يسرا زهران تكتب: «أولاد إبليس» يحسمون المواجهة النووية بين روسيا والغرب
يسرا زهران تكتب: «أولاد إبليس» يحسمون المواجهة النووية بين روسيا والغرب
ما الذى يمكن أن يحدث لو قررت روسيا أن تشن حرباً نووية على الولايات المتحدة وأوروبا؟
إنه السؤال الذى يتردد فى ذهن العالم منذ أن ظهر مصطلح «الأسلحة النووية» إلى الوجود، فى كل مرة يزداد فيها الطموح الروسى (أو السوفيتى فيما سبق) لبسط مزيد من النفوذ على أوروبا وما وراءها. قلب القارة العجوز لم يعد يحتمل مزيداً من الضغوط ولا التهديدات الروسية باللجوء للخيارات النووية لو تعرضت «موسكو» لاستفزاز أكثر من اللازم، خاصةً مع تقلبات الأزمة الأوكرانية. والولايات المتحدة من جانبها لا تتردد فى صب مزيد من الزيت على النار، وتنشر صواريخها النووية فى قواعد حلف شمال الأطلسى (الناتو) على امتداد أوروبا، على مرمى حجر من «الدب الروسى»، خوفاً من أن يفكر هذا الدب فى أن «يلعب بذيله» (أو بصواريخه النووية) ويشن هجوماً ضدها.
لكن لو حدثت مثل هذه المواجهة بين روسيا والغرب، كيف تكون الحسابات واحتمالات الفوز والخسارة فى مثل هذه المواجهة؟ من يملك الثقل الأكبر، وقدرة الهجوم الأسرع، وقوة النيران النووية الأشد فتكاً؟ كيف تحسب أوروبا حسابها للمواجهة مع روسيا؟ وما تفاصيل خطة الولايات المتحدة الدفاعية للتعامل مع أى هجوم روسى ضدها (وهى الخطة التى تجرى عليها تدريبات واختبارات وتعديلات وتحسينات منذ فترة الحرب الباردة)؟
«آنى جاكوبسون» فى كتابها عن الحرب النووية حاولت رسم خريطة واضحة تحمل إجابات عن كل تلك الأسئلة السابقة. وضعت تلك المعلومات والحقائق فى قلب السيناريو المتخيل الذى وضعته لاندلاع الحرب النووية بسبب تعرض الولايات المتحدة لهجوم بصواريخ نووية من كوريا الشمالية تسببت فى دمار العاصمة «واشنطن» وولاية «كاليفورنيا» ووقوع البلاد فى حالة من الفوضى، بينما الرئيس الأمريكى وقياداته يواجهون مصيراً مجهولاً بعد سقوط الطائرة الرئاسية التى تحمله. اتخذت الولايات المتحدة قرارها بشن هجوم نووى مضاد بالصواريخ الباليستية على كوريا الشمالية، فى مسار لا بد أن يمر عبر الأجواء الروسية، ومع انقطاع الاتصالات بين الجانبين الروسى والأمريكى، بعد الضربات النووية ضد «واشنطن»، أصبح الرئيس الروسى فى سيناريو «جاكوبسون» يخشى أن تكون هذه الصواريخ الأمريكية موجهة إلى روسيا فى ضربة غادرة من الولايات المتحدة، التى قد تحمل «موسكو» مسئولية الهجوم عليها.

وهكذا فى الدقيقة ٤٢ من سيناريو «جاكوبسون»، يقرر الرئيس الروسى الدخول على خط المواجهة، وإطلاق الحرب النووية الروسية بدوره ضد الولايات المتحدة وحلفائها الأكثر قرباً منه على امتداد القارة الأوروبية، داخل القواعد العسكرية لحلف شمال الأطلسى أو «الناتو».
وستكون بداية الحرب النووية الروسية ضد الغرب بإطلاق الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التى تحمل رؤوساً نووية، والتى تفوق فى قوتها التدميرية قوة الصواريخ الأمريكية بعشرات المرات.
تصف «جاكوبسون» هذا الفارق الضخم فى القدرات ما بين الصواريخ النووية الروسية ونظيراتها الأمريكية قائلة: «إنه فى الوقت الذى لا تستطيع فيه الصواريخ الأمريكية العابرة للقارات أن تحمل أكثر من رأس نووى واحد، فإن الصاروخ الروسى الواحد يمكنه أن يحمل ما يقرب من عشر قنابل، يبلغ وزن كل واحدة منها ٥٠٠ كيلوطن، أى إن الصاروخ الروسى الواحد يحمل فى داخله ٥ ميجاطن من الدمار النووى، قادر على تدمير جزيرة صغيرة مثلاً، أو منطقة تبلغ مساحتها مساحة مقر وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» مضاعفة أربعة عشر ضعفاً.
