خبراء عرب يفسرون ظاهرة «إخوان إسرائيل»: «الجماعة» لا تؤمن بخريطة فلسطين
خبراء عرب يفسرون ظاهرة «إخوان إسرائيل»: «الجماعة» لا تؤمن بخريطة فلسطين
فى محاولة لفهم سلوك جماعة الإخوان المتناقض بين ادعاء المقاومة ضد إسرائيل على مدار تاريخها، والمشاركة عبر أحد أفرعها ضمن النظام السياسى الإسرائيلى لتكون جزءاً منه، قال خبراء ومتخصصون عرب إن الجماعة لا تؤمن فى الأساس بمفهوم الدولة الوطنية، سواء فى فلسطين أو غيرها من البلدان العربية الأخرى، موضحين أنها «جماعة براجماتية» مستعدة لأداء كل الأدوار، من المقاومة إلى الخيانة، ومن التفاوض إلى الإرهاب، وأنها تتبنى أذرعاً ونوافذ ذات أدوار تكتيكية وظيفية لخدمة أهداف الجماعة، مؤكدين أن المستفيد الأول من تلك الحالة هو العدو الإسرائيلى، لأن الجماعة تسهم فى تفتيت المشروع الوطنى وتعمل على إضعاف المؤسسات الوطنية وتشتيت وحدة الصف العربى، واتفقوا على أن الجماعة أضرت بالقضية الفلسطينية ولم تخدمها أبداً.
الدبلوماسى الفلسطينى ممدوح جبر: الجماعة تحولت إلى ورقة من أوراق إسرائيل للضغط على مصر وغيرها من الدول العربية
قال السفير ممدوح جبر، مساعد وزير الخارجية الفلسطينى الأسبق، لـ«الوطن»، إن جماعة الإخوان تفتقر إلى فرضية التوازن السياسى، ولا تؤمن بالدولة الوطنية سواء فى فلسطين أو مصر أو بقية الدول التى تسللت إليها الجماعة، وبالتالى هى لا تتبنى القضية الفلسطينية كقضية وطنية يسعى فيها الفلسطينيون إلى الحصول على حقوقهم فى بناء دولتهم المستقلة، ولكن هى تستثمر القضية لخدمة مصالحها، وتزعم المقاومة عبر حماس فى غزة، وتشارك فى النظام الإسرائيلى والانتخابات الإسرائيلية وفق القوانين الإسرائيلية عبر الحركة الإسلامية، من ناحية أخرى.
وأضاف «جبر» أن الجماعة ورقة من أوراق إسرائيل للضغط على مصر وغيرها من الدول العربية، وتخدم المشروع الإسرائيلى بأكثر مما تخدم القضية الفلسطينية، مستشهداً بالوقفة الاحتجاجية التى دعت لها الحركة الإسلامية المنتمية إلى الإخوان فى تل أبيب، للهجوم على مصر فى حماية الشرطة الإسرائيلية وبتراخيص من الحكومة الإسرائيلية، قائلاً: «هذه الوقفة التى قامت بها لا تخدم الشعب الفلسطينى وتصرف الانتباه عن المتسبب الحقيقى فى الكارثة الإنسانية فى قطاع غزة، وجماعة الإخوان داخل أراضى 48 وداخل غزة، وفى مصر والأردن، لديها أجندة واحدة وهى محاربة الدولة الوطنية، وهذا بلا شك لا يخدم أى طرف إلا العدو».
المفكر الليبى جبريل عبيدى: الإخوان بكل صيغهم السياسية والحركية لا يؤمنون بجغرافيا الوطن.. وكانوا يحمون تنقلات الإسرائيلى برنارد ليفى عرّاب الربيع العربى فى ليبيا.. وتظاهرهم ضد مصر داخل «تل أبيب» يؤكد خيانتهم
ومن جانبه، استخدم د. جبريل العبيدى، الكاتب والباحث الأكاديمى الليبى، أستاذ مشارك فى جامعة بنغازى الليبية، مصطلح «إخوان إسرائيل»، فى الإشارة إلى جماعة الإخوان داخل إسرائيل، وذراعها المسماة بـ«الحركة الإسلامية»، قائلاً إن «إخوان إسرائيل» يستخدمون التقیة، بحيث يعلنون غير ما يخفون فى صورهم، ويستعملون الكذب والتزویر كأدوات فى خطابهم السياسى، وأشار إلى أن تنظيم الإخوان الدولى الذى تظاهر فى إسرائيل بحماية الشرطة الإسرائيلية أمام السفارة المصرية، هو نفسه التنظيم الذى قرر المشاركة فى انتخابات الكنيست الإسرائيلى منذ العام 1996، وهو نفسه الذى عمل على إسقاط الدول العربية عقب ما سُمى بـ«الربيع العربى»، مستدركاً: «هؤلاء كانوا يدعون إلى الجهاد، وفى الوقت نفسه يحمون تنقلات الإسرائيلى برنارد ليفى عراب الربيع العربى فى ليبيا، ويهتفون أمامه: القذافى يهودى، فى حالة هستيريا سياسية تجمع التناقضات؛ وقد علَّق عليها برنارد ليفى فى مذكراته عن الحرب فى ليبيا»، مشدداً على أن «الإخوان بكل صيغهم السياسية ومسمياتهم الحركية لا يؤمنون بجغرافيا الوطن؛ بل بجغرافيا المرشد وخلافته المزعومة، ولذلك فهم جماعة أقل ما يقال عنها إنها مفلسة سياسياً ودينياً».
