«يوسف» يحمل «نعش وكفن» مع أطفال غزة: كل يوم بنشوف جنازات حقيقية

كتب: رؤى ممدوح

«يوسف» يحمل «نعش وكفن» مع أطفال غزة: كل يوم بنشوف جنازات حقيقية

«يوسف» يحمل «نعش وكفن» مع أطفال غزة: كل يوم بنشوف جنازات حقيقية

فى أحد أزقة مخيم جباليا شمال قطاع غزة، يقف أربعة أطفال حفاة، يعلو أقدامهم الغبار الممزوج برائحة الدخان، يحملون قطعة خشب ملساء انتزعوها من بقايا بيت مهدّم، فوقها يتمدّد صديقهم الصغير، مغطى ببطانية شتوية قديمة ذات نقوش باهتة، أطرافها ممزقة، وألوانها فقدت بريقها.

يرتدى أحد الأطفال قميصاً أحمر باهتاً طُبع عليه شعار فريق كرة قدم لم يعد واضحاً، وآخر يرتدى سروالاً واسعاً ملفوفاً بحبل أبيض بديلاً عن الحزام، الفتاة الوحيدة بين المجموعة ترتدى فستاناً وردياً فقد نصف أزراره، فيما يرتدى «يوسف» الشهيد الصغير، بنطال جينز ممزقاً من الركبة وقميصاً أسود عليه آثار طين.

لا توجد ألعاب جاهزة ولا ملاعب آمنة فالركام يحيط بالمكان ورائحة الدخان لا تزال تملأ الأجواء

يتحرّكون ببطء فى الزقاق الضيق، الذى لم يتبقّ منه سوى جداريات تحث على الصمود، يُردّدون بصوت متقطع: «لا إله إلا الله.. الشهيد حبيب الله». ويضيف أحدهم بصوت طفولى جاد: «يا شهيد نام وارتاح، واحنا نكمل الكفاح»، خطواتهم دقيقة ومتناسقة، كأنهم يحاولون محاكاة مواكب الشهداء التى يشاهدونها يومياً.

يوسف صابر، 7 سنوات، يضحك بخجل، بينما يمثل دور الشهيد المُسجى على الخشبة، يقول وهو ينظر إلى أصدقائه: «أنا باحب ألعب الشهيد، كل يوم باشوف جنازات حقيقية، فباحس إن دى لعبتنا دلوقتى»، ففى الحى الضيق، لا توجد ألعاب جاهزة ولا ملاعب آمنة، فالركام يحيط بالمكان، ورائحة الدخان لا تزال تملأ الأجواء، فيقوم الأطفال بجمع قطع الخشب من البيوت المهدمة ليصنعوا ما يشبه نعشاً صغيراً.

يستعينون بقطع الخشب لصناعة نعش ويحاكون مواكب الشهداء اليومية

تقول «دلال»، 9 سنوات، وهى ترتب البطانية أعلى «يوسف»: «دى لعبتنا الجديدة، ماعندناش عروسة ولا سيارات، لكن كل يوم فيه جنازات، فبقينا نقلد اللى بنشوفه»، وعلى مدار اليوم لا يتوقف الأطفال عن إعادة تمثيل المشهد، فبعد أن يضعوا يوسف على الخشبة، يبدأ أربعة آخرون فى حمله والسير فى الشارع، فيما يتبعهم أطفال آخرون، بعضهم يُردّد التكبيرات، والبعض الآخر يضع يده على وجهه مثلما يفعل الكبار».

يستعينون بقطع الخشب لصناعة نعش ويحاكون مواكب الشهداء اليومية

وتقول والدة «يوسف» إن هذه اللعبة ليست مجرد تقليد برىء، بل انعكاس لحياة الأطفال اليومية، إذ إنّ معظمهم شهد جنازات شهداء من عائلاتهم أو جيرانهم، فيما تجلس الأمهات على أعتاب البيوت المدمّرة، ينظرن بصمت إلى أطفالهن وهم يحملون بعضهم شهداء. وتتابع السيدة الأربعينية: «أوقات باعيط لما أشوفهم بيلعبوا هيك بس ما بقدرش أقول لهم حاجة، ده الواقع اللى عايشينه».

ويحكى «يوسف» بصوت يخنقه البكاء: «فى مرة شُفت عمى محمول على خشبة وكنت كتير خايف، وبعدها لما بنلعب باحب أبقى مكانه علشان أحس بيه»، تفاصيل لعبة تشييع الشهيد يُتقنها الأطفال بتفاصيل دقيقة، حيث يبدأ المشهد بأن يختار أحدهم طفلاً ليُمثل الشهيد، ثم يضعون فوق رأسه وردة ذابلة التقطوها من جانب الطريق أو من بين الركام، ثم يقف الأطفال حول النعش الصغير بجدية لافتة، ويتناوب أربعة منهم على حمل «يوسف»، من أطراف اللوح، فيما يسير آخرون خلفه، وتقول «دلال»: «أنا باحب أشيله علشان باحس حالى قوية، بس لما أفكر إنه ممكن ده يحصل بجد بازعل».


مواضيع متعلقة