نقاد: كتابات نجيب محفوظ نقلة نوعية في الرواية العربية وإبداع عابر للزمان والمكان
نقاد: كتابات نجيب محفوظ نقلة نوعية في الرواية العربية وإبداع عابر للزمان والمكان
يرى نقاد وأكاديميون أن أعمال نجيب محفوظ عابرة للزمان والمكان، إذ استطاع إحداث نقلة نوعية فى الرواية العربية التى حجزت بفضله مكانها ضمن التصنيفات العالمية، مؤكدين أن الأديب الراحل أفرد مساحات واسعة لهموم مجتمعه وحكايات الحارة الشعبية فى أعماله.
«النورج»: كتب بـ«بٌعد فلسفى» ونقل فن السرد من الزخرفة اللفظية إلى التعبير عن هموم الناس
وقال الدكتور حمدى النورج، رئيس قسم النقد بمعهد النقد الفنى فى أكاديمية الفنون، إن نجيب محفوظ خطا هذه الخطوات، نتيجة تربية راسخة على التراث العربى، والقيم التراثية، موضحاً: «فقد قرأ الشعر والأغانى، وألف ليلة، فهو معجون بالثقافة العربية قبل أن ينطلق إلى الثقافة الأجنبية، بالإضافة إلى البُعد الفلسفى الذى اكتسبه من دراسته للفلسفة فى كلية الآداب، فضلاً عن الترجمة والشعر الإنجليزى والفرنسى، وغير ذلك من التيارات والنظريات الأدبية التى كانت سائدة فى ذلك العصر».
وأكمل «النورج» لـ«الوطن»: «إذا أردنا أن نُؤطر لوجوده كمؤسس لانطلاق الرواية العربية، نستطيع أن نقول إنه تمكّن من نقل الرواية العربية من حالة البيان والزركشة اللفظية غير المهتمة بفكرة الحدث إلى محاولة جعل الفن الروائى ينطلق من أرواح الناس، ومن مشكلات المجتمع وحركة الثقافات والفلسفة فى عقول الناس».
وأشار إلى أن الإبداع عند نجيب محفوظ ليس فى كتابة الحدث، ولكن القصة فى القدرة على هضم الفكرة، ثم جعل الفكرة تتحدّث على ألسنة الشخصيات، لافتاً إلى أنه بعيداً عن أهمية الرواية كفن قصصى، ولافت وجذاب، لكى تظهر فى النهاية قدرة الأديب على صياغة الفلسفات والأفكار على ألسنة شخصيات لها التجلى الأهم.
ونوه بأن نجيب محفوظ عندما نتحدث عنه كتكوين اجتماعى، لا بد أن نقول إنه ابن الثقافة العربية والمصرية تحديداً والحارة المصرية بامتياز، مضيفاً أن معنى قولنا الحارة المصرية ليس انحيازاً للقاهرة بشمولها وعمومها، من دون بقية المدن والضواحى والنجوع المصرية. متابعاً: «عندما نقول إن نجيب محفوظ ابن الحارة القاهرية التى تشعّبت بمشارب مختلفة من أخلاقيات الريف من الوجهين القبلى والبحرى، فأحياء القاهرة تستقبل كل يوم أناساً من القرى المصرية، فهو اختار بؤرة مستجدّة هى الحارة، لتُعبّر فى مجملها عن الثقافة العربية والمصرية تحديداً».
وأكمل: «نجيب محفوظ عندما عبّر عن الإنسان المصرى بالضرورة عبّر عن الإنسان العربى»، مشيراً إلى أن انطلاقه فى البدء بالتعبير عن الرواية التاريخية استلهم الحضارة الفرعونية، ثم استلهم من الحضارة العربية وألف ليلة وليلة ومن فترة المماليك، والمرحلة الاجتماعية التى اهتمّت برصد حركة الإنسان المصرى داخل المجتمع، وشخصيات متنوعة، منها اللص والفتوة والموظف وغيرها.
وأبدى «النورج» اعتراضه على حصر نجيب محفوظ وإبداعه فى الرواية، موضحاً أن نجيب محفوظ كتب 35 رواية، و19 مجموعة قصصية تحتوى على 500 قصة قصيرة، بالإضافة إلى عدد هائل من السيناريوهات، بالإضافة إلى كتاباته فى الفلسفة والنقد، مؤكداً أن مشاريعه متجدّدة، ولو نظرنا مثلاً إلى مجموعة «الشيطان يعظ» نجد أن بعض القصص كانت نواة لروايات اجتماعية، أى أنه كان يبحث أولاً عن الفكرة، ويجرّب التكثيف فى القصة القصيرة، أو ينطلق إلى الرواية، ليُعبّر عن الناس وعن ذواتهم.
وقال «النورج» إن نجيب محفوظ انتقل بالرواية العربية إلى مصاف مختلفة، فقد اعتمد الكثير من التقنيات فى الكتابة، فهو لم يُكرر تقنية واحدة فى كل رواياته، وكل رواية لها تيمة خاصة، منها الراوى العليم، وقال الراوى، ورواية الحرافيش، وروايات تعدّد الأصوات، والرواية المبنية على الاستلهام التراثى، والرواية المأخوذة من الخطاب الصوفى، والرواية المتأثرة بتقنية المسرح، والرواية النفسية مثل «السراب»، والتى استلهمها من «عوليس» لجيمس جويس، واستطاع أن يضيف إليها، مع ملاحظة أن الرواية النفسية من أصعب الروايات، كما كتب «محفوظ» فى الجريمة، ولديه مجموعة كاملة بعنوان «الجريمة»، جميع قصصها تتحدّث عن فكرة الجريمة.
