«الملاك» خدعهم.. كيف ضلل أشرف مروان جهاز الموساد الإسرائيلي؟

كتب: سيد خميس

«الملاك» خدعهم.. كيف ضلل أشرف مروان جهاز الموساد الإسرائيلي؟

«الملاك» خدعهم.. كيف ضلل أشرف مروان جهاز الموساد الإسرائيلي؟

ظلت قصة أشرف مروان تجسّد تناقضاً لصورتين بين مصر وإسرائيل، ففى مصر، لا يُختلَف أنه أسهم فى تحقيق مفاجأة حرب أكتوبر المجيدة 1973، وأنه عاش ومات وفى قلبه ولاء لوطنه مصر.

أما فى إسرائيل، فظلت قصة أشرف مروان لعقود تُقدَّم كأفضل عميل استخباراتى عمل لصالح «تل أبيب»، لكن تحقيقاً صحفياً جديداً نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية أكد الرواية المصرية، وكشف عن أن «أشرف» كان جزءاً واعياً من خطة خداع مصرية متقنة، أدت فى النهاية إلى هزيمة إسرائيل هزيمة ساحقة، بل تؤكد «يديعوت أحرونوت» أن خداع أشرف مروان كان قبل حرب أكتوبر واستمر إلى ما بعد الحرب، ليكون تحقيق الصحيفة الإسرائيلية بمثابة اعتراف من داخل إسرائيل بصدق الرواية المصرية بعد أكثر من نصف قرن من تبنى إسرائيل لأسطورة وهمية، وأن «الملاك» (الاسم الكودى الرئيسى لأشرف مروان فى الموساد الإسرائيلى) غيّر مجرى التاريخ، إذ لم يكن مجرد جاسوس، بل كان لاعباً مركزياً فى واحدة من أعقد المواجهات الاستخبارية فى القرن العشرين.

ويرسم التحقيق الاستقصائى الموسع، الذى أجراه الصحفيان الإسرائيليان رونين برجمان، ويوفال روبوفيتش، استناداً إلى وثائق سرية وشهادات نادرة لمسئولين كانوا فى قلب العملية، صورة تهدم الأسطورة الإسرائيلية عن أشرف مروان، ويكشف التحقيق أن «الملاك» لم يكن «ملاك إسرائيل الحارس، بل كان ملاك الخداع المصرى»، ورأس الحربة فى أذكى وأنجح عملية تضليل استراتيجى فى التاريخ الحديث، مؤكداً أن «مروان» لم يكن جاسوساً لإسرائيل، بل كان أفضل جاسوس عمل فى خدمة مصر، مستخدماً الموساد نفسه كأداة لتنفيذ خطة خداع مُحكمة أفضت إلى أكبر إخفاق عسكرى واستخبارى فى تاريخ إسرائيل.

«يديعوت أحرونوت» تكشف كيف حوّل «مروان» «الموساد» إلى أداة فى يد مصر لتحقيق نصر أكتوبر 1973

يستعرض التحقيق، الذى نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية فى مُلحقها الأسبوعى «7 ياميم» (7 أيام)، يوم الجمعة الماضى 26 سبتمبر، فى خمسة فصول رئيسية، القصة الكاملة لأشرف مروان، مع قراءة تحليلية تكشف كيف لعب الرجل لعبته المزدوجة، وكيف انتهى مشواره الغامض بجنازة رسمية مهيبة فى القاهرة عام 2007، بحضور كبار رجال الدولة، ووصف الرئيس حسنى مبارك له بأنه كان رجلاً ذا «مساهمة خاصة وغير مسبوقة لأمن مصر»، ويؤكد التحقيق الإسرائيلى، المنشور على هيئة 5 فصول، أن أشرف مروان «دُفن كبطل قومى، لا كخائن».

