشويه سمعة إسرائيل»، كما اتهمت الأمم المتحدة بـ«الفشل فى توزيع المساعدات»، غير أن المنظمة الدولية أكدت أنها تعمل بأقصى طاقتها، ضمن قيود إسرائيلية تمنعها من استخدام 400 نقطة توزيع مساعدات فى القطاع.

وفى أحدث تعليق له على الأزمة الإنسانية المتفاقمة فى قطاع غزة، قال أنطونيو جوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، إن المجتمع الدولى «يدفن رأسه فى الرمال» بينما يتضوَّر الفلسطينيون جوعاً، كما ندَّد الأمين العام، فى تصريحات أوردتها «الجارديان»، بما وصفه بـ«انعدام الإنسانية»، وقال إن «ما يحدث فى غزة ليس مجرد أزمة إنسانية، بل أزمة أخلاقية تمثل تحدياً للضمير العالمى»، واختتم تعليقه قائلاً: «سنواصل رفع الصوت فى كل مناسبة». وعلى صعيد ردود الفعل الدولية، أصدر قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا بياناً مشتركاً، الجمعة، دعوا فيه إلى إنهاء «الكارثة الإنسانية» فى غزة فوراً، مطالبين حكومة الاحتلال برفع القيود المفروضة على دخول المساعدات.

جاء هذا البيان بعد ساعات من إعلان الرئيس الفرنسى، إيمانويل ماكرون، أن بلاده ستعترف بالدولة الفلسطينية خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة فى سبتمبر المقبل، فى الوقت الذى تعرَّض فيه رئيس الوزراء البريطانى، كير ستارمر، لضغوط متزايدة لاتخاذ خطوة مماثلة، بعد توقيع أكثر من 100 نائب خطاباً يطالبون فيه رئيس الحكومة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية. وفى وقت سابق، حث «ماكرون» رئيس الحكومة البريطانية على الاعتراف بدولة فلسطين، إلى جانب فرنسا، ومن المتوقع أن يسعى إلى إقناع عدد من الدول الأوروبية الأخرى لاتخاذ خطوة مماثلة، فيما وصف «ستارمر» الوضع الإنسانى فى غزة بأنه «لا يُحتمل ولا يمكن الدفاع عنه»، بحسب ما جاء فى تغريدة قصيرة على صفحته الرسمية بموقع «إكس»، إلا أنه لم يتطرق إلى مسألة الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

وأثار إعلان الرئيس الفرنسى عن اعتزام بلاده الاعتراف بدولة فلسطين فى شهر سبتمبر المقبل، ردود فعل ساخرة من جانب الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، وقال فى تصريحات لدى وصوله إلى اسكتلندا، مساء الجمعة، وقبل قليل من لقائه رئيس الوزراء البريطانى، وفى تعليق له على تصريحات «ماكرون»: «إنه رجل جيد، أحبه، لكن تصريحه لا يهم، والخبر الجيد هو أن كلامه لن يُغيّر شيئاً».

ووسط تحذيرات وكالات الإغاثة الدولية من تفاقم الكارثة الإنسانية فى غزة، ردَّت حكومة الاحتلال الإسرائيلى بأنها وافقت على السماح لكل من الأردن والإمارات بإلقاء مساعدات جواً فوق غزة، غير أن هذه الرحلات الجوية مكلفة جداً، وتحمل كميات أقل بكثير من المساعدات، مقارنةً بالشاحنات المكدَّسة على الجانب المصرى من «معبر رفح»، ووصفت حركة «حماس» الأمر بأنه «استعراض سياسى»، وقال إسماعيل الثوابتة، مدير المكتب الإعلامى الحكومى التابع لحماس: «قطاع غزة لا يحتاج إلى ألعاب بهلوانية جوية، بل إلى ممر إنسانى مفتوح، وتدفق يومى منتظم لشاحنات الإغاثة، لإنقاذ ما تبقَّى من حياة المدنيين المحاصرين الجوعى».

وقالت السيدة الفلسطينية آمال المصرى، وهى أم حامل تبلغ من العمر 31 عاماً، إن العثور على طعام أصبح شبه مستحيل، وأضافت أن ما تجده من طعام لا يتناسب مع وضعها الصحى، وإذا اضطرت لأكله بدافع الجوع تتقيأه فوراً، وتابعت: «أشعر فى معظم الأوقات بإرهاق شديد، ضغط دمى منخفض جداً، وغالباً ما أشعر بأننى أختنق، وكأننى على وشك الموت»، وأشارت الأم الفلسطينية الشابة إلى أن زوجها، كحال كثير من الفلسطينيين، لم يتمكن من الحصول على طعام من نقاط التوزيع التابعة لـ«مؤسسة غزة الإنسانية»، التى تديرها عناصر إسرائيلية وأمريكية، ويعود إلى المنزل مصاباً وخالى الوفاض، وأشارت «الجارديان» إلى استشهاد أكثر من 1000 شخص أثناء محاولتهم الحصول على طعام من تلك المواقع، بينما تنكر المؤسسة، التى ترفض الأمم المتحدة تشغيلها فى غزة، مسئوليتها عن أى إطلاق نار خارج مواقعها.

ومع تدهور الوضع الإنسانى فى غزة، دخلت المفاوضات الرامية إلى وقف حرب الإبادة الجماعية إلى «نفق مظلم» أواخر الأسبوع الماضى، بعد انسحاب وفدَى التفاوض الإسرائيلى والأمريكى من قطر، حيث كانت تُجرى المحادثات، وسارع الرئيس الأمريكى بتحميل «حماس» مسئولية انهيار المفاوضات، واتهم الحركة الفلسطينية بـ«عدم الرغبة فى إبرام اتفاق، أو إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين»، وقال «ترامب» إنه يجب على إسرائيل أن تواصل عملياتها للقضاء على حماس، غير أن قادة الحركة نفوا مسئوليتهم عن تعثر مفاوضات الدوحة، واتهموا إسرائيل بـ«المماطلة»، وقال باسم نعيم، مسئول بارز فى «حماس»، رداً على تصريحات الرئيس الأمريكى: «ما قدَّمناه، مع إدراكنا الكامل لتعقيد الوضع، نعتقد أنه كان كفيلاً بإبرام اتفاق، لو أن العدو كانت لديه الإرادة لتحقيق ذلك».


مواضيع متعلقة