مسنون يستعيدون ذكرياتهم مع محو الأمية داخل مدرسة.. «درس العمر»

كتب: مصطفى عنز

مسنون يستعيدون ذكرياتهم مع محو الأمية داخل مدرسة.. «درس العمر»

مسنون يستعيدون ذكرياتهم مع محو الأمية داخل مدرسة.. «درس العمر»

داخل جدران مدرسة الحوة الابتدائية بمركز بيلا في محافظة كفر الشيخ، لم يكن المشهد اعتيادياً، فالفصول التي اعتادت على صغار السن، امتلأت هذه المرة بكبار في السن، أتوا لا يحملون حقائب مدرسية، بل يحملون سنوات من التجارب والأحلام المؤجلة.

تحت إشراف المُعلمة رقية جاد الحق، صاحبة الـ75 عاماً، تحولت أيام محو الأمية إلى ما يشبه رحلة حنين، حيث جلس رجال وسيدات مسنات، قبل أيام من بدء العام الدراسي الجديد، يستعيدون ذكرياتهم مع محو الأمية، من خلال ترديد الحروف الأبجدية بحماس الأطفال، ورغم التجاعيد التي رسمها الزمن على وجوههم فإن عيونهم لم تفقد بريق الأمل.

محو الأمية

مسنون يستعيدون ذكرياتهم مع محو الأمية

«كان نفسي أفك الخط زمان، دلوقتي بقيت أعرف أكتب اسمي من غير ما أطلب من حد يساعدني»، كلمات قالها جمعة شعبان الشافعي، صاحب الـ76 عاماً، الذي بدأت رحلته مع محو الأمية في ستينات القرن الماضي، حتى حصل على شهادتها، وعُين في منطقة آثار كفر الشيخ: «متعلمتش وأنا صغير، لأني ماكنش عندنا في الوقت ده مدرسة في القرية، لكن لما فتحت فصول لمحو الأمية في أواخر الستينات، رُحت لها عشان أتعلم، وكنت بروح الغيط الصبح وبالليل أروح أدرس في محو الأمية، لحد ما عرفت أقرأ وأكتب، وبعد كده اتجوزت، وخلفت 4 بنات وولد، وعلمتهم كلهم، عشان مفيش حد فيهم يعاني المعاناة اللي كنت بعانيها وأنا صغير».

في إحدى زوايا الفصل، جلس عبدالحميد صالح، صاحب الـ70 عاماً، يقلب صفحات كتاب بيدين مرتعشتين، لكن ثابتتين في عزيمتهما: «طول عمري كنت بشتغل في الأرض، واليومية كانت بتكفيني، لكن كل ما كنت أروح مصلحة حكومية، وأمد إيدي لحد يكتب لي، كنت بحس إن فيه حاجة ناقصاني، لما سمعت عن فصول محو الأمية بقرية الحوة في الثمانينات، قلت لنفسي: ليه لأ؟ ورُحت فعلاً، أول مرة كتبت فيها اسمي، حسّيت إني اتولدت من جديد، وبقيت بكتب دلوقتى وبقرأ، أنا ماكنتش كبير على العلم أنا كنت متأخر بس، والحمد لله وصلت».

محو الأمية

حنان تلتحق بفصول محو الأمية: كان نفسي أقرأ القرآن من غير مساعدة

بعينين دامعتين، عادت حنان عبدالله، صاحبة الـ60 عاماً، بالذاكرة إلى الوراء 17 عاماً، حينما التحقت بفصول محو الأمية لأول مرة عام 2008: «كان نفسي أقرأ القرآن من غير مساعدة، لما عرفت إن فيه فصول لمحو الأمية في مدرسة الحوة، قلت أجرب، لما دخلت الفصل كنت مكسوفة، وكنت فاكرة إني مش هعرف أتعلم، لكن المُدرسة قالت لي: إحنا هنا نبتدي من أول السطر، مفيش حد بيتأخر، والحمد لله دلوقتي بقيت أقرأ في المصحف».

بفرحة ورضا، تروي المُعلمة رقية جاد الحق، صاحبة الـ75 عاماً، التي كانت سبباً في رفع ظلام الجهل عن عديد من الأميين في قرية الحوة: «أنا عمري ما اعتبرتهم طلاب، دول أهلي، وحققوا حلم اتأجل سنين، حقيقي فرحتهم وهما كانوا بيكتبوا أول جملة في حياتهم ده كان أكبر إنجاز ليّا كمُعلمة، وطول ما فيّا نفس هفضل أعلم كبار السن».

محو الأمية