رجل إسرائيل داخل رأس السادات

خصص التحقيق الإسرائيلى الفصل الأول، للحديث عن أشرف مروان داخل رأس الرئيس الراحل محمد نور السادات مستعرضاً بدايات «أشرف» منذ أن بدأ تعاونه مع الموساد فى مطلع السبعينات، وكيف عُرف بأسماء كودية متعددة مثل: «حوتِل»، «سجول»، «نبوذرادان»، لكن الاسم الذى رسخ داخل جهاز «الموساد» كان «الملاك»، فقد كان «مروان» فى نظر «الموساد»، العميل الذى هبط من السماء، يحمل وثائق من قلب النظام المصرى، موضحاً أن رئيسة وزراء إسرائيل جولدا مائير كانت تسأل دائماً: «ماذا يقول صديق تسفيكا؟، فى إشارة إلى علاقة مروان الخاصة برئيس الموساد تسفى زامير، الذى كان اسمه الأول «تسفيكا».

نصف قرن من الأوهام.. وثائق سرية وشهادات نادرة تهدم الرواية الإسرائيلية.. والسادات عزز «الملاك» وضَمِن أن كلمته ستكون الفصل فى إسرائيل عندما تحين ساعة الصفر.. وخبير: كنا مقتنعين أن لدينا جهاز تنصت على دماغ السادات

ويذكر الفصل الأول من التحقيق أنه فى منتصف عام 1970، كان أشرف مروان شاباً فى السادسة والعشرين من عمره، يعيش فى لندن ويدرس للحصول على درجة الماجستير فى الكيمياء. على السطح، كان مجرد طالب مصرى طموح، لكن هويته كانت أثقل بكثير؛ فهو صهر الزعيم العربى المهيب جمال عبدالناصر. كانت حياته فى لندن باذخة، مشوبة بشائعات عن إدمانه القمار وحاجته الدائمة للمال. فى هذا السياق، ووفقاً للرواية الإسرائيلية المتداولة، قرر «مروان» اتخاذ خطوة ستغير مجرى التاريخ: عرض خدماته على ألد أعداء بلاده. بدأت محاولاته بالتوجه إلى السفارة الإسرائيلية فى روما، ثم فى لندن. فى كل مرة، كان يُقابل بالرفض واللامبالاة. كان الملحقون العسكريون الإسرائيليون، الذين اعتادوا على تلقى عروض من أشخاص مهووسين، ينظرون إليه كهاوٍ آخر. لكن «مروان» كان عنيداً. حصل على رقم هاتف الملحق العسكرى فى منزله بلندن وبدأ بالاتصال مراراً وتكراراً، إلى درجة أن زوجة الملحق هددته بالاتصال بالشرطة.

وتكمل الصحيفة الإسرائيلية أنه بدا أن الأمر قد طواه النسيان، لكن فى 28 سبتمبر 1970، اهتزت مصر بوفاة عبدالناصر، فجأة، ولم يعد «مروان» مجرد صهر للرئيس الراحل، بل أصبح شخصية محورية فى الدائرة المقربة من الرئيس الجديد، أنور السادات، الذى رأته «الاستخبارات الإسرائيلية رجلاً ضعيفاً وبلا كاريزما»، لن يدوم طويلاً فى السلطة. وأوضحت أن «السادات» قرّب أشرف مروان إليه، ومنحه صلاحيات واسعة، ليصبح الشاب الطموح فجأةً فى قلب صناعة القرار المصرى.

«مروان» رأس الحربة فى أذكى عملية تضليل وخداع واستخدم استراتيجية «الذئب قادم» والنتيجة إنذارات بلا حرب ثم حرب بلا إنذار

فى ديسمبر 1970، حدثت المصادفة التى أشعلت الفتيل. كان اللواء أهارون ياريف، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) آنذاك، فى زيارة للندن. فى السيارة التى أقلته من المطار، روى الملحق العسكرى، على سبيل التسلية، قصة «المصرى المُلحّ» الذى لا يكف عن الاتصال. كان معه فى السيارة شموئيل جورين، القائد السابق للوحدة 504، رئيس مركز الـ«موساد» فى أوروبا. لم يضحك جورين، بل أدرك فوراً حجم «الصيد الثمين». كان الموساد يعرف اسم مروان، ويعرف حبه للمال، لكنه كان يظن أن تجنيده مستحيل. والآن، ها هو يظهر فجأة ويطرق الباب بنفسه.