الأمر الذى يجعل الصواريخ الباليستية الروسية العابرة للقارات، بما تحمله من رؤوس ومتفجرات نووية، هى الصواريخ الأقوى، والأشد فتكاً وتدميراً على وجه الأرض. تلك هى الصواريخ التى تسبب هلعاً للولايات المتحدة، ورعباً أشد لأوروبا التى ستكون أول من يتلقى نيران هذه الصواريخ الروسية لو اشتعل غضب «موسكو» إلى حد يتجاوز السيطرة.
لذلك أطلقت أوروبا على هذه الصواريخ الروسية لقباً فريداً من نوعه، يحمل فى طياته إشارة إلى حجم الجحيم النووى الذى يمكن لها أن تشعله على الأرض حال انطلاقها، هو لقب «أولاد إبليس»، أو «أولاد الأبالسة» بتعبيرنا المصرى العامى فى حالة الجمع.
تحكى «جاكوبسون» عن أصل هذه التسمية للصواريخ النووية الروسية الفتاكة قائلة: «فى الغرب، عرفت هذه الصواريخ باسم «أولاد إبليس»، تأكيداً لفكرة الشر المطلق الذى تحمله وتجسده، فى الوقت الذى أطلق فيه الأمريكان على صواريخهم النووية لقب «مينوتمن»، وهو لقب لكتائب ميليشيا أمريكية شهيرة فى حرب الاستقلال الأمريكية، ترويجاً لفكرة أن الصواريخ الأمريكية تشبه جنوداً شجعاناً وخيرين، يدافعون ويحمون، بينما «أولاد إبليس» الروس لا يحملون إلا الدمار».
روسيا بدورها لم تتغافل عن أهمية التسمية، ودورها فى التأثير النفسى والانطباع الذى تتركه فى القلوب والأذهان، لكنها طبعاً كانت ترى فى صواريخها النووية شجاعة تدعو إلى الفخر، فأطلقت من جانبها اسماً آخر على «أولاد الأبالسة» الذين يرهبون أوروبا، يثير فى الأذهان فكرة الشجاعة العريقة والإقدام التاريخى هو «آر-إس ٢٨ سارمات». وتقول «جاكوبسون»: «إن هذا الاسم «سارمات» فيه إشارة لقبيلة من الفرسان المحاربين المشهورين فى القرن الخامس قبل الميلاد. إن روسيا هى أكبر دولة فى العالم من حيث المساحة، وعلى هذه المساحة تنتشر الثكنات أو السلوات التى تنطلق منها صواريخ «أولاد إبليس» النووية، أشهرها الموجودة فى منطقة «دومباروفسكى» فى سيبيريا، ويصل عددها إلى ما يقرب من المائة على امتداد روسيا».
تلك هى الصواريخ التى يستعد الرئيس الروسى فى سيناريو «جاكوبسون» عن الحرب النووية لإطلاقها، واحداً تلو الآخر، ضد الولايات المتحدة، التى ستجد ما يقرب من ألف صاروخ نووى روسى فى طريقه إليها. تنطلق تلك الصواريخ لترصدها الأقمار الصناعية وأنظمة الإنذار المبكر الأمريكية، ولا يستغرق الأمر أكثر من لحظات معدودة ليدرك المراقبون الأمريكان ذلك الوضع المفزع: لقد دخل الروس على خط النار وأطلقوا صواريخهم. تقول «جاكوبسون»: «فى تلك اللحظة، يدرك الجميع على الفور بداية من القيادات العسكرية وحتى المحللين والمهندسين الأمريكان أنه لا يمكن لأحد أن يفعل أى شىء لإيقاف تلك الصواريخ الباليستية الروسية العابرة للقارات من ضرب الولايات المتحدة. الآن صار مئات الملايين من الأمريكان على وشك الموت. إن الولايات المتحدة لا تملك أكثر من ٤٤ صاروخ صد يمكنها «محاولة» صد واعتراض مسار تلك الصواريخ الروسية (الخبراء قالوا لـ«جاكوبسون» إن نسبة نجاح عملية الاعتراض تلك لا تتجاوز ٥٥٪)، وحتى لو افترضنا فى أحسن الأحوال نجاح كل تلك الصواريخ الأمريكية فى اعتراض الصواريخ الروسية المهاجمة، يظل هناك ٩٦٠ صاروخاً روسياً متجهاً نحو أهدافه المحددة فى الولايات المتحدة لينفذ مهمته التدميرية بنجاح دون أن يوقفه أحد.
