استراتيجية ما بعد الانهيار.. القتل والعنف ركائز في عقلية الجماعة واستهدفت 70 كنيسة ومنشأة قبطية بالمحافظات
استراتيجية ما بعد الانهيار.. القتل والعنف ركائز في عقلية الجماعة واستهدفت 70 كنيسة ومنشأة قبطية بالمحافظات
مع سقوط حكم الإخوان بعد ثورة المصريين فى 30 يونيو، اتجه التنظيم إلى اتباع أسلوب ترويع المواطنين، ولم تكتفِ الجماعة بخطاب التحريض، بل شهدت البلاد سلسلة من التفجيرات لمؤسسات حيوية والكنائس والمساجد، وكذلك أكثر من مديرية أمن وقسم شرطة، بالإضافة إلى قيامهم بالعديد من الاغتيالات، أبرزها اغتيال النائب العام الشهيد هشام بركات، والمقدم محمد مبروك، الضابط فى جهاز الأمن الوطنى، وكذلك محاولة اغتيال الدكتور على جمعة، بعدما فتح مسلحون النار على مفتى مصر السابق فى أثناء توجُّهه لصلاة الجمعة بالقاهرة، إلا أنه نجا.
وبدأ التنظيم يتجه إلى سياسة جديدة يتفرع من خلالها إلى عدد من التنظيمات والحركات المسلحة التى نفَّذ أفرادها عمليات استهدفت الدولة ومؤسساتها، ومن أبرز هذه التنظيمات «لواء الثورة» الذى اعتمد على ما يُعرف باستراتيجية «الذئاب المنفردة»، تتشكل مجموعات صغيرة من نحو خمسة أفراد، تنفذ عمليات إرهابية بشكل مستقل، دون الرجوع إلى القيادة الأم أو تلقى أوامر مباشرة.
كما برز تنظيم «حسم»، وهو جناح مسلح ركَّز هجماته على رجال الشرطة والقضاء، ورفع شعار «بسواعدنا نحمى ثورتنا»، وقدَّم نفسه كحركة ثورية شبابية تضم أطيافاً سياسية مختلفة، بزعم استعادة روح ثورة يناير وكسر 30 يونيو، إلى جانب ذلك أسست عناصر الجماعة حركات أخرى مثل «مولوتوف»، التى خصصت جناحاً عسكرياً لاستهداف الإعلاميين والقضاة وقيادات الجيش والشرطة، وحركة «إعدام» التى استهدفت ضباط الشرطة وحرق سياراتهم، وحركة «العقاب الثورى» التى نفذت تفجيرات قرب مديرية أمن الفيوم وأبراج الكهرباء بمدينة الإنتاج الإعلامى.
كما ظهرت كتائب «أنصار الشريعة بأرض الكنانة»، التى ضمَّت هاربين من سجن وادى النطرون عام 2011، وجنَّدت شباباً لإرسالهم إلى سوريا، وشاركت فى عمليات أسفرت عن استشهاد عدد من رجال الشرطة، ومن بين هذه الكيانات أيضاً حركة «يولو بلوك ربعاوى»، التى أشعلت النار فى منشآت عسكرية، ونفذت تفجيرات فى القاهرة والجيزة، إضافة إلى مجموعة «ألتراس بنات ثورية» التى مارست أعمال تخريب داخل جامعة الأزهر.
وجاءت كلمات محمد البلتاجى، القيادى الإخوانى، صريحة وكاشفة عن إرهاب الإخوان، عندما قال نصاً أمام الكاميرات ووسط إخوانه إن ما يحدث فى سيناء هو رد فعل على عزل محمد مرسى، ويتوقف فى اللحظة التى يعلن فيها عودة مرسى، ليكون هذا التصريح بمثابة إعلان رسمى بأن الدولة ستخوض معركة شرسة ضد الإرهاب فى كل ربوع الجمهورية.