التجنيد - من هو «المُلحّ» على السفارة الإسرائيلية؟

خصص تحقيق الصحيفة الإسرائيلية الفصل الثانى للتعريف بأشرف مروان الذى كان لا يمل من الإلحاح على السفارة الإسرائيلية للعمل معها، كما يسرد الفصل قصة تجنيده. وتسرد «يديعوت» أن أشرف مروان ولد عام 1944، ودرس الكيمياء قبل أن يتزوج «منى»، ابنة الرئيس عبدالناصر. موضحة أن زواجه فتح أمامه أبواب السلطة، لكنه جلب له أيضاً نظرات استعلاء من بعض المحيطين بالرئيس الذين رأوا فيه شاباً طموحاً أكثر من اللازم. وأشارت إلى أنه بعد التخرج التحق بالجيش، ثم عمل فى مكتب الرئيس، فاكتسب خبرة بالشئون الأمنية والسياسية.

وفى 1968 انتقل إلى لندن لمتابعة دراسته. وهناك بدأت قصته مع الاستخبارات الإسرائيلية. تقول بعض الروايات إنه كان مقامراً يبحث عن المال، فيما يرى آخرون أنه كان يشعر بالنقص من معاملة آل ناصر.

أياً كان الدافع، فقد اتجه مباشرة إلى السفارات الإسرائيلية، تكررت محاولاته للتواصل فى لندن وروما، لكن الملحقين العسكريين تجاهلوه، ظانّين أنه مجرد هاوٍ، لم ييأس: اتصل مراراً حتى أثار غضب زوجة أحد الملحقين، التى هددته بالاتصال بالشرطة إذا لم يتوقف.

التحول جاء صدفة، حين سمع شموئيل جورين، مسئول فى الموساد، من الملحق العسكرى عن مصرى ملحّ يريد لقاءهم، أدرك أن الاسم ليس عادياً.. «مروان»، صهر عبدالناصر، يعرض نفسه؟ كانت فرصة لا تفوَّت.

وجرى تحديد أول لقاء فى فندق «رويال لانكستر» بلندن. ودخل «مروان» اللقاء حاملاً حقيبة مليئة بوثائق عسكرية سرية: خطط، هياكل، تسليح. لم يناقش المال فى البداية، بل قال ببساطة: «اكتب»، طالباً من مُشغّله الجديد نسخ معلومات من الوثائق ثم وعد بمعلومات عن الأسلحة الكيميائية، وبدا كأنه يفتح خزائن القاهرة بلا مقابل.

الصحيفة الإسرائيلية تعترف: الرجل الذى احتفينا به كأفضل عميل كان سبباً فى هزيمتنا الساحقة.. ودُفن فى القاهرة «كبطل قومى.. لا كخائن».. و«غسل أدمغة» قادة إسرائيل فأضاعوا ساعات ثمينة قبل بدء الحرب

وتوضح الصحيفة الإسرائيلية أن بعض رجال الاستخبارات الذين راجعوا القصة لاحقاً قالوا: «كان الأمر سهلاً أكثر مما ينبغى». لكن فى حينه، كانت الوثائق صحيحة، وجرى التحقق منها. فاجتاز أشرف مروان الاختبار، وأصبح عميلاً رسمياً للموساد. والأهم أنه عرض طوعاً تقديم «إنذارات حرب»، أى البلاغ المسبق إذا قررت مصر القتال. بالنسبة للموساد، كان ذلك الكنز الذى يبحثون عنه. وهكذا بدأ صعود «الملاك» كأهم مصدر استخباراتى فى قلب مصر.

التشغيل - حين صار العميل هو المُشغِّل

فى الفصل الثالث من تحقيق «يديعوت أحرونوت» عن أشرف مروان، يظهر كيف أصبح من عميل لإسرائيل إلى مُشغِّل لعناصر «الموساد» واستخدامهم لصالح مصر.

وتقول الصحيفة إنه مع رسوخ موقع مروان قرب الرئيس السادات، ازدادت قيمته لدى الموساد. لكن بدلاً من أن يفرض الجهاز قواعد صارمة، انقلبت الأدوار، لم يُخضعوه لاختبار البوليجراف (كشف الكذب) خوفاً من خسارته، ولم يفتشوه فى اللقاءات.

