«رياض» يخضع للعلاج بـ«القاهرة» وعائلته تواجه الموت تحت الحصار: فتات الطعام صار حلما

كتب: رؤى ممدوح

«رياض» يخضع للعلاج بـ«القاهرة» وعائلته تواجه الموت تحت الحصار: فتات الطعام صار حلما

«رياض» يخضع للعلاج بـ«القاهرة» وعائلته تواجه الموت تحت الحصار: فتات الطعام صار حلما

فى غرفة متواضعة داخل شقة بالقاهرة، يجلس رياض عوض، رجل فى السبعين من عمره، أمام هاتفه المحمول، ينتظر مكالمة من زوجته أو أحد أبنائه الثلاثة، الذين يفترشون إحدى الخيام فى «خان يونس»، جنوب قطاع غزة، لا يطلبون شيئاً، فقط يخبرونه بما لم يعد يحتمل سماعه: «لا طحين ولا طعام ولا قدرة على الاحتمال»، فالرجل الفلسطينى، الذى جاء إلى مصر قبل عامين فى رحلة للعلاج، لم يكن يتصور أن زيارته الطبية ستمتد لهذا الحد، وأنه لن يمكنه العودة إلى منزله فى منطقة «القرارة»، بفعل الحرب المستمرة، التى التهمت كل شىء، حتى الطعام، الذى بات ثمنه أرواح الكثيرين من أهالى غزة.

ليس عندى غير الدعاء لمواساة عائلتى.. وكل «لقمة» أتناولها أشعر كأنها سُرقت من أحد أبناء غزة

يحكى «رياض» أنه يبدأ يومه بمكالمة لأحد أبنائه الثلاثة، يتأكد أنهم على قيد الحياة، لا يطلب تفاصيل، أحياناً خشية ما قد يسمعه، يُمسك المسبحة فى يده، يُردّد الأدعية، ويقول: «الإيمان مش ضد الألم، أنا مؤمن بالقضاء والقدر، بس موجوع»، ويتابع بصوت متهدج: «ما كان ناقصنا إلا الجوع، والآن حتى الفتات صار حلماً بعيد المنال»، يصمت قليلاً بينما تدمع عيناه وهو يتحدث عن أسرته، التى نزحت إلى منطقة «المواصى»، حيث لا مأوى حقيقى، ولا غذاء، ولا أدنى مقومات البقاء: «كيس الطحين اللى وزنه 30 كيلو، صار بـ1000 دولار، هذا لو لقوه أصلاً يعتبر إنجاز بحد ذاته، والأسعار مش خيال، الأسعار صارت جريمة، حتى الرغيف صار سلعة مفقودة».

لم يستطع الشيخ السبعينى أن يخفى إحساسه العميق بالعجز، فيقول: «رغم تجربتى الطويلة فى الحياة، وإنى رب أسرة، واعتدت أكون مصدر الأمان لأسرتى، فجأة لقيت الظروف أقوى منى، ولا أملك غير الكلمات فقط، أواسى بها زوجتى وأبنائى وأحفادى»، ويضيف بينما تعلو علامات الحسرة نبرة صوته: «الجوع أسوأ من القصف، القصف لحظة، بس الجوع موت طويل، بيكسر الإنسان من جوه، خصوصاً لما يكون عنده أطفال، إسرائيل بتستخدم الجوع كسلاح، وبدها الناس تستسلم وتهاجر، واحنا بشر، غصب عنّا عندنا غريزة بقاء، والجوع بيدفع الناس تعمل أى حاجة، حتى لو كانت آخر ما يتمنّوه».

«رياض»، الذى أجبرته الحرب على البقاء بعيداً عن أسرته وجيرانه، لا يتمنى حدوث «معجزة»، وإنما يعبر عن المعاناة التى يعيشها أهالى غزة بجملة واحدة: «كل الحكى فاضى، الحل الوحيد هو الضغط على إسرائيل، ودخول المساعدات فوراً، غير هيك تضييع وقت، وإعدام بطىء للناس فى غزة»، ويختتم حديثه بقوله: «بصراحة لم تعد عندى نفس لأى حاجة، باكل لقيمات، وباستحى من النعمة، كل لقمة أتناولها، أشعر كأنها اتسرقت من أحد أبناء غزة».


مواضيع متعلقة