«حل الدولتين».. خطوات للاعتراف بـ«فلسطين» تُجهض أطماع اليمين الإسرائيلي
«حل الدولتين».. خطوات للاعتراف بـ«فلسطين» تُجهض أطماع اليمين الإسرائيلي
فى خطوة تعكس تحولاً ملحوظاً فى المزاج الدبلوماسى الدولى تجاه القضية الفلسطينية، أعلنت كل من فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا ومالطا أنها تستعد للاعتراف بـ«دولة فلسطين» خلال الدورة المقبلة للجمعية العامة للأمم المتحدة المقررة فى سبتمبر المقبل، وبذلك ستنضم هذه الدول إلى 147 دولة عضو فى الأمم المتحدة سبقتها بالفعل إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ما يعنى أن غالبية المجتمع الدولى باتت تنظر إلى «فلسطين» ككيان يستحق الاعتراف الرسمى.
ورغم أن هذه الخطوة تبدو فى ظاهرها «رمزية»، لكونها لن تغيّر فوراً الواقع الميدانى المعقد فى الأراضى الفلسطينية، فإنها تحمل دلالات استراتيجية عميقة، خاصة أنها تأتى فى لحظة فارقة يشهد فيها الشرق الأوسط تصعيداً غير مسبوق، وحرباً مدمرة فى قطاع غزة توشك على دخول عامها الثالث، بينما يمضى «اليمين» الإسرائيلى قُدماً فى تكريس وقائع استيطانية تجعل أى حل سياسى بعيد المنال.
وذكرت صحيفة «أتلانتك» أن هذه التحركات الغربية تأتى فى ظل غياب أى عملية سلام فعلية، حيث ترفض إسرائيل، منذ سنوات، الدخول فى مفاوضات جادة مع منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعى للشعب الفلسطينى، وعلى العكس اعتادت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تحميل السلطة الفلسطينية، وحركة «فتح»، مسئولية جميع أفعال الفلسطينيين، بما فى ذلك العمليات التى تنفذها حركة «حماس»، التى تناصب المنظمة العداء السياسى والأيديولوجى، أما الولايات المتحدة، ورغم دورها التاريخى فى رعاية المفاوضات، فلم تنشئ قط أى علاقة ثنائية مباشرة مع الفلسطينيين، ما عمّق الفجوة بين الخطاب الأمريكى المعلن حول «حل الدولتين»، وسياساتها العملية، التى كثيراً ما كانت منحازة لإسرائيل.
وأضافت الصحيفة الأمريكية، فى تقرير لها، أن النضال الفلسطينى من أجل تحقيق حلم الدولة المستقلة لم يكن قصيراً ولا سهلاً، فمنظمة التحرير الفلسطينية، رغم تبنيها خيار المفاوضات منذ أوائل التسعينات، وتمسكها باعتراف ياسر عرفات بإسرائيل عام 1993، أهدرت فرصاً جوهرية كان من الممكن أن تقرّب الفلسطينيين خطوة من الاستقلال، ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك العرض الذى قدّمه رئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق، إيهود أولمرت، عام 2008، والذى ظل يثير جدلاً واسعاً حول ما إذا كان من الممكن البناء عليه لتحقيق انفراجة تاريخية، وفى الوقت نفسه لم تنجُ السلطة الفلسطينية من اتهامات «الفساد وسوء الإدارة» فى الضفة الغربية، ما أضعف من شرعيتها أمام مواطنيها، وقلّص من مساحات الفعل المدنى والسياسى، ومع ذلك يبقى الاعتراف الدولى المرتقب رسالة واضحة بأن المجتمع الدولى يفضل خيار «الدبلوماسية السلمية»، الذى تنتهجه منظمة التحرير وحركة «فتح»، على الخيار العسكرى الذى تطرحه «حماس».
هذا التحرك لا يقتصر على بُعده «الفلسطينى - الإسرائيلى» فحسب، بل يمتد إلى مواجهة أطماع اليمين الإسرائيلى، الذى يسعى منذ سنوات إلى ابتلاع الضفة الغربية، وفرض وقائع استيطانية جديدة تجعل أى دولة فلسطينية مستقبلاً مجرد كيان مجزأ بلا مقومات حقيقية، فإضفاء الشرعية الدولية على الدولة الفلسطينية، ولو رمزياً، من شأنه أن يُضعف منطق التوسع الذى يتبناه قادة اليمين المتطرف فى الحكومة الإسرائيلية، مثل بتسلئيل سموتريتش، وإيتمار بن غفير، اللذين لا يخفيان خططهما الرامية إلى «دفن» أى أمل فى إقامة دولة فلسطينية، من خلال التوسع الاستيطانى الكثيف فى القدس والضفة الغربية.
