زواج النفحة يثير الجدل بين الشباب.. ودار الإفتاء توضح الحكم الشرعي

كتب: إسراء عبد العزيز

زواج النفحة يثير الجدل بين الشباب.. ودار الإفتاء توضح الحكم الشرعي

زواج النفحة يثير الجدل بين الشباب.. ودار الإفتاء توضح الحكم الشرعي

تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالًا خلال الساعات الماضية عن شكل من أشكال الزواج يسمى «زواج النفحة»، وانتشر بين رواد التواصل الاجتماعي التساؤلات عن مدى صحة هذا الزواج، إذ يروج له على أنه وسيلة سريعة ومبسطة للارتباط دون أعباء الشكل الرسمي أو التزاماته، ومؤيدينه يشرحون أنه يقوم على اتفاقات مبدئية بين الطرفين تشمل مبلغًا كمقدم مهر، وشرط بعدم التوثيق، وإمكانية الانفصال في أي وقت.

دار الإفتاء

دار الإفتاء تحرم زواج النفحة

أثار هذا النوع من العقود قلقًا واسعًا لدى الفقهاء والجهات الشرعية، فكان لدار الإفتاء رد حاسم وهو «العقد محرم ابتداءً، لما ينطوي عليه من مفاسد جوهرية تمس مقاصد الزواج الشرعية وحفظ الحقوق»، وخلال السطور التالية نستعرض ما ورد في السؤال والجواب على الموقع الرسمي لدار الإفتاء المصرية.

ما حكم زواج النفحة؟ فأنا أدرس بالجامعة وأرغب بالزواج من زميلة لي ولكن أخاف من مسؤوليات الأمر، وقد أخبرني بعض زملائي عن طريقة معينة للزواج تسمى بـ «زواج النفحة»، وقد تضمّن الاتفاق مع زميلتي أن أعطيها مبلغًا محدَّدًا من المال كمقدَّم صداقٍ في مقابل الزواج بها، مع النص في العقد على مبلغ آخر من المال كمؤخر صداقٍ لها، وإن حدث حمل وإنجاب فقد أعترف بالأبناء، وأن أطلقها في أي وقت أريد، أن نتفق على الانفصال في أي وقت نريد، وأن يكون العقد بيننا على وفق الشريعة الإسلامية بحيث لا يكون النكاح نكاح متعة أو محددًا بمدة، وعلمًا بأن هذا العقد يتم بمباشرة المرأة البالغة بنفسها دون وليها ودون الإعلان، ودون التوثيق لدى الجهات الرسمية، فما حكم الإقدام على هذا العقد شرعًا؟

الجواب من دار الإفتاء

عقد النكاح المسمى «زواج النفحة» محرم إبرامه ابتداء، ذلك لأنه يحتوي مفاسد جسيمة، أهمها غياب الولي، وعدم التوثيق الرسمي، وإخفاؤه وعدم إعلانه، وجعل نسب الأولاد إلى أبيهم مرهون بالاختيار والهوى، وكل ذلك مخالف لمقاصد الشريعة في عقد الزواج من مودة ورحمة وسكن وحفظ للحقوق ودفع للمفاسد ومنع للاحتيال ونفي للاتهامات وإزالة للشبهات، ولا يغير إطلاق الناس أسماء جديدة للعقد في حكمه الشرعي.

الإسلام لم ينه الإنسان عن أقوال الفطرة، بل شرع للغريزة تنظيمًا يحفظ كرامة الطرفين ويؤمن الحقوق، ولذلك أحاط الشارع عقد النكاح بشروط وأركان تحقق مقاصد الإعمار والاستخلاف والاستقرار الاجتماعي، فتميز بين الزواج الشرعي الصحيح وبين العلاقات التي تفضي إلى فتنة أو ظلم أو ضياع حقوق، وإن الأمر بالزواج تشجيع للانتظام وليس تشديدًا يقيد الفطرة، وإنما هو حفظ للمصالح وتفصيلاً للحقوق.