الآن، أصبح وزير الدفاع الأمريكى فى سيناريو «جاكوبسون» هو الذى يتولى قيادة الولايات المتحدة بعد أن أصبح مصير الرئيس الأمريكى ونائبه مجهولاً إثر سقوط «واشنطن» فى جحيم نووى. ومن قلب مخبأ نووى فى وسط جبال «بلو ريدج»، يعرف باسم «الموقع آر»، يتلقى القائم بمهام الرئيس الأمريكى خبر انطلاق آلاف الصواريخ الروسية النووية نحو بلاده، ومثل الرئيس الأمريكى، لا يجد أمامه سوى ست دقائق لتحديد خيار الرد النووى على الهجوم الروسى، ويقول الجنرال «مايكل هايدن»، المدير الأسبق للمخابرات المركزية الأمريكية، لـ«جاكوبسون» وهو يشاركها تخيل ملامح سيناريو الحرب العالمية النووية: «إن الأمر قد تم إعداده وتجهيزه بحيث يصبح إطلاق الحرب النووية الشاملة قراراً قائماً على السرعة والحسم، لا مجال فيه للأخذ والرد. كلما تم اتخاذ القرار بشكل أسرع، كان أفضل».
سبب ذلك هو أن روسيا لو أطلقت هجومها النووى على الولايات المتحدة فلن تكتفى بإطلاق صواريخ «أولاد الأبالسة» عليها، بل ستطلق فى نفس التوقيت رعباً أكبر قادماً من غواصاتها النووية الرهيبة التى يحسب الكل حسابها.
فى الدقيقة ٤٨، تتخيل «جاكوبسون» ما يمكن أن يحدث عندما تتحرك الغواصات النووية الروسية الكامنة فى منطقة ما يصعب تحديد مكانها فى أعماق البحر الأدرياتيكى، أو المحيط الأطلنطى. تقول: «الآن تخرج ثلاث غواصات نووية روسية إلى السطح، واحدة تلو الأخرى، تماماً كما فعلت روسيا فى مناورة استعراضية فى عالم الواقع عام ٢٠٢١، وتبدأ كل غواصة فى إطلاق صواريخها النووية نحو أهدافها المحددة بفارق خمس ثوانٍ بين كل صاروخ والذى يليه. تلك السرعة المذهلة التى تطلق بها الغواصات النووية الروسية صواريخها، بشكل يجعلها قادرة على إفراغ كل مخزونها من الصواريخ فى فترة زمنية لا تزيد على ثمانين ثانية، بالإضافة لقدرتها على ضرب وتدمير عدة أهداف فى وقت واحد بشكل متزامن، هى ما يجعلها جديرة بالفعل بوصف «مبعوث الهلاك». مرة بعد مرة، تظهر ألعاب محاكاة الحرب النووية التى يتم رفع السرية عنها من قبَل الأجهزة الأمريكية، أنه فى حالة فشل سياسة الردع (التى تمنع أى قوة نووية من شن هجوم على دولة نووية أخرى خوفاً من تلقى رد مماثل)، فإن تلك هى الطريقة التى سينتهى بها العالم: بصواريخ الغواصات النووية التى تطلقها نحو أهدافها ثم تعود لتغوص فى أعماق المحيط، لتواصل رحلتها حتى فناء طاقتها، بعد فترة من فناء الحياة على سطح الأرض».
وتطلق الغواصات النووية الروسية أسلحتها النووية، لكنها لا تستهدف الولايات المتحدة وحدها، وإنما تتخذ مسارها نحو أهداف أخرى محددة لديها مسبقاً، فى أوروبا ودول حلف الناتو التى تضم فى قواعدها العسكرية أسلحة نووية أمريكية جاهزة للانطلاق.