وتطرقت الصحيفة الأمريكية، فى تقريرها، إلى جذور القضية الفلسطينية، مشيرةً إلى أن الصراع بين الطرفين اتسم منذ بداياته بـ«عدم التكافؤ الصارخ»، فالعالم اعترف بالحقوق القومية لليهود منذ «إعلان بلفور» عام 1917، والانتداب البريطانى على فلسطين، بينما لم يحظَ الفلسطينيون باعتراف مماثل بحقوقهم الوطنية. صحيح أن قرار التقسيم الأممى عام 1947 أتاح لهم نظرياً فرصة لإقامة دولة، لكن من منظورهم آنذاك كان القرار مجحفاً، إذ منح اليهود، الذين لم تتجاوز نسبتهم ثلث السكان، وامتلكوا 6% فقط من الأراضى الخاصة، أكثر من 56% من أرض فلسطين الانتدابية، وبعد ذلك بعقدين من الحروب، أعلنت إسرائيل قيامها، وسيطرت على معظم الأراضى، فيما نزح أو طُرد نحو 800 ألف فلسطينى فى حرب 1948، تبعهم 300 ألف آخرون فى حرب 1967، ولم يُسمح لأى منهم تقريباً بالعودة إلى ديارهم.
وأضافت أنه منذ أواخر الستينات، حاول الفلسطينيون إعادة بناء مشروعهم الوطنى على أسس أكثر استقلالية، خاصة بعد هزيمة 1967، التى دفعت منظمة التحرير إلى إعادة تنظيم صفوفها بعيداً عن الوصاية المصرية والعربية، ومع مرور الوقت أصبحت أهداف المنظمة أكثر تواضعاً، إذ اختزلت مشروع التحرير الكامل إلى إقامة دولة فى حدود 1967، وقد عززت «الانتفاضة الأولى» عام 1987 حضور المنظمة داخل الأراضى المحتلة، لكنها أفرزت أيضاً منافساً خطيراً هو حركة «حماس»، التى سرعان ما تحولت إلى قوة فاعلة على الساحة الفلسطينية، وفى مطلع التسعينات، بدا أن الطريق مفتوح لتحقيق اختراق سياسى تاريخى، خصوصاً مع توقيع «اتفاق أوسلو» عام 1993، الذى أسس لاعتراف متبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير، غير أن الاتفاق لم ينص صراحة على إقامة دولة فلسطينية، ما ترك الباب مفتوحاً أمام التأويل والتلاعب.

وعندما دعا الرئيس الأمريكى الأسبق بيل كلينتون إلى قمة «كامب ديفيد» عام 2000، شعر الوفد الفلسطينى بأن ما يُعرض عليهم لا يعدو كونه «كانتونات» متناثرة داخل «إسرائيل الكبرى»، فرفضوا العرض، دون تقديم بديل مضاد، بينما اصطف كلينتون عملياً إلى جانب الإسرائيليين، ومع اندلاع «الانتفاضة الثانية» انهار المسار التفاوضى، حتى وإن حاول كلينتون، فى أيامه الأخيرة، طرح «إطار» بدا أقرب للحل، لكنه لم يُترجَم إلى اتفاق، بسبب الانتخابات التى جاءت بإرييل شارون رئيساً للحكومة الإسرائيلية، وفى عام 2002 أعلن الرئيس الأمريكى جورج بوش الابن، لأول مرة، تأييده العلنى لإقامة دولة فلسطينية، وصوّتت إدارته لصالح قرار مجلس الأمن 1397، الذى دعا إلى قيام دولتين متجاورتين بحدود آمنة ومعترف بها، لكن تلك اللحظة الإيجابية سرعان ما تلاشت مع تفاقم الانقسام الفلسطينى الداخلى بعد انتخابات 2006، والتى أفضت إلى سيطرة «حماس» على قطاع غزة فى 2007، ما عمّق الشرخ مع الضفة الغربية، وأتاح لإسرائيل التذرع بعدم وجود «شريك فلسطينى موحد» للتفاوض.
