1450 قطعة أثرية ومعروضات نادرة داخل المتحف الزراعي تعكس التطور الزمني لـ«الزراعة»

كتب: محمد أبو عمرة

1450 قطعة أثرية ومعروضات نادرة داخل المتحف الزراعي تعكس التطور الزمني لـ«الزراعة»

1450 قطعة أثرية ومعروضات نادرة داخل المتحف الزراعي تعكس التطور الزمني لـ«الزراعة»

أطلقت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضى التشغيل التجريبى للمتحف الزراعى المصرى، ضمن خطة شاملة لتطوير المنشآت الثقافية التابعة للوزارة، بعد الانتهاء من أعمال التجديد والتطوير التى تمت بالتعاون مع جهات دولية مثل منظمة اليونيسكو، حيث يُعد المتحف ثانى أقدم متحف زراعى فى العالم، وشاهداً حياً على عراقة الزراعة المصرية عبر العصور، كما يندرج الافتتاح تحت استراتيجية الدولة الهادفة للحفاظ على التراث الحضارى للقطاع الزراعى، ويسرد قصة الزراعة المصرية من العصر الفرعونى حتى العصر الحديث.

داخل حى الدقى يقبع المتحف الزراعى حاملاً تاريخاً ممتداً من ثلاثينات القرن الماضى، فخلف هذه الأسوار يختبئ واحد من أغنى كنوز التراث المصرى وأكثرها فرادة. من الخارج قد يبدو المكان مجرد مبنى حكومى قديم تحيط به حدائق، حيث يلتقى العلم بالفن، والتاريخ بالحياة اليومية للفلاح المصرى.

«هنا هتعيش قصة الإنسان المصرى مع الأرض»، بتلك الكلمات بدأ محمود عاشور، أحد المسئولين عن المتحف، حديثه لـ«الوطن»، مؤكداً أن المتحف الزراعى من أبرز المتاحف المتخصصة فى العالم، حيث بدأت فكرة إنشائه عام 1929 بقرار من الملك فاروق الأول على سراى الأميرة فاطمة إسماعيل ابنة الخديو إسماعيل. وقد تسلمت وزارة الزراعة المبنى عام 1930 لبدء العمل على تحويله إلى متحف، ليتم افتتاحه رسمياً فى 16 يناير 1938.

منذ انطلاق التشغيل التجريبى للمتحف وأجواء الازحام تملأ المكان، بحسب «عاشور»، مؤكداً أن الزوار يتجولون بين القاعات والمقتنيات التاريخية، ويلتقطون الصور التذكارية بين المعروضات النادرة والمجموعات العلمية التى تعكس مسيرة مصر الزراعية منذ آلاف السنين. وأكد «عاشور» أن المتحف يستمر فى فتح أبوابه مجاناً للجمهور حتى نهاية شهر أغسطس الجارى، وذلك فى إطار مرحلة التشغيل التجريبى، وهذه الخطوة تأتى بعد انتهاء أعمال التجديد الشاملة التى حوَّلت المتحف إلى مركز ثقافى وعلمى متكامل.

حسب «عاشور» يُعد المتحف الزراعى المصرى ثانى أقدم متحف زراعى فى العالم، ويروى المتحف قصة الزراعة المصرية من العصر الفرعونى حتى الآن، ويضم مجموعة فريدة من المقتنيات النادرة التى تشمل أدوات زراعية قديمة تُظهر تطور الزراعة عبر العصور، ونماذج أثرية للنباتات والحيوانات التى تعكس التنوع البيولوجى، كذلك وثائق تاريخية تسلط الضوء على تاريخ الزراعة فى مصر، ويضم المتحف 8 متاحف فرعية متخصصة، منها المتحف اليونانى والرومانى: يعرض تقنيات الزراعة فى تلك الفترات، ومتحف الصداقة الصينية الذى يُبرز التعاون الزراعى بين البلدين، والمتحف الملكى يعرض مقتنيات الأسرة الملكية المصرية المتعلقة بالزراعة، كذلك المكتبة التراثية تحتوى على وثائق ومخطوطات نادرة للباحثين.

بدوره، أكد العميد فؤاد قمحاوى، مدير المتاحف والمعارض الزراعية بالمتحف الزراعى المصرى، أن المتحف يمثل جسراً رابطاً بين الماضى والحاضر والمستقبل، ويُعد فرصة ممتازة للجمهور للتعرف على تراث مصر الزراعى الغنى بشكل مجانى، موضحاً أن تأخر إعادة افتتاح المتحف منذ إغلاقه عام 2017 جاء نتيجة الحرص على الحفاظ على التراث الموجود فى المحنطات.