دخل مرةً مسلحاً، وعندما لاحظ مشغله «دوفى» المسدس، ابتسم «مروان» وأهداه السلاح نفسه فى صندوق أنيق. حادث كهذا كان كفيلاً بفتح تحقيق داخلى صارم، لكن افتتان جهاز «الموساد» به جعله يمر مرور الكرام.

ويوضح أن الأخطر، هو أن رئيس الموساد تسفى زامير وقع تحت «سحر أشرف مروان»، والتقى به عشر مرات على الأقل، خلافاً للأعراف المهنية التى تقضى أن يبقى الرئيس بعيداً عن التشغيل المباشر.

بينما تحول «دوفى»، مشغّله الأساسى، إلى كاتب ملاحظات فى حضور زامير.

وأضاف أن «مروان» هو من كان يحدد مواعيد اللقاءات، ويرفع أجره، ويرفض أى محاولة لاستبدال مشغّله، حتى حين حاولوا إدخال مشغِّل آخر من أصول عراقية، رفض بشدة وقال لزامير: «إذا غيرتم مشغلى، أنسحب»، مؤكدة أنه هكذا صار يتحكم فى شروط العلاقة، حتى بدا كأنه «يُشغِّل الموساد لا العكس».

فى الوقت نفسه، نسج «مروان» علاقات مع أجهزة أخرى كالاستخبارات الأمريكية والبريطانية والإيطالية. وصل إلى اللقاءات بسيارات دبلوماسية مصرية تحمل لوحات رسمية، ما جعل تحركاته علنية ومكشوفة. وتؤكد الصحيفة الإسرائيلية أنه رغم هذه الأضواء الحمراء، ظل سحر المعلومات التى يقدمها «أشرف» يغطى على الشكوك حوله. والوثائق كانت دقيقة وقيّمة: تسليح، تنظيم، أسماء، لكنها دائماً تُترك مرفقة بتقديرات شخصية غامضة عن نيات الرئيس السادات.

هذه التقديرات هى التى صنعت الفارق إذ «جعلت إسرائيل تعتمد على أشرف مروان وحده فى تحديد إن كانت هناك حرب أم لا؟».

وتذكر الصحيفة الإسرائيلية أن الانقلاب فى الأدوار كان واضحاً للجميع. واستشهدت على ذلك بأن إحدى وثائق الموساد التى تسجل محاضر اللقاءات مع العميل كتب «دوفى» ملاحظة مذهلة: «رئيس الموساد يشرح للمصدر ما الذى حدث حقاً»، أى إن رئيس الموساد أصبح هو من يقدم المعلومات، وليس العكس.

ويقر «دوفى» فى أحاديث داخلية أُجريت بعد سنوات: «إن مجرد كون تسفيكا زامير - رئيس الموساد - متورطاً فى التشغيل إلى هذا الحد لم يكن صحيحاً.. لقد افتتن رئيس الموساد بالملاك».

وأكدت أنه كانت هناك أصوات متشككة داخل الموساد، خصوصاً بين المخضرمين. ونقلت عن رافى إيتان، أحد كبار قادة الموساد، قوله: «كان كل ذلك يبدو لى فانتاستيكياً (رائع) أكثر مما ينبغى».

لكن سحر المعلومات التى كان يضخها «مروان»، ودقة وثائقه، كانا أقوى من أى شكوك، لقد بنى «الملاك» لنفسه حصانة مطلقة داخل الموساد، وأصبح هو من يشغّل مشغّليه، لا العكس.

الخداع - من كثرة الذئاب لا تُرى الحرب

خُصص الفصل الرابع من التحقيق الذى نشرته «يديعوت» لكيفية استخدام أشرف مروان فى عملية بناء «الخداع» باستخدام استراتيجية «الذئب قادم»، وأنه لنجاح هذه الخطة، كان هناك شرطان أساسيان: المفاجأة الكاملة، والسيطرة على نطاق الحرب.

أي إنه كان يجب أن تكون إسرائيل فى الـ48 ساعة الأخيرة قبل بدء حرب أكتوبر 1973 غير مدركة لما سيحدث، وهنا، يأتى دور أشرف مروان المحورى.