وتابعت الصحيفة الأمريكية أنه فى عام 2008، حاول «أولمرت» مجدداً تقديم عرض، وُصف بأنه «مقبول نسبياً»، لكن رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، رفض تقديم «تنازلات جوهرية» بشأن ملف اللاجئين، وبسبب غياب الضمانات المكتوبة، إضافة إلى ضعف موقف «أولمرت» السياسى فى الداخل الإسرائيلى، كلها عوامل أدت إلى فشل المبادرة، ومنذ ذلك الحين، هيمن بنيامين نتنياهو على المشهد السياسى الإسرائيلى، وعمل على إفشال أى مبادرة تتعلق بحل الدولتين، مستغلاً الانقسام بين «فتح» و«حماس» ليُبرر موقفه الرافض، إلى أن جاء هجوم «طوفان الأقصى»، فى 7 أكتوبر 2023، ليكشف هشاشة الوضع القائم، حيث استغل اليمين الإسرائيلى الأحداث لتشديد رفضه القاطع لأى دولة فلسطينية، وذهب «نتنياهو» إلى حد التصريح بأن «قيام دولة فلسطينية يعنى منصة لتصفية إسرائيل»، ويعكس هذا الخطاب، إلى حد بعيد، المزاج السائد داخل الأوساط اليمينية فى إسرائيل، والتى باتت ترى فى أى تنازل سياسى خطراً وجودياً.
واعتبرت «أتلانتك» أن الاعتراف الدولى بـ«دولة فلسطين» يطرح بديلاً أكثر منطقية، إذ يعزز مكانة «منظمة التحرير»، الحركة الوطنية التى تبنّت «خيار التفاوض»، ويُضعف فى المقابل نفوذ «حماس»، التى تسعى إلى إقامة «حكم دينى» على كامل أرض فلسطين التاريخية، وبالفعل استفادت المنظمة من قرار الأمم المتحدة عام 2012 برفع مكانة فلسطين إلى «دولة مراقب غير عضو»، ما منحها فرصة للانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، واستخدام أدوات قانونية لمواجهة مخططات الضم الإسرائيلى.
وفى الوقت الذى تنشغل فيه أنظار العالم بمآسى الحرب فى غزة، تمضى الحكومة الإسرائيلية الحالية فى مسار توسعى غير مسبوق فى الضفة الغربية، حيث تشير تقارير الأمم المتحدة إلى تهجير نحو 40 ألف فلسطينى خلال العامين الأخيرين، بفعل سياسات الجيش والمستوطنين المتطرفين، هذه الوقائع جعلت الاعتراف الدولى بالدولة الفلسطينية ضرورة ملحّة، ليس فقط لتثبيت حق الفلسطينيين، بل أيضاً لمواجهة سياسة الضم، التى يراها مراقبون التهديد الأكبر لحل الدولتين.
وبينما تؤكد بريطانيا أنها ستعترف بـ«دولة فلسطين» إذا استمرت الحرب فى غزة حتى سبتمبر، تركز فرنسا وكندا على ضرورة منع الضم الإسرائيلى رسمياً، وهو ما يعنى أن هذه الدول لا تكتفى بالخطاب الرمزى، بل تربطه بشروط واضحة على الأرض، واعتبرت الصحيفة أن الرسالة الموجهة إلى إسرائيل واضحة: «وقف الحرب ووقف الاستيطان، فالأرض التى ما زالت قابلة لأن تكون نواة للدولة الفلسطينية هى الضفة الغربية، وأى محاولة لابتلاعها تعنى دفن مشروع السلام نهائياً».
واختتمت «أتلانتك» تقريرها بالقول إن الاعتراف المرتقب من دول غربية كبرى بـ«دولة فلسطين» لا يشكل حلاً نهائياً للصراع، لكنه بداية لإعادة إحياء الأمل، فالمجتمع الدولى يدرك أن البديل عن حل الدولتين ليس سوى استمرار دوامة الدم والعنف لعقود، وربما قرون أخرى، ومن هنا يصبح الاعتراف بفلسطين خطوة أولى نحو تصحيح الخلل التاريخى الذى لازم الصراع منذ بداياته، ورسالة بأن الاستسلام لسياسات الأمر الواقع ليس خياراً، وأن الدبلوماسية لا تزال قادرة على فتح نافذة أمل، حتى وإن ضاقت المساحات أمامها، بفعل الحروب والانقسامات.