كرَّمته «يونيسف».. «سبعينى» يداوي جراح «أطفال غزة» على خط النار

كتب: سمر عبد الرحمن

كرَّمته «يونيسف».. «سبعينى» يداوي جراح «أطفال غزة» على خط النار

كرَّمته «يونيسف».. «سبعينى» يداوي جراح «أطفال غزة» على خط النار

في غزة لا يُسمع سوى دوىّ الطائرات والقذائف وصرخات الركام. هى ليست فقط مدينة تحت الحصار، بل قلب نابض يرفض التوقف رغم الجراح، هناك أصوات أخرى أكثر قوة، أصوات قلوب ترفض أن تستسلم وسط النار والحصار والجوع، يخرج أبطال من بين الغبار لا يحملون سلاحاً ولا درعاً، بل يحملون ضمادة وابتسامة ويداً تمسح على رأس طفل مذعور.

رحلة طبيب بين خيام النازحين في غزة

داخل خيام النازحين يتجول الطبيب يونس عوض الله الذى تخطى السبعين من عمره، اعتقد أن رحلته مع الطب انتهت بالتقاعد، لكنه وجد نفسه يعود إلى خط المواجهة مرة أخرى، لا فى ساحات الحرب، بل فى المخيمات التى أصبحت ملجأ للجرحى والأطفال، بعدما قرر أن العمر لا يقف حاجزاً أمام الواجب، وأن غزة تستحق أن يهبها ما تبقى من أنفاسه، إذ أيقظت أصوات الحرب بداخله نداءً لم يستطع تجاهله.

د. يونس

يقول الطبيب السبعينى: «ماكنتش قادر مالبيش نداء الجرحى، رأيت الأطفال يئنِّون من الجراح والمرض وسط غياب الدواء وانهيار المستشفيات فلم أتردد، حملت كل أدواتى وقررت العودة إلى العمل غير عابئ بسنين العمر ولا بآلام الجسد».

الطبيب السبعينى الذى اختارته مجلة تايم الأمريكية ضمن قائمتها السنوية لأكثر 100 شخصية مؤثرة فى مجال الصحة لعام 2025، تقديراً لجهوده الإنسانية والطبية خلال الحرب فى قطاع غزة، لم يكن فى استقباله عيادة مجهزة ولا أجهزة حديثة، بل غرفة صغيرة تحولت إلى ملجأ للمرضى، جلس على كرسى خشبى مهترئ، وأمامه طاولة بالكاد تتحمل أدواته القليلة تارة، ومترجلاً بين الخيام المختلفة تارة أخرى، لكنه يمتلك خبرة سنوات طويلة وحنان الطبيب الذى يرى فى كل طفل مريض صورة وطن ينزف: «سبت بناتى وحياتى ورجعت للصفوف الأولى بغزة فور بدء الحرب، حبيت أداوى جراح الأطفال وأحاول أخفف عن الأمهات الثكالى بعدما تقاعدت عام 2021، تواصلت معى «اليونيسف» لمساعدتهم فى إعداد قائمة مشتريات طبية للطوارئ، ووقعت المؤسسة معى عقداً جديداً فاعتبرت هذا تكريماً وفرصة لإنقاذ أرواح الأطفال والنساء».

الأمهات كُنَّ يدخلن إليه مثقلات بالخوف، يضعن أبناءهن بين يديه كأنهن يسلمنه قلوبهن، لكن صوته المبحوح ولمسته الحانية وابتسامته تُعد دواءً: «كنا شغالين فى الحرب تحت القصف، عشنا أياماً صعبة وكنا أملاً للأمهات والأطفال، لا أمان ولا نوم ولا حتى حياة، لكن واجبنا كان دائماً يدفعنا نحو التقدم للخطوط الأمامية، نسابق الزمن ورصاصات الاحتلال لتوفير الأدوية للمرضى، نحاول جاهدين السيطرة على الأوبئة فى وقت صعب، نشعر بآلام الأطفال، وحين ينزف طفل نشعر بأن غزة كلها تنزف، ونتمنى أن تنتهى معاناة آلاف الأطفال الذين نهش الجوع أجسادهم».

تجربة عودة الدكتور يونس عوض الله من التقاعد

يواصل «يونس» العمل لساعات طويلة بلا كلل، لم يسأل عن أجر، ولم يبحث عن مقابل، بل يكتفى بابتسامة طفل يتنفس بسلام بعدما أصبح ملاذاً يطرق بابه كل محتاج ورمزاً لمعنى الإنسانية التى تعلمها فى جامعة الأزهر: «دراستى فى (طب الأزهر) كان لها أثر كبير فى تكوين شخصيتى، فضلاً عن عملى فى السعودية لأكثر من 20 عاماً، وفى عام 2002 عدت إلى غزة لأتولى منصب مدير دائرة صحة الطفل فى وزارة الصحة الفلسطينية، حيث ساعدنا فى اعتماد بروتوكولات لمعالجة الأطفال دون الخامسة إلى أن جاءت الحرب التى تطلبت جهداً مضاعفاً».

منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» وثقت تجربة عودة الدكتور يونس عوض الله من التقاعد فى فيلم وثائقى بعنوان «التهديد الصامت لغزة»، ووصفته بأنه رمز إنسانى واجه الكثير من المخاطر خلال الحرب، وهو ما اعتبره تكريماً لمسيرة امتدت لأكثر من 45 عاماً: «ما زلت أساند أطفال غزة وأتمنى أن تنتهى الحرب وأن ينعم هؤلاء بحياة هادئة خالية من الأمراض والخوف، وأعتبر فيلم اليونيسف عنى تكريماً لمسيرتى».


مواضيع متعلقة