«الأمم المتحدة» تنهي مهمة قوات حفظ السلام في جنوب لبنان وسط مخاوف من «فراغ أمني»
«الأمم المتحدة» تنهي مهمة قوات حفظ السلام في جنوب لبنان وسط مخاوف من «فراغ أمني»
فى خطوة تحمل أبعاداً سياسية وأمنية عميقة، صوّت مجلس الأمن الدولى بالإجماع على إنهاء مهمة قوات حفظ السلام فى جنوب لبنان خلال العامين المقبلين، ليضع بذلك حداً لمسيرة استمرت ما يقرب من نصف قرن، كانت تهدف إلى تثبيت الاستقرار فى منطقة حدودية، لطالما شكلت مسرحاً للتوترات بين لبنان وجيش الاحتلال الإسرائيلى، القرار الجديد يقضى بتمديد عمل القوة الدولية المؤقتة فى لبنان «اليونيفيل» حتى نهاية عام 2026، على أن تبدأ بعدها مرحلة انسحاب تدريجى خلال عام واحد، بحيث تنتقل المسئولية الأمنية الكاملة إلى الدولة اللبنانية، ويبلغ عدد أفراد القوة حالياً نحو عشرة آلاف جندى يتمركزون فى الجنوب، فى منطقة يسيطر عليها نفوذ «حزب الله» المدعوم من إيران.
«نيويورك تايمز»: مجلس الأمن يصوت على انسحاب «يونيفيل» بالإجماع.. واتهامات متبادلة بين «حزب الله» وسلطات الاحتلال الإسرائيلى
وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن الحكومة الإسرائيلية طالبت، منذ سنوات، بحل القوة الأممية، متهمة إياها بالتغاضى عن ما وصفته بتعاظم القدرات العسكرية لحزب الله قرب الحدود، وبعد الحرب الأخيرة التى أضعفت الحزب، رأت «تل أبيب» أن مهمة «اليونيفيل» باتت بلا جدوى، واحتفت وزارة خارجيتها بقرار الانسحاب التدريجى، معتبرة أنه «يسهم فى تعزيز الاستقرار الإقليمى»، وفى المقابل، وجهت الأمم المتحدة اتهامات متكررة لإسرائيل باستهداف قواتها فى لبنان، وإصابة العشرات من أفرادها.
الجانب اللبنانى، الذى كان يخشى انسحاباً مفاجئاً، رحّب بالتمديد المحدود، حيث أعلنت الرئاسة اللبنانية أن العام الإضافى سيوفر فرصة «لتثبيت السيادة الوطنية على كامل الحدود»، غير أن مسئولين لبنانيين وأوروبيين حذروا من أن سحب القوات بشكل متسرع قد يقوض وقف إطلاق النار الهش، القائم بين إسرائيل وحزب الله منذ نوفمبر الماضى.
ورغم التفاهمات لا تزال الأوضاع على الحدود متوترة، فقد قُتل جنديان لبنانيان مؤخراً أثناء تفحصهما طائرة مسيرة إسرائيلية سقطت فى الجنوب، فى وقت تواصل فيه إسرائيل شن غارات جوية ضد ما تصفه بمواقع حزب الله، ويأتى ذلك بعد الحرب التى اندلعت إثر هجوم شنته فصائل من غزة فى أكتوبر 2023، تبعه إطلاق حزب الله صواريخ دعماً للفلسطينيين، قبل أن تتحول المواجهة إلى اجتياح إسرائيلى للجنوب اللبنانى، أسفر عن تدمير واسع، ومقتل معظم قيادات الحزب البارزين.
وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار، تعهد الطرفان بانسحاب قواتهما من الجنوب، على أن يحل الجيش اللبنانى محلها بالتعاون مع قوات «اليونيفيل». لكن إسرائيل تتهم بيروت بعدم تنفيذ هذا الالتزام، وتؤكد أن الحزب يسعى لإعادة تنظيم صفوفه، فى حين تُبقى تل أبيب على بعض مواقعها العسكرية داخل الأراضى اللبنانية، وهو ما يمثل بدوره خرقاً للاتفاق.
المواقف الدولية من القرار تباينت بين الترحيب والحذر. ففى حين دعمت الولايات المتحدة إنهاء المهمة، معتبرة أن «اليونيفيل» كانت منذ البداية قوة مؤقتة وقد حان وقت رحيلها، عبّرت بريطانيا عن استيائها من أن التصويت لم يستند إلى تقييم موضوعى لنتائج الانسحاب، محذّرة من أن أى فراغ أمنى قد تستغله الجماعات المسلحة على نحو يهدد الاستقرار على جانبى الخط الأزرق.
أما الخبراء، فيرون أن التحدى الحقيقى يكمن فى قدرة الدولة اللبنانية على فرض سيطرتها الكاملة على أراضيها، وهو أمر لم يتحقق منذ سنوات طويلة. ويحذر هؤلاء من أن غياب البدائل الجاهزة قد يفتح الباب أمام فراغ أمنى يعيد المنطقة إلى مربع الصراع.
واختتمت الصحيفة الأمريكية تقريرها بالقول إن لبنان، ومعه دول المنطقة، يقفون أمام مرحلة جديدة يتراجع فيها الدور الدولى، وتتعاظم فيها المخاوف من أن يقود الانسحاب التدريجى إلى إعادة خلط الأوراق على الحدود الجنوبية، فى وقت لا تزال فيه الملفات العالقة بين بيروت وتل أبيب بعيدة عن أى تسوية نهائية.