بحسب «قمحاوى» فإن المتحف يضم نحو 1٫451 قطعة أثرية من العصور اليونانية والرومانية والإسلامية، بينها تماثيل صغيرة، أوشابتى، وأدوات زراعية من البرونز والحجر، إضافة إلى نحو 2٫000 قطعة من عصور ما قبل التاريخ والفراعنة، مثل بذور وفواكه جافة، وتوابيت حجرية، كما يحتوى على أقمشة صوفية وبطانيات تعود لعصر أخناتون، وخيوط مصنوعة يدوياً منذ أكثر من 3 آلاف عام.

وأضاف: «مكتبة المتحف تحتفظ بخزانة تضم موسوعة (وصف مصر)، وموسوعة (آثار مصر)، والمكتبة مفتوحة للباحثين، وتحتوى على آلاف الكتب والمخطوطات الزراعية النادرة، أما الحدائق المحيطة بالمبانى، فهى ليست مجرد مساحة خضراء، بل متحف نباتى حى به أشجار ونباتات نادرة، بعضها أعيد إحياؤه من نقوش فرعونية».

رضوى أشرف، المشرفة على المقتنيات الأثرية داخل المتحف، قالت: «هدفنا الأول هو التوعية، وإحياء ذاكرة الزراعة المصرية، لذلك حددنا أسعار الدخول بشكل رمزى للمصريين. فى نفس الوقت نعمل على جذب السياحة بالتعاون مع وزارة السياحة، ووضع المتحف على الخريطة السياحية لمصر». واحد من أبرز معالم المتحف صالون الأميرة فاطمة إسماعيل، الذى يحتل مكانة خاصة بين الكنوز المعروضة هنا، ليس فقط لقيمته الفنية والجمالية، ولكن لما يحمله من قصة تاريخية فريدة تروى جانباً إنسانياً مهماً فى مسيرة الأميرة. توضح «رضوى» أن الأميرة فاطمة إسماعيل لم تكن مجرد أميرة من الأسرة المالكة، بل شخصية استثنائية ارتبط اسمها بأعظم الإنجازات التعليمية فى مصر، حيث كانت صاحبة المبادرة التاريخية لإنشاء جامعة القاهرة، فبعدما علمت بالأزمة المالية التى عطلت استكمال بنائها سارعت ببيع معظم مجوهراتها لتدعم المشروع، لتخلد بذلك اسمها فى سجل رواد النهضة التعليمية، وتضرب أروع الأمثلة فى التضحية والعطاء، مضيفة: «ما يميز هذا الصالون أنه يعكس فلسفة حياة وقصة نضال إنسانى».

بحسب «رضوى» يوثق المتحف رحلة الزراعة منذ العصور الحجرية، مروراً بالعصر الفرعونى، ثم اليونانى والرومانى، وصولاً إلى العصر الإسلامى والحديث. الجدران مغطاة بصور ولوحات تحاكى الحقول وأدوات الرى والسواقى، بينما تعرض الواجهات الزجاجية أدوات برونزية وحجرية، موائد قرابين، وأوانى فخارية.

فى إحدى القاعات يوجد البهو العربى السورى، بزخارفه الشرقية ولوحاته التى توثق التعاون الزراعى بين مصر وسوريا فى القرن العشرين. بجواره قاعة الصداقة المصرية - الصينية التى تعرض أدوات وتقنيات قدَّمها الصينيون، أما قاعة البردى فهى بمثابة درس حى فى زراعة البردى وصناعة الورق منذ آلاف السنين.

المتحف فى بدايته يضم فناء واسعاً، تتوسطه نافورة حجرية صغيرة محاطة بزهور، على جانبيها ممرات مرصوفة تقود إلى القاعات المختلفة، بينما تمتد أمامك الحديقة الرئيسية، حيث زُرعت أشجار ونباتات ذكرها المصرى القديم فى نقوشه. أما القاعة المخصصة للنباتات فتفوح منها رائحة الأعشاب العطرية والزهور المجففة تملأ المكان، وعلى الرفوف الزجاجية نماذج لمحاصيل الحبوب من قمح وشعير، وبقوليات مثل العدس والفول، وزيوت نباتية، وألياف القطن، إلى جانب نباتات طبية كانت تُستخدم فى علاج الأمراض منذ آلاف السنين.

«مش بنعرض بس النباتات اللى كانت موجودة، لكن كمان بنشرح دورها فى حياة المصريين»، قالها الدكتور محمد القرش، المتحدث باسم وزارة الزراعة، لـ«الوطن»، مؤكداً أن بعض تلك النباتات كانت مقدسة عند الفراعنة، ومع ذلك اندثرت من الطبيعة، لكنها هنا محفوظة بكامل أجزائها.

وأشار إلى صندوق زجاجى يحوى نبات البرساء، السيقان والأوراق والثمار ما زالت سليمة بشكل مدهش، وبجواره آلة المجرش، أداة حجرية استخدمها الإنسان الأول لطحن الحبوب، التى تعود إلى 15 ألف سنة، وهى القطعة التى جذبت انتباه كل الزوار.


مواضيع متعلقة