وتذكر الصحيفة الإسرائيلية أنه منذ منتصف 1972 بدأت خطة الخداع المصرية تدخل حيّز التنفيذ. وصار «أشرف» أداتها الأبرز، إذ أغرق «الموساد» بإنذارات متكررة: حرب فى أواخر 1972، ثم فبراير 1973، ثم الربيع، ثم الصيف. وفى كل مرة كان الموعد يتأجل.

ومع كل تأجيل، ترسّخ انطباع أن الرئيس السادات متردد فى اتخاذ قرار الحرب. موضحة أن الهدف من ذلك كان مزدوجاً: إنهاك إسرائيل بإنذارات زائفة، واختبار رد فعلها على التعبئة.

وتابع التحقيق الإسرائيلى أنه فى ربيع 1973، دفعت تحذيراته الحكومة والجيش إلى حالة استنفار مرهقة عُرفت بعملية «أزرق - أبيض»، استمرت لأسابيع، وكلفت عشرات الملايين، ثم انتهت بلا حرب. ما أدى إلى تراجع الثقة فى أى إنذار تالٍ.

وأضاف أنه حين جاء شهر يوليو، قال «مروان» لإسرائيل إن الحرب مؤجلة إلى سبتمبر أو أكتوبر، لكنه أضاف أن السادات غير جاد.

ثم عاد فى أواخر الشهر نفسه ليؤكد أن لا حرب قبل نهاية العام، وكانت النتيجة أن إسرائيل خففت تأهبها فى أغسطس، بينما القاهرة ودمشق كانتا قد حددتا السادس من أكتوبر موعداً للمعركة.

خداع آخر تحدث عنه التحقيق تمثل فى نوعية الوثائق، فبينما كانت «القاهرة» تعد خطة للعبور والبقاء تحت مظلة الدفاع الجوى، كانت الوثائق التى نقلها مروان تشير إلى خطة «جرانيت 2»، التى تفترض تقدماً عميقاً فى سيناء.

هكذا استعدت إسرائيل لحرب خاطئة، عندما عبرت القوات المصرية بالفعل، بقيت تحت حماية مظلة الصواريخ، وانهار خط بارليف بسرعة غير متوقعة، وهكذا، حين انطلقت الحرب بالفعل، كانت إسرائيل مطمئنة إلى أن «الملاك» سيحذرها فى الوقت المناسب، لكن التحذير جاء متأخراً، بعد أن أُحكمت المفاجأة.

وأوضحت الصحيفة الإسرائيلية أنه بدءاً من يونيو 1972، بدأ «الملاك» بتنفيذ استراتيجية «الذئب قادم»، بدأ يغرق «الموساد»، بسلسلة من الإنذارات الزائفة عن حرب وشيكة. فى كل مرة، كان يحدد موعداً، ثم يؤجله.

وكان لهذه الاستراتيجية هدفان، الأول الإنهاك والتعويد: فبعد تكرار صرخات «ذئب، ذئب!» دون أن يظهر الذئب، أصبح من الصعب على القيادة الإسرائيلية أن تأخذ أى إنذار تالٍ على محمل الجد.

لقد أضعفوا مصداقية التحذيرات بأنفسهم. أما الهدف الاستراتيجى الثانى فهو جمع المعلومات: ففى كل مرة كانت إسرائيل ترفع حالة التأهب، كانت الاستخبارات المصرية تراقب وتدرس ردود أفعالها، وسرعة تعبئة الاحتياط، وأنماط تحريك القوات.

وتؤكد أن ذروة بناء المصداقية كانت فى أغسطس 1973، قبل شهرين فقط من حرب أكتوبر، إذ نقل «الملاك» إلى مُشغّليه تقريراً عن مخطط ليبى لإسقاط طائرة ركاب تابعة لشركة «العال» الإسرائيلية فى روما باستخدام صواريخ «ستريلا»، موضحة أن «مروان» لم يكن مجرد ناقل للمعلومة، بل كان هو الشخص الذى كلفه السادات بتنسيق العملية بنفسه.