وأصدر التنظيم الإرهابى أوامره لعناصره وأذرعه العسكرية بتنفيذ سلسلة من التفجيرات لمعاقبة المصريين على ثورتهم التى أطاحت بحكم الإخوان، ففى 24 ديسمبر 2013، استيقظ أهالى محافظة الدقهلية على انفجار هائل هز أرجاء المحافظة، وأسفر عن سقوط 16 شهيداً، و150 مصاباً، وأعلنت جماعة أنصار بيت المقدس (إحدى الأذرع الجهادية لتنظيم الإخوان)، تبنيها للحادث الإرهابى، الذى استهدف مقر مديرية الأمن بمدينة المنصورة، وبعدها بشهر واحد فقط، وتحديداً قبل يوم واحد من إحياء ذكرى 25 يناير فى 2014، تعرَّض مبنى مديرية أمن القاهرة لانفجار أسفر عن مقتل 4 أشخاص وإصابة ما يقرب من 100 شخص.
كما تم الاعتداء على نحو 70 كنيسة ومنشأة قبطية فى محافظات «القاهرة، والجيزة، والفيوم، والمنيا، وسوهاج، والسويس، وأسيوط، وبنى سويف، والعريش»، فى مقدمتها الحادث الإرهابى الذى طال الكنيسة البطرسية فى ديسمبر 2016، عندما فجَّر انتحارى نفسه فى قاعة للصلاة بالكنيسة الملحقة بكاتدرائية الأقباط الأرثوذكس بالقاهرة، ما أسفر عن استشهاد 29 شخصاً، وأصيب 31 آخرون، بسبب عبوة ناسفة تزن 12 كيلوجراماً.
وفى 29 ديسمبر 2017، استهدف هجوم إرهابى كنيسة مارمينا بمنطقة حلوان، أسفر عن استشهاد 10 أشخاص وإصابة 5 آخرين، وتمت العملية الإرهابية بواسطة أحد العناصر المرتبطة بتنظيم داعش الإرهابى، الذى استقل دراجة نارية وبحوزته سلاح آلى وأطلق النيران على قوة تأمين الكنيسة وعدد من المواطنين، لكن تمكَّن مأمور قسم شرطة حلوان من إصابة المتهم والقبض عليه.
كما سطَّر التاريخ الدموى لتنظيم الإخوان الإرهابى واحدة من أبشع العمليات الإرهابية، وهو هجوم مسجد الروضة الذى وقع فى 24 نوفمبر 2017، إذ استهدفت مجموعة إرهابية المصلين داخل المسجد وقت صلاة الجمعة، ما أسفر عن استشهاد 305 أشخاص وإصابة 128 آخرين.
ومع نجاح الضربات الأمنية فى القضاء على النشاط المسلح داخل المحافظات، وتمكن القوات المسلحة من القضاء على الإرهاب الأسود فى سيناء، انتقل تنظيم الإخوان الإرهابى إلى معركة من نوع جديد، وهى «المعركة الناعمة»، عبر الإعلام والفضاء الإلكترونى، واستخدام الإنترنت والأبواق الإعلامية المختلفة التى تُبث من الخارج للترويج إلى أكاذيب وافتراءات هدفها زعزعة الاستقرار لبث الفوضى داخل المجتمع، فأنشأ التنظيم مئات الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعى، وفتح قنوات فضائية تبث من الخارج، تعتمد على التضليل وتزييف الأخبار، فلم تعد الشائعة حدثاً عارضاً، بل جزءاً من خطة إخوانية ممنهجة، تبدأ من غرف عمليات إلكترونية تتولى صياغة الأخبار الكاذبة وتوزيعها على أوسع نطاق عبر جروبات مغلقة وصفحات عامة، ثم تُلتقط هذه المواد من قنوات ومنصات تابعة للتنظيم فى الخارج لتعيد تدويرها كمحتوى إخبارى بدعم أطراف دولية ومنصات إعلامية خارجية للاستفادة من الدعم اللوجيستى والتقنى، وإدارة الحملات الرقمية وتوفير تقنيات إخفاء الهوية الإلكترونية.
هذا التعاون ليس جديداً، فقد وثَّقت السنوات التى تلت 2011 وجود دعم سياسى وإعلامى من دول خارجية بارزة للتنظيم، وهو ما أكدته قيادات منشقة عن تنظيم الإخوان الإرهابى، فى أحاديثها لوسائل إعلامية مصرية عن تدريبات تلقاها أعضاء التنظيم على يد خبراء إعلام دوليين، تشمل صياغة الرسائل الدعائية، واستخدام المؤثرين لخدمة الأجندة، والتلاعب بخوارزميات المنصات الاجتماعية، وهو ما انعكس بشكل واضح فى الخطاب الإخوانى الحالى، الذى يمزج بين لغة حقوق الإنسان والتحريض السياسى لإضفاء شرعية على حملاته.