ولفت إلى أن نجيب محفوظ كان يُجدّد دائماً، إذا أراد أن يكتب رواية فأمامه أمران، الأول جودة الفكرة، والثانى جدة البناء، ثم ينسج عالمه الروائى، فقد جرّب الكثير من العوالم الروائية، وعالج الكثير من القضايا، وفى النهاية كانت عينه على الإنسان المصرى وكيف يكون أولاً وآخراً.
«الصغير»: أعاد للهوية المصرية وجهها الحقيقى وجعل الرواية مرآة للمجتمع
ويرى الدكتور أحمد الصغير، الناقد الأدبى والأكاديمى بجامعة عين شمس، أن نجيب محفوظ من الكتاب العابرين للزمان والمكان، فقد ترك مجموعة من البصمات الأدبية فى الرواية العربية والعالمية، فهو من الكتّاب الذين يمتلكون مجموعة من البصمات الأدبية الواضحة على مسيرة الرواية العربية.
وأشار إلى أن من هذه البصمات الرواية التاريخية التى بدأ بها نجيب محفوظ، وهى إسقاط تاريخى بدأه فى أوائل القرن العشرين حول النهوض بمصر وتطورها والحفاظ على هوية مصر ضد المحتل البريطانى فى ذلك الوقت، فكان يرسل المقالات إلى الصحف والقصص القصيرة لتُعبر عن الروح المصرية.
وتابع «الصغير»: «بدأ نجيب محفوظ الكتابة مبكراً كى يستعيد الوجه الحقيقى للمصريين، وحضارة وادى النيل، ثم استهوته فكرة الكتابة الروائية التاريخية، فأنتج لنا 3 أو 4 روايات، منها: كفاح طيبة ورادوبيس، وعبث الأقدار، وروايته عن إخناتون (العائش فى الحقيقة)».
ولفت إلى أن «محفوظ» وقتها كانت عنده رؤية تتمثل فى استعادة الهوية المصرية عند الشعب المصرى، ولذلك بدأ بالتاريخ، وكأنه أراد أن يقول إن مصر تمتلك تاريخاً عفياً مُثقلاً بالأحداث، منوهاً بأن مصر لن تقف مهزومة أمام المحتل الإنجليزى، ليُغير هويتها وثقافتها ويسلب أموالها وحضارتها.
وأكمل: «هذه الفكرة التى لا تُقال فى الرواية، ولكنها تُفهم من خلال الرواية، أى أنّه اتخذ من التاريخ وسيلة ليقوم بعملية إسقاط على المجتمع من خلال الشخصيات التاريخية».
وأشار إلى أن نجيب محفوظ عندما انتقل إلى مرحلة أخرى ترك فيها بصمة جديدة فى الرواية الواقعية، وترك بصمة كبيرة على كتاب الرواية، منوهاً بأنه فى هذه المرحلة حاول أن يُبلور قضايا الواقع المصرى من خلال الرواية الواقعية، لكى تكون الرواية مرآة لهذا الواقع، وتعرض الصراع الطبقى بين طبقة الإقطاع وطبقة الفقراء، يتعرّض لقضايا الجهل والمرض، والتفاوت بين الطبقات، وهذه المرحلة بدأت من «القاهرة الجديدة» 1945.
وأشار إلى أن هذه الرواية الواقعية ترصد حركة المجتمع المصرى وتحولاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فى تلك الفترة من خلال مجموعة شباب مصريين حاول بعضهم أن يبيع المبادئ فى سبيل الحصول على الأموال، مثل شخصية «محجوب عبدالدايم» متعدّد الوجوه، وفى الرواية الواقعية استقر نجيب محفوظ فترة كبيرة يكتب فأنتج روايتى «الكرنك»، و«زقاق المدق».
ولفت إلى أن محفوظ اتّجه إلى الواقعية فى هذه الفترة، لأنه أحس أن الرواية التاريخية أشعرته بالانفصال عن الواقع، والواقع كان مُلحاً ليشتبك مع قضاياه، وما يهم المجتمع المصرى.
ويرى «الصغير» أن نجيب محفوظ انتقل بعد ذلك إلى المرحلة الرمزية عندما نشر المجموعة القصصية «دنيا الله» فى 1962، ولجأ إلى الرمز فى هذه الفترة لعدة أسباب، الأول أن يمنح الرواية جوانب متعدّدة الدلالات يُمكن أن تُفهم الرواية بأكثر من معنى، ولأن نجيب محفوظ أيضاً كان لديه طموح فنى لأن يوظف الأفكار الفلسفية والوجودية داخل أعمال روائية، مثل «أولاد حارتنا»، التى طرح فيها الصراع بين العلم والخرافة، وأيضاً روايات «اللص والكلاب» و«الحرافيش»، التى تضم رموزاً شعبية.
وأوضح أن محفوظ لجأ إلى الرمز أيضاً للتعبير عن الحقائق والإيمان واليأس، ولأن الرمز يكون أكثر صدقاً عندما يُعبّر عن قضية واقعية، فالرمزية مذهب فى النقد الأوروبى عبارة عن وسيلة للبحث عن عُمق فلسفى فى العمل الروائى، ومن الأسباب أيضاً التى دفعته للجوء للرمز لكى يتجاوز نجيب محفوظ قضايا الواقع المباشر.
وأكمل: «سيظل نجيب محفوظ مبدعاً مصرياً كبيراً، وستظل كتاباته عبر الزمن تحمل معانى متعدّدة عبر الأجيال، لأن نصوصه من الأعمال الأدبية الروائية والقصصية التى تحمل أكثر من وجه، فكلما نقرأ نجيب محفوظ نصل إلى معنى جديد مختلف».