سافر إلى روما وسلّم الصواريخ للمسلحين، بينما كانت وحدة «قيصرية» فى «الموساد» تتبعه، تم إحباط الهجوم وإنقاذ حياة مئات الإسرائيليين. حلقت موثوقية «الملاك» عاليا، لقد أصبح المنقذ والبطل الذى لا يمكن التشكيك فيه. بينما ما لم يفهمه «الموساد»، إلا بعد فوات الأوان، هو أن هذه العملية كانت جزءاً من الخداع المصرى.

وتؤكد الصحيفة الإسرائيلية أن الرئيس السادات ضحّى بعملية لتعزيز غطائه الأهم، «الملاك»، وضمان أن كلمته ستكون الفصل عندما تحين ساعة الصفر، لقد كانت استثمارا استراتيجياً فى مصداقية عميلهم.

وفى نهاية أغسطس 1973، وبعد أيام قليلة من إحباط مؤامرة روما، حضر «مروان» اجتماعاً حاسماً فى دمشق بين الرئيس السادات والرئيس السورى حافظ الأسد، فى هذا اللقاء، تم تحديد موعد الحرب النهائى: 6 أكتوبر 1973. بالطبع، لم يبلغ «مروان» الموساد بذلك.

بدلاً من ذلك، نقل لهم معلومة مضللة أخرى: اتفق الرئيسان على تأجيل الحرب إلى نهاية العام، وأن الاستعدادات ستستكمل حينها فقط، ولإضافة لمسة من المصداقية، أضاف «تقديره» الشخصى بأن السادات لن يحارب أصلاً.

وتصف الصحيفة ذلك قائلة: «لقد كانت كذبة مروّعة، كذبة ستكلف إسرائيل 2400 جندى. لقد دخلت إسرائيل شهر سبتمبر وهى مطمئنة تماماً، معتمدة على تقييم «أفضل عميل لديها»، بينما كانت طبول الحرب تقرع على جبهات القتال».

الحرب - التلاعب بالعقول

يشرح هذا الفصل من التحقيق الإسرائيلى كيف نجح أشرف مروان، فى مهمته بما يفوق أى تصور، لأنه فى صباح يوم 6 أكتوبر، أضاع كبار القادة الإسرائيليين ساعات ثمينة، بدلاً من إصدار أمر فورى بتعبئة شاملة.

وأنه لم يمنع إنذار الحرب، بل ضَمِن حدوثه فى ظل أفضل الظروف لمصر وأسوئها لإسرائيل، لقد قدم التحذير فى وقت متأخر بما يكفى لشل الرد الإسرائيلى، ومبكر بما يكفى ليحافظ على أسطورته كمنقذ.

ويوضح التحقيق أنه فى الرابع من أكتوبر 1973، اتصل أشرف مروان بالموساد فى لندن مستخدماً كلمة الشفرة «المواد الكيميائية»، وطلب لقاءً عاجلاً مع زامير رئيس الموساد.

وفى اللقاء الذى تم فى مساء 5 أكتوبر، أبلغ أشرف مروان رئيس الموساد أن الحرب ستندلع فى اليوم التالى عند الرابعة عصراً أو قبل الغروب، التحذير كان غامضاً ومتأخرا، إسرائيل تحتاج يومين على الأقل لتعبئة الاحتياط، لكن الوقت لم يكن متاحا.

فى صباح السادس من أكتوبر، وبينما كانت جولدا مائير تناقش مع موشيه ديان خيار الضربة الوقائية، دوّت صفارات الإنذار عند الساعة 1:55 ظهراً، وبدأ الهجوم المصري، وتقول الصحيفة الإسرائيلية إن «أشرف»، استمر فى تضليله أثناء الحرب، فبعد أسبوعين من بدء الحرب، استدعى أشرف مروان رئيس الموساد زامير إلى باريس للقاء جديد.

وهناك سلّمه «مروان» معلومة خطيرة: لدى مصر 400 صاروخ سكود موجهة إلى تل أبيب، وأن السادات مستعد لحرب طويلة.

وتصف «يديعوت أحرونوت» ذلك قائلة: «كانت كذبة محضة، لكنها دفعت إسرائيل إلى التراجع عن عمليات كبرى والسعى إلى وقف إطلاق النار، ومرة أخرى أثّر «مروان» فى القرار الاستراتيجى الإسرائيلى لصالح القاهرة».