وأضاف: «الإخوان يتاجرون بالقضية الفلسطينية وأوجاعها ومجاعة سكان غزة، ويزايدون على كل الأنظمة العربية، وتحديداً مصر المشهود لها بموقفها التاريخى الداعم لفلسطين، وهم أنفسهم يقومون بحشد تظاهرة تقودها مجموعة من إخوان إسرائيل المنتمين للجماعة، وهم من حاملى جوازات السفر والجنسية الإسرائيلية، أمام السفارة المصرية، وتحت حماية الشرطة الإسرائيلية، مطالبين بفك الحصار عن غزة، السؤال هو: من المستفيد من ذلك؟.. بالتأكيد إسرائيل، وهذا يؤكد حالة من فصام الشخصية، وأيضاً البراجماتية، بل والخيانة، التى يعيشها عناصر هذا التنظيم الضال المصابون بالشيزوفرينيا السياسية».
وفى ضوء هذه الحالة المركبة والمتناقضة لتنظيم الإخوان، حاول الدكتور محمد بشارى، الأمين العام للمجلس العالمى للمجتمعات المسلمة، والأمين العام للمؤتمر الإسلامى الأوروبى، تفسيرها من خلال الاختلاف الكبير بين ما سمّاه «فقه الجماعة وفقه الدولة»، موضحاً أن «فقه الجماعة -كما تجلّى فى أدبيات جماعة الإخوان وبعض الحركات المماثلة أو المنبثقة عنها- تشكّل وفق مفهوم الانتماء المسبق للجماعة، أى إن الفرد يُعرف بمدى التزامه بصفّ الجماعة، لا بقدر مشاركته فى المشروع الوطنى العام. فالمواطنة هنا تذوب فى الطاعة داخل التنظيم، والهوية تُعاد هندستها بما يتناسب مع الولاء التنظيمى للجماعة وليس الوطن، ولا الانتماء المدنى المتساوى، ويُعيد هذا الفقه تفسير النصوص الدينية فى ضوء الحاجة إلى تثبيت البنية التنظيمية للجماعة، بكل الوسائل الممكنة، حتى ولو بالعمل داخل إسرائيل نفسها، ولو على حساب الدولة العربية الوطنية، فالبيعة تتحول إلى عقد مقدّس مع القيادة التنظيمية، والطاعة تصبح إلزاماً مطلقاً، والمعارضة تُفهم كخروج أو شق لعصا الجماعة».
ويرى د. بشارى أنه لا غرابة فى الفعل الإخوانى سواء بادعاء المقاومة، أو السقوط فى بئر الخيانة، لأن الرؤية التكوينية للجماعة لم تتأسس على مفهوم الدولة الوطنية من الأساس، بل على فكرة الأمة المتجاوزة للحدود القُطرية. فهى تتبنى منهج أن الجماعة فوق الدولة وأن التنظيم فوق الأمة، وهذا المنطق يُقصى مفهوم الوطن، بل إن الإخوان لا يؤمنون أساساً بحدود الدولة الفلسطينية نفسها، لأنها الإخوان نظروا منذ بداياتهم إلى الكيانات القُطرية والدول الوطنية الحديثة على أنها نتاج «سايكس بيكو»، وأن تجاوزها نحو كيان جامع هو من مقتضيات «بعث الإسلام» فى الحياة العامة، بحسب زعمهم. متابعاً: «وبالتالى، لم يكن الاعتراف بشرعية الدولة الوطنية جزءاً من العقد الفكرى المؤسس للجماعة. فهى إما تعاملت مع الدولة كأداة ينبغى تطويعها لمصلحة التنظيم، أو كعائق ينبغى تجاوزه للوصول إلى التمكين».
وفى محاولة أعمق لفهم علاقة الإخوان بالقضية الفلسطينية، قال د. بشارى: «منذ تأسيسها، وضعت جماعة الإخوان -مثل تيارات الأحزاب اليسارية والقومية العربية وغيرها- القضية الفلسطينية فى مركز خطابها التعبوى، وقدّمتها بوصفها أم القضايا التى تُختبر فيها الأمة الإسلامية بين الإيمان والنفاق، وبين الجهاد والتخاذل. وكان ذلك نابعاً -فى مراحله الأولى- من منطلق أيديولوجى، تَمثَّل فى الربط بين تحرير فلسطين ونهضة الأمة. لكن بمرور الزمن، وخصوصاً منذ سبعينات القرن العشرين، بدأ يظهر نوع من الاستثمار السياسى الموجّه للقضية، خاصة فى الخطابات الجماهيرية، والأنشطة التعبوية، وتجنيد الشباب. فقد أصبحت فلسطين تمثل أداة لشرعنة التنظيم، ومحوراً لتحريك المشاعر، وتبرير التوسّع، بل أحياناً لتبرير التغوّل على الخصوم أو تخوينهم. وخطاب الإخوان الذى يتبنّى القضية الفلسطينية فى مثل هذه السياقات، لا يسعى دوماً إلى تحرير الأرض والإنسان، بل يسعى أحياناً إلى كسب شرعية خطابية، خاصة عندما يفتقر التنظيم إلى إنجازات حقيقية داخل بلاده».