قواعد عسكرية فى بلجيكا وألمانيا وهولندا وإيطاليا وتركيا، كلها تستعد للتحرك منذ أن تعرضت الولايات المتحدة للضربات النووية فى سيناريو «جاكوبسون». تقول: «إن وظيفة حلف «الناتو» هى دفع القيم الديمقراطية وحل النزاعات بشكل سلمى، لكن الدول الأعضاء فى الحلف تتوعد كذلك بتحرك عنيف لو تعرضت إحداها للاعتداء. المادة الخامسة فى الحلف تنص على أن أى اعتداء على إحدى الدول الأعضاء فى الحلف هو اعتداء على كل الدول الأعضاء فيه، وأن تلك الدول ستهب لمساعدة الطرف الذى تعرض للهجوم، باللجوء إلى استخدام القوة النووية لو لزم الأمر. إن «الناتو» لا يملك أسلحة نووية خاصة به، لكن الولايات المتحدة تحتفظ بمائة قنبلة نووية موزعة على قواعد حلف «الناتو» عبر أوروبا. هذه القنابل المائة هى جزء مما يسمى ببرنامج المشاركة النووية بين الولايات المتحدة و«الناتو». هذا الأمر يعنى أن المعدات النووية الأمريكية قد تم توزيعها على أسطول طائرات فى ست قواعد عسكرية موزعة فى خمس دول من أعضاء حلف «الناتو»، وتتولى القوات الجوية التابعة لكل دولة مهمة شن هجمات الحلف باستخدام القنابل النووية الأمريكية الموجودة فى قواعدها، لكنها لا تتحرك إلا بأوامر من الرئيس الأمريكى، وبعد أن يؤكد رئيس الوزراء البريطانى هذا القرار».
وتواصل: «فى هذا السيناريو، فإن القادة الموجودين فى مقر قيادة مركز الدفاع الوطنى الروسى يراقبون تحركات الطيارين الذين يستعدون للانطلاق من قواعد الحلف بطائراتهم التى تحمل قنابل نووية أمريكية. قاعدة «أفيانو» الجوية فى إيطاليا و«كلاين بروخيل» فى بلجيكا على وجه التحديد تقع على مسافة قريبة من «موسكو». وهنا يصبح مستقبل أوروبا كله على المحك. إن نتائج الصراع النووى بين روسيا ودول «الناتو» هى نتائج كارثية. وعام ٢٠٢٠، كانت نتائج برنامج محاكاة على الكمبيوتر وقام بتصميمه بعض خبراء الأسلحة النووية بالتعاون مع برنامج جامعة «برينستون» الأمريكية للعلوم والأمن الدولى تؤكد أن أى تبادل لإطلاق النيران النووية ما بين روسيا ودول حلف الناتو سيتم التصعيد فيه بشكل سريع حتماً، مما سيؤدى إلى مصرع ما يقرب من مائة مليون إنسان فى الساعات الأولى منه».
الآن، فى الدقيقة ٥١ من سيناريو «جاكوبسون»، صارت تلك القواعد العسكرية فى حلف «الناتو» تدرك أن صواريخ «أولاد إبليس» الروسية فى طريقها إليها، وبالتالى يصعد الطيارون فيها على متن طائراتهم التى تحمل القنابل النووية الأمريكية استعداداً لتوجيه ضرباتهم المضادة على أهدافهم المحددة فى روسيا.
فى عالم الواقع، تمتلك دول حلف الناتو فى أوروبا خطة واضحة للتعامل فى حالات المواجهة النووية مع روسيا، يروى تفاصيلها «دافيد تشنشيوتى»، القائد السابق فى القوات الجوية الإيطالية (إيطاليا تضم قاعدتين من قواعد الناتو) لـ«جاكوبسون» قائلاً: «إن الطيارين الذين يتولون مهمة قيادة الطائرات التى تحمل قنابل نووية ضد الأهداف الروسية يدركون أن مهمتهم هى مهمة انتحارية. كل طيار من هؤلاء لديه هدف واحد محدد سيوجه ضربته إليه، وربما هدف ثانوى إضافى معه». أما الكولونيل جوليان شيسنات، الذى كان طياراً متمركزاً فى قاعدة «أفيانو» الإيطالية، فيقول: إن كل طيار يعرف كل شىء ويحفظ ويتدرب أكثر من مرة على المسار الذى سوف يتخذه نحو هدفه المحدد، ويتدرب على التعامل فى كل الحالات، حتى فى حالات تعطل أجهزة تحديد المواقع واضطراره للاعتماد على الذاكرة. طائرات «الناتو» لا يمكنها الطيران فى وضعية التخفى مثل طائرة «بى-٢» الأمريكية، وبالتالى فإن احتمالات رصدها عند اقترابها من موسكو بواسطة أجهزة الرادار مرتفعة للغاية، لذلك لا بد لهم من الطيران على ارتفاع منخفض للغاية لتفادى أجهزة الرادار الروسية حتى يمكن الاقتراب إلى أقصى حد من أهدافهم. إن طيارى «الناتو» مدربون على التعامل فى حالات الحرب النووية. لكن لو حدثت تلك الحرب بالفعل، وحتى لو نجحوا فى إلقاء قنابلهم على أهدافها المحددة فى روسيا، فإن الأرجح أنهم بعد اندلاع الحرب النووية لن يجدوا شيئاً كى يعودوا إليه».