ولتحديد الحكم لا يكفي اسم العقد وحده، بل ينبغي النظر إلى مضمونه وواقعه العملي، وبذلك يقسم الكلام إلى 4 محاور أساسية كما ورد في الجواب صحة تزويج المرأة لنفسها دون ولي، صحة العقد غير الموثق رسميًا، حكم الزواج السريّ أو المكتوم، وإمكان اعتبار الأبناء وإنكار النسب عند حصول حمل.

جمهور الفقهاء الشافعية والحنابلة ويرون عدم صحة عقد تزويج المرأة لنفسها دون وليّ، سواء كانت بكراً أو ثيّبًا، الاستدلال لديهم أن شرط الولي من أركان النكاح، والمذهب الحنفي يرى أنّ نكاح الحرة البالغة برضاها ينعقد ولو بدون ولي، وإن كان من المستحب للمرأة أن تفوض وليها، ومع ذلك قيد الحنفيين هذا الانعقاد بضوابط إذ يجوز للولي الاعتراض إذا كان الزوج غير كفء أو إن كان المهر أقل من مهر المثل، فيرفع الأمر إلى القضاء للفصل.

وبناء عليه إذا كان عقد «النفحة» يقتضي تزويج المرأة نفسها دون ولي فقد يدخل في دائرة الخلاف أو الرفض بحسب المذهب، لكنه في الواقع المقصود بالمقالة يترافق مع عيوب أخرى تزيد من البطلان والحرمة، والتوثيق الرسمي لعقد الزواج أصبح من ضروريات حفظ الحقوق في عصر الدولة المدنية، امتنع الشرع عن ترك ضبط الحقوق عرضة للتحايل والإنكار، والوثائق الرسمية اليوم هي وسيلة حماية من إهدار الحقوق النفقة والإرث وإثبات النسب والخدمات الاجتماعية وغيرها ويعد التهرب من التوثيق يعد تعمدًا لإخفاء الزواج، ويؤدي إلى مفاسد عملية إنكار الزيجات، ضياع حقوق النساء والأطفال، واستحالة إثبات النسب أمام الجهات الإدارية والقضائية، لذلك التوثيق أصبح واجبًا عمليًا ودينيًا بالمآلات، وفقُا لدار الإفتاء.

حكم نكاح السر

كما الفقهاء اختلفوا في حكم نكاح السر، فذهب أغلب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن ما شهد عليه شاهدان أو أكثر لا يعد نكاحًا سريًا، وإنما الإعلان يتحقق بالحضور والشهادة، بينما يرى المالكية بطلان العقود التي توصى بكتمانها حتى لو شهد عليها كثيرون، وفي عصرنا، معنى الإشهار تغير ليتحول التوثيق الرسمي إلى جوهر الإشهار، فلا يكفي وجود شهود أمام المجتمع المحلي إن لم يكن هناك توثيق لدى السجلات الرسمية، لأن النظام القانوني الحديث هو الذي يحفظ به الحقوق عمليًا.

أن يجعل الزوج نسب الأولاد قابلًا للاختيار أو يربط الاعتراف بالأبناء بمقتضيات عارضة هو خروج صريح على مقاصد الشريعة، النسب حقٌ للمولود يكتسب بولادته، والشرع قطع بأن الولد للفراش، أي أن النسب ينعقد للزوج الذي ولدت الزوجة على فراشه، وليس للأطراف أن يجعلوا مسألة النسب موضع تفاوض أو رهبة أو اختيار.

بناء على ما سلف، فإن عقد النكاح المسمى «زواج النفحة» لا يعدّ مخرجًا شرعيًا مشروعًا للارتباط، بل هو عقد يحوي مفاسد جسيمة غياب الولي أو مخالفة قواعده، تعمد عدم التوثيق وإخفاء النكاح وجعل نسب الأولاد مرهونًا للهوى وكلها أمور تخرج بالواقعة عن مقاصد الزواج في الشريعة.


مواضيع متعلقة