باحث في الأمن الإقليمي والإرهاب: «الإخوان» تعيش مأزقا وجوديا
باحث في الأمن الإقليمي والإرهاب: «الإخوان» تعيش مأزقا وجوديا
الدول العربية تنظر إلى الجماعة باعتبارها تهديداً استراتيجياً
■ ما الذى تغير فى خطاب «الإخوان» بعد عام 2013؟
- منذ أحداث 2013 يمكن القول إن خطاب جماعة الإخوان شهد تحولاً جذرياً جعله أكثر راديكالية من أى وقت مضى، هذا التحول لم يأت من فراغ، بل جاء نتيجة تفاعلات معقدة ارتبطت بالعوامل الداخلية فى بنية التنظيم، بالإضافة إلى السياق السياسى والاجتماعى الذى وجد نفسه فيه، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الإخوان ليست كياناً واحداً متجانساً، بل تيار واسع يضم أجنحة مختلفة، وبعضها له رؤى متناقضة تجاه قضايا العمل السياسى أو استخدام العنف، فخلال فترة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر مثلاً وبعد موجة الاعتقالات الواسعة التى تعرضت لها الجماعة، ظهر جيل جديد أكثر حماسة، ركز على العمل السياسى باعتباره وسيلة لتجنب السجون مجدداً، بينما ظل داخل التنظيم تيار آخر يبرر العنف باعتباره وسيلة دفاعية.
لكن بعد 2013، ومع سقوط مشروع الإخوان السياسى، وتصاعد الملاحقات الأمنية، عاشت الجماعة حالة صراع وجودى انعكس على خطابها، وبدأنا نلاحظ استدعاء مفاهيم جديدة بعيدة عن تفكيرها التقليدى، مثل «التمكين بالعنف» و«المظلومية المطلقة»، كما ارتفع منسوب الخطاب التحريضى الموجه ضد الدولة، وهو ما جعلها أكثر ميلاً إلى خطاب انتقامى بدلاً من خطابها الإصلاحى السابق.
■ هل يمكن اعتبار وجود «الإخوان» على وسائل التواصل الاجتماعى بديلاً عن حضورهم على الأرض؟
- بالتأكيد، فحضور الإخوان على شبكات التواصل الاجتماعى لم يكن خياراً رفاهياً، بل كان حتمية فرضها الواقع، فمنذ عام 2015 ومع تفكيك البنية التنظيمية للجماعة واعتقال عدد كبير من قياداتها، إضافة إلى الملاحقات الأمنية لجأت الجماعة إلى بناء ما يشبه التنظيم الافتراضى على الإنترنت، وأنشأت ما يُعرف بـ«اللجان الإلكترونية»، وهى شبكات منظمة تعمل على إدارة صفحات ومجموعات وحسابات تستهدف بالأساس فئتين، أولاهما الرأى العام المحلى، وثانيتهما الجيل الجديد الذى يعيش فى عالم رقمى، هذه الاستراتيجية سمحت لهم بتعويض غيابهم عن المشهد الواقعى ووفرت لهم مساحة للتأثير وصناعة السرديات المضادة، لكن من المهم أن نلاحظ أن هذا الحضور الرقمى لا يعوض تماماً غياب التنظيم على الأرض، فالعمل الميدانى للإخوان تاريخياً ارتبط بالخدمات المجتمعية، مثل العيادات والمدارس والمساعدات الخيرية، وهى أدوات كانت تمنحهم شرعية ووجوداً فى الشارع، أما اليوم ومع غياب هذا البعد يظل الحضور الإلكترونى محدود التأثير، خاصة مع تراجع مصداقية خطابهم وتكراره.
■ كيف ترى مستقبل الجماعة فى مصر خلال الفترة المقبلة؟
- الواقع أن جماعة الإخوان لم تنشأ من فراغ، بل ظهرت لوجود ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية جعلتها قادرة على التجذر فى المجتمع المصرى، ومن ثم يصعب القول إن الجماعة ستنتهى تماماً، فهى قادرة على التكيف وإعادة تشكيل خطابها كلما تغيرت البيئة السياسية. لكن على مستوى التنظيم يمكن القول إنها تعرضت لأكبر ضربة بنيوية منذ تأسيسها، فمؤسساتها التقليدية تم تقويضها، وأغلب قياداتها إما فى السجون أو خارج البلاد، وحتى إن عادت مرة أخرى فإن حضورها سيكون فى البداية من خلال أنشطة اجتماعية أو إعلامية قبل التفكير فى العودة السياسية، أما فى المدى القريب فلا أفق لها فى مصر، فالدولة لا تقبل بأى مصالحة أو تهدئة مع الجماعة، والشارع نفسه فقد الثقة فى قدرتها على تقديم بديل حقيقى، لذلك يمكن القول إن مستقبل الإخوان فى الداخل المصرى يبدو مغلقاً.
■ هل ترى أن لدى «الإخوان» فرصة لإعادة الاندماج فى المشهد السياسى العربى؟
- شهدنا بالفعل عدة محاولات خلال السنوات الأخيرة، أبرزها فى عام 2022 حين حاولت إحدى الدول الإقليمية التوسط لإعادة دمج الإخوان فى العمل المجتمعى، عبر كيانات بديلة وبغطاء جديد، كما طرحت الجماعة نفسها وكأنها بصدد إجراء مراجعات فكرية وإعادة تشكيل سرديتها السياسية، لكن هذه المحاولات باءت بالفشل، والسبب يعود إلى أن الدول العربية باتت تنظر إلى الإخوان باعتبارهم تهديداً استراتيجياً أكثر من كونهم قوة سياسية طبيعية، وبالتالى يصعب السماح لهم بالعودة بشكل مباشر إلى المشهد، ومع ذلك تبقى الجماعة قادرة على استغلال أى نافذة أو فرصة تتاح لها، فإذا فتحت لها مساحة ستنشط مجدداً سواء عبر الخدمات الاجتماعية أو النشاط الإعلامى والسياسى.
■ فى ضوء هذه المعطيات كيف يمكن تلخيص وضع التنظيم حالياً؟
- يمكن القول إن الإخوان يعيشون مأزقاً وجودياً حقيقياً، فعلى المستوى التنظيمى هم أضعف ما يكونون منذ عقود، لكن على المستوى الفكرى والخطابى لا يزالون قادرين على التأثير فى بعض الدوائر، خصوصاً بين الأجيال الأصغر سناً، ويبدو أن جماعة الإخوان رغم كل الضربات التى تعرضت لها، لا تزال قادرة على التكيف والظهور بصيغ مختلفة، لكنها لم تعد تمثل مشروعاً سياسياً قابلاً للحياة فى المدى المنظور، وحضورها اليوم أشبه بظل باهت لما كانت عليه، ولا يتجاوز إدارة صراع بقاء فى مواجهة واقع يرفض عودتها.
انقسامات داخلية
الانقسامات التى ضربت الجماعة بعد عام 2013 كانت عميقة، لم تعد المشكلة فقط فى صراع جيلين، بل فى غياب مركز قيادة موحد، وهذا التفكك انعكس على شبكة التنظيمات النوعية وعلى التمويل، بالإضافة إلى آليات اتخاذ القرار، ولذلك يمكن القول إن الجماعة اليوم تعيش حالة تآكل تنظيمى يصعب معها العودة إلى شكلها المركزى القديم.