سبب ذلك، أنه فى سيناريو «جاكوبسون»، ما بين الدقيقة ٥١ والدقيقة ٥٨، سوف يتم تدمير أوروبا تماماً بواسطة الصواريخ النووية الروسية العابرة للقارات، والتى سينطلق معظمها من الغواصات النووية الروسية القابعة فى أعماق المحيط الأطلنطى.
«أولاد إبليس» سيكتبون نهاية أوروبا، ولن يرحموا فيها أحداً ولا أثراً.
ترسم «جاكوبسون» هذه الصورة الرهيبة القاتمة قائلة: «انطلقت الصواريخ النووية الروسية لتضرب كل قواعد حلف «الناتو» عبر أوروبا، لتغرقها فى سلسلة متواصلة من الانفجارات النووية المتلاحقة. كل القواعد الجوية العسكرية فى بلجيكا وألمانيا وهولندا وإيطاليا وتركيا، كلها تذوب وتفنى فى موجات اللهيب النووى. ثم يتواصل انطلاق الصواريخ الروسية العابرة للقارات لتضرب باقى العواصم الأوروبية، فى لندن وباريس وبرلين وبروكسل وروما وأمستردام وأنقرة وأثينا وزغرب وأوسلو وكييف واستوكهولم. وفى تلك الفوضى، ليس البشر وحدهم هم من يلقون مصرعهم بالملايين، وإنما تتهاوى معهم تحت وطأة التفجيرات النووية، معالم الحضارة البشرية التى كانت قائمة منذ آلاف ومئات السنين: آثار مثل «الكولوسيوم» فى روما، وكاتدرائية «نوتردام» فى باريس و«آيا صوفيا» فى تركيا. الآن يتم تدمير كل من كان يتم تصنيفهم كأعداء من وجهة النظر الروسية». تماماً مثلما حدث فى واشنطن منذ دقائق مضت فى هذا السيناريو عندما ضرب صاروخ نووى كورى شمالى مبنى وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» فانصهرت «واشنطن» كلها بشوارعها ومبانيها وسياراتها ومعادنها والبشر العالقين فيها فى كتلة من النيران النووية والإشعاع الذى لا ينجو منه أحد.
وفى الوقت الذى تتلقى فيها القواعد العسكرية والعواصم الأوروبية الضربات الروسية، تطلق أمريكا بدورها ترسانتها النووية ضد «موسكو» رداً على إطلاق الصواريخ الروسية على أراضيها، قبل حتى أن تبلغ هذه الصواريخ أهدافها.

الآن فى سيناريو «جاكوبسون»، ومنذ الدقيقة ٥٠، يتلقى الضباط المسئولون عن الصواريخ النووية الأمريكية عشرات التعليمات لإطلاق ٣٥٠ صاروخاً نووياً ضد أهدافها المحددة فى روسيا. ومن قاعدة «مينوت» الجوية فى ولاية «داكوتا الشمالية» وقاعدة «باركسديل» فى «لويزيانا» الأمريكية، تتأهب طائرات «بى-٥٢» التى تحمل قنابل نووية للانطلاق لضرب أهدافها فى روسيا. ومعها تنطلق طائرات «بى-٢» للانطلاق من قاعدة «وايتمان» الجوية فى ولاية «ميسورى» (وهى الطائرات التى حلقت فوق الرئيس الروسى «فلاديمير بوتين» فى استعراض عسكرى خلال زيارته الأخيرة لولاية ألاسكا الأمريكية لعقد قمة مع الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب»)، كى تحمل قنابلها النووية إلى أهدافها الروسية دون أن يرصدها أحد. كل هذا يحدث بينما توجه الغواصات النووية الأمريكية، التى يصل عددها إلى ١٤ غواصة نووية فى الأسطول الأمريكى، صواريخها بدورها نحو موسكو، دون أن يقدر أحد على تحديد موقعها فى أعماق المحيط، بالتالى لا يملك أحد وسيلة لتدميرها.
كل من سيقومون بتنفيذ تلك الضربات فى الولايات المتحدة، كما تقول «جاكوبسون»: «لا يستعدون لشن حرب، لكنهم يستعدون لإبادة الطرف الآخر تماماً، ويستعدون فى الوقت نفسه، لنهايتهم وموتهم هم أنفسهم. الآن يجلس أكثر من ٣٣٢ مليون مواطن أمريكى فى انتظار النهاية».
تلك النهاية التى ستنزل على رأس الجميع، وليس على من فى أوروبا وأمريكا وروسيا فقط.
لكن هذه قصة أخرى.