ونقلت الصحيفة عن الجنرال شلومو جازيت، الذى أصبح رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان» بعد حرب أكتوبر 1973، وصفه تلك الحالة: «لقد كانت أكبر عملية غسل دماغ (Gaslighting) فى التاريخ، كنا نرى مئات الآلاف من الجنود على القناة، ولا نعبئ الاحتياط. لماذا؟ لأننا مقتنعون أن لدينا جهاز تنصت على دماغ السادات سيبلغنا».

وتحلل الصحيفة اللقاء بين مروان ورئيس الموساد عشية الحرب، وكيف كان فى صالح مصر، أن «زامير» رئيس الموساد وصل إلى لندن، وبدأ اللقاء الدراماتيكى فى «البيت الآمن».

لكن ما حدث بعد ذلك كان ذروة عملية الخداع، وحددتها فى ثلاث نقاط، الأولى التأخير المتعمد: إذ وصل مروان متأخراً ساعتين ونصف الساعة، ليزيد من التوتر ويقلص الوقت المتاح لإسرائيل لاتخاذ إجراء.

الثانية التشتيت والمراوغة: إذ بدلاً من الدخول فى صلب الموضوع، بدأ «زامير»، بشكل لا يصدق، يسأل «مروان» عن موضوعات دبلوماسية لا علاقة لها بسبب مجيئه.

وعندما بدأ الحديث عن الحرب، كان إنذار «مروان» غامضاً ومتأخراً بشكل قاتل. قال إن الحرب ستبدأ غداً، لكنه أعطى توقيتاً مبهماً «إما عند الرابعة بعد الظهر، أو تماماً قبل الغروب».

هذا التوقيت الفضفاض «تماماً قبل الغروب» كان مصطلحاً عسكرياً بلا معنى، لكنه زاد من الارتباك.

أما النقطة الثالثة فى ذروة عملية الخداع فهى اقتراح التضليل الأخير: ففى ذروة اللقاء، قدم مروان اقتراحاً شيطانياً وهو تسريب خبر الهجوم الوشيك إلى وسائل الإعلام العالمية، كطريقة لإحباطه.

«كان هذا الاقتراح عبقرياً فى خبثه؛ فقد بدا وكأنه محاولة لمساعدة إسرائيل، لكنه فى الواقع كان يهدف إلى إضاعة المزيد من الوقت الثمين، حيث ستقضى القيادة الإسرائيلية ساعات فى مناقشة هذا الخيار غير العملى».

وفى الأخير انتهى اللقاء فى الثانية فجراً بتوقيت إسرائيل فجر السادس من أكتوبر، قبل 11 ساعة فقط من الهجوم. كان التحذير متأخراً جداً.

كانت إسرائيل تحتاج إلى 48 ساعة على الأقل لتعبئة قوات الاحتياط بشكل كامل، وخرج رئيس الموساد من اللقاء مرتبكاً وغير مقتنع تماماً، لدرجة أنه مشى فى شوارع لندن ليلاً يتساءل بصوت عالٍ مع دوفى: «ماذا سيحدث لو أبلغت أن حرباً ستكون غداً ولن يحدث أى شىء؟ سيقيلوننى».

وتختتم «يديعوت» تحقيقها المنشور على 10 صفحات، أنه فى 27 يونيو 2007، عُثر على جثة أشرف مروان البالغ من العمر 63 عاماً فى حديقة أسفل شرفة شقته الفاخرة فى لندن، ولم تتضح أسباب موته الغامض قط. لكن الإرث الحقيقى لـ«مروان» يكمن فى الازدواجية المذهلة التى أحاطت بحياته ومماته.

فى إسرائيل، ظل «الملاك» أعظم جاسوس فى تاريخها. لكن فى مصر، شُيّع جثمانه فى جنازة رسمية مهيبة، بحضور كبار رجال الدولة، ووصفه الرئيس حسنى مبارك بأنه كان رجلاً ذا «مساهمة خاصة وغير مسبوقة لأمن مصر».

لقد «دُفن كبطل قومى، لا كخائن».


مواضيع متعلقة