الحرب التى تخوضها مصر مع الإخوان لم تعد تُقاس بعدد المواجهات الأمنية رغم النجاح الكبير الذى تحقق فى هذا الملف، بل بقدرة الدولة على إدارة معركة الوعى، وإذا كان التنظيم الإخوانى فشل فى مخططاته لمعاقبة المصريين على ثورتهم المجيدة فى 30 يونيو 2013، فإنه اليوم يحاول اختراق المجتمع بالعقل والوجدان، مستخدماً أسلحة أكثر نعومة لكن أكثر إصراراً.
ولم يكترث تنظيم الإخوان لأسلوب الهجوم الذى ينتهجه، فكل ما يشغله هو تحقيق هدفه فى النيل من الدولة المصرية ومؤسساتها، ولعل المشهد الصادم الذى جسَّد ذلك بوضوح، كان تنظيمهم وقفة احتجاجية أمام السفارة المصرية فى تل أبيب، ففى الظاهر حاولوا تسويقها على أنها دعم لغزة، لكن الحقيقة التى فضحتها الصور والهتافات كانت مختلفة تماماً، وانصبَّت شعاراتهم على مهاجمة مصر وتشويه دورها التاريخى والراسخ فى دعم القضية الفلسطينية، بما يصب فى خدمة الرواية الإسرائيلية الساعية لإضعاف الموقف المصرى.
وفى تصريحات لـ«الوطن»، قال المفكر ثروت الخرباوى، القيادى الإخوانى المنشق، إن جماعة الإخوان تتاجر بالدين لخدمة مصالحها الضيقة، وليس لمصلحة الإسلام أو الدعوة إلى الله كما تدَّعى، موضحاً أن هدفها الأساسى هو تحقيق مكاسب سياسية حتى لو كان الثمن دماء الأبرياء، وأضاف «الخرباوى»: «القتل والصدام مع المجتمع يمثلان ركائز أساسية فى عقلية الجماعة»، لافتاً إلى أنها تعمل وفق مبدأ «إما أن نقتلكم أو نصل لما نريد».
وتابع: «يبدأون بالعمل السياسى، فإذا فشلوا لجأوا مباشرة إلى العنف المسلح»، مشيراً إلى أن جماعة الإخوان الإرهابية طوَّرت من أدواتها فى الحرب على الدولة المصرية، حيث انتقلت من المواجهة المباشرة إلى ما وصفه بالحرب الناعمة عبر الشائعات والحرب النفسية.
وأوضح أن التنظيم يعتمد على ما يُعرف بـ«الخلايا الكامنة» داخل القرى والمجتمعات الصغيرة لنشر الشائعات بشكل ممنهج، تبدأ من مزج «حقائق صغيرة» بكمّ هائل من التضليل والخبث، قبل تصديرها للمجتمع عبر الكتائب الإلكترونية والخلايا التنظيمية.
وقال «الخرباوى» إن هذه الكتائب تخضع لإشراف قسم خاص داخل التنظيم الدولى يسمى قسم الحرب النفسية، وهو من الأقسام المستحدثة خلال السنوات العشر الأخيرة، وله إدارتان رئيسيتان «الأولى فى تركيا والثانية فى لندن»، وأشار إلى أن إدارة تركيا تتلقى تمويلات مباشرة من التنظيم الدولى، بجانب تمويل القنوات الفضائية، فيما تحصل إدارة لندن على دعم خاص لتدشين قنوات ومنصات إلكترونية تبث الفوضى وتستهدف الدولة المصرية، مؤكداً أنّ شخصيات مثل محمد ناصر ومعتز مطر وغيرهما تُعد أدوات فى هذه الحرب، حيث يتلقون تمويلات ضخمة لتنفيذ هذه الأجندة، لافتاً إلى أن فرعَى تركيا ولندن يتسابقان فيما بينهما لإثبات أنهما الأكثر تأثيراً أمام مكتب الإرشاد، من خلال إنتاج الشائعات، وترويج الفيديوهات المفبركة، وبث الروح السلبية فى المجتمع المصرى، بما يضمن لهما الحصول على النصيب الأكبر من التمويل.