هيكل الجورنالجي.. 102 عام على ميلاد «عراب الصحافة» ورجل كواليس السلطة

كتب: إلهام الكردوسي

هيكل الجورنالجي.. 102 عام على ميلاد «عراب الصحافة» ورجل كواليس السلطة

هيكل الجورنالجي.. 102 عام على ميلاد «عراب الصحافة» ورجل كواليس السلطة

فى تاريخ الصحافة العربية المعاصرة، يندر أن تجمع شخصية بين النفوذ الإعلامى والسياسى كما فعل محمد حسنين هيكل، لم يكن مجرد صحفى، بل كان صانعاً للرأى، ومُشاركاً فى صياغة الخطاب السياسى للنظام الناصرى، وشاهداً على لحظات فارقة من تاريخ مصر والمنطقة، على مدار سبعين عاماً من العمل السياسى والصحفى حرص خلالها على لقب «الجورنالجى».

«هيكل» المولود فى 23 سبتمبر 1923، يعتبر نفسه «محظوظاً» بتجربة حياته فى المجمل؛ وهى تجربة ثرية على عدة أصعدة، فقد بدأ مسيرته فى بلاط صاحبة الجلالة، فى جريدة «الإيجيبشيان جازيت» الإنجليزية منذ عام 1942، قبل أن يتدرج فى العمل الصحفى، وصولاً إلى ذروة التأثير كرئيس تحرير لجريدة الأهرام، امتدت على مدار سبعة عشر عاماً من (1957 - 1974)، لتتحوّل الأهرام فى عهده إلى واحدة من أهم الصحف فى العالم العربى، ليس فقط من حيث الانتشار، بل أيضاً من حيث العمق الفكرى والتحليل السياسى.

وهيكل عرفه القارئ العربى كواحد من أبرز المحللين السياسيين، من خلال كتبه ومقالاته الأسبوعية فى «الأهرام» التى تُنتظر بشغف كل جمعة، وتُقرأ على نطاق واسع، قدّم فى هذه المقالات تجارب تمثل شهادة حية على لحظات انتقالية حاسمة فى التاريخ العربى الحديث، وتتيح للقارئ فرصة نادرة للاقتراب من أحداثها كما جرت، بلسان أحد أبرز شهودها وصانعى خطابها الإعلامى، حيث «منح التاريخ عيوناً».

تميز هيكل باللغة الرصينة والمتدفقة، إلى جانب اعتماده على منهج التحليل العميق للأحداث والربط فيما بينها بما مكّنه من قراءة تداعيات الأحداث والتنبؤ بالنتائج، كما تميز أيضاً بالقدرة على السرد القصصى الدرامى، ما منح كتابته جاذبية وتشويقاً، إلى جانب الحيادية الظاهرية، فضلاً عن إضفاء البعد التوثيقى بامتلاكه أرشيفاً ضخماً من الوثائق الرسمية، ما مكّنه من كتابة عشرات الكتب التى توثق لفترات دقيقة من تاريخ مصر والمنطقة مثل «الطريق إلى رمضان، خريف الغضب، ملفات السويس، سنوات الغليان»، وقد اعتمد فى كتبه على أرشيف ضخم من الوثائق والمراسلات، جعل منه مرجعاً لا غنى عنه للمؤرخين والباحثين، توالت كُتبه لتربو على الأربعين كِتاباً باللغتين العربية والإنجليزية، تُرجم بعضها إلى ثلاثين لغة، تتميز هذه الكتب أنها لم تكن مجرد توثيق، بل سردية سياسية بأسلوب روائى رشيق وتحليل عميق، يقدم فيها المعلومة من قلب الحدث ويفتح نوافذ على ما جرى خلف الستار.

لكن صعود هيكل لم يكن صحفياً فقط، بل سياسياً أيضاً، فقد اقترب من الرئيس جمال عبدالناصر، واقترن اسم هيكل بعبدالناصر، حيث كان أحد أقرب مستشاريه، وكاتم أسراره الإعلامية، كما تولى وزارة الإعلام لفترة قصيرة، وكتب بيانات ثورة يوليو 1952، وصاغ الكثير من خطب عبدالناصر، فى لحظات فارقة بينها خطاب التنحى الشهير يوم 9 يونيو 1967، وأسهم هيكل فى رسم صورة الزعيم الجماهيرى فى الوعى العربى، كما كان هيكل مشاركاً فى رسم الخطاب الإعلامى للدولة، كما ساهم فى صياغة العديد من المواقف السياسية داخلياً وخارجياً.

بعد رحيل عبدالناصر، وتولى الرئيس السادات حكم البلاد، مرت علاقته بالسادات بكثير من المنحنيات، فقد اختلف الاثنان فى كثير من الأمور، انتهت باعتقال السادات لهيكل ضمن اعتقالات سبتمبر الشهيرة فى 1981.

تألق هيكل لم يكن صدفة أو ضربة حظ، ولا حتى بسبب قربه من السلطة وحسب، إنما لعدة أسباب؛ أبرزها أنه جمع العديد من الخصائص فى أسلوبه أو طريقة عمله على الحدث، بما يهدف لتعميق التجربة الإنسانية، فقد تميز هيكل بأسلوب تحليلى عميق ومبنىّ على وثائق وشهادات، وغالباً ما كان يثير الجدل بسبب مواقفه الصريحة واطلاعه على كواليس السياسة.

وفى أحاديثه فى السنوات الأخيرة من حياته لم يفقد هيكل بريقه كشخصية مؤثرة إعلامية، فيما قدمه من حلقات تليفزيونية عبر الفضائيات للحديث عما سماه «تجربة حياة» بهدف تعميق التجربة لمسيرة امتدت لأكثر من سبعة عقود من العمل الصحفى والسياسى، روى خلالها تجربته خلال سنوات حافلة شهدت أحداثاً جساماً وتطورات حاسمة فى تاريخ البشرية. وبقراءة مقالاته بعد كل هذه السنوات نجد فيها تَحقُّق الكثير من الأحداث التى تجرى حالياً بينها وضع كل أوراق اللعبة بيد أمريكا، فى مقاله الشهير «الظلال والبريق» المنشور فى 1974.

ورغم مرور 9 سنوات على رحيل هيكل سيظل «الجورنالجى» شخصية جدلية، مدافعوه يرونه صحفى الدولة الحديثة ومؤرخها الأمين، ومعارضوه يتهمونه بأنه «عرّاب السلطة» أسهم فى تبرير خياراتها، لكنه بلا شك ترك بصمة لا تُمحى فى الوعى الصحفى والسياسى العربى، وجعل من اسمه مدرسة قائمة بذاتها، وجعل منه حالة استثنائية فى الإعلام العربى، ورجلاً تجاوز حدود المهنة، ليصبح شاهداً ومؤثراً ومؤرخاً لعصر بأكمله.


مواضيع متعلقة