يسرا زهران تكتب: مذكرات «كامالا هاريس»: عودة للفشل في اللعب على كل الحبال

كتب: أحمد فكري

يسرا زهران تكتب: مذكرات «كامالا هاريس»: عودة للفشل في اللعب على كل الحبال

يسرا زهران تكتب: مذكرات «كامالا هاريس»: عودة للفشل في اللعب على كل الحبال

فشلت «كامالا هاريس» فى فقرة السيرك السياسى الأمريكى الختامية، لكنها لم تكن قد أهَّلت نفسها لما يواجهه الخاسر فى هذه الفقرة. الخاسر تدهسه أقدام الأفيال، وتُلهبه سياط مروضى الوحوش، ويضحك عليه المهرجون. ثم تنحسر الأضواء وتتوقف الموسيقى، ويغادر المشاهدون الساحة التى يتم تنظيفها من كل أثر لجهد وعرق ودماء الفاشلين، استعداداً ليوم جديد، بلاعبين آخرين، ووجوه متغيرة للرابحين والخاسرين فى ذلك السيرك الذى لا يتوقف عن الحركة والصخب.

«سيرك» السياسة الأمريكية له بريق تصعب مقاومته. الأضواء والأحلام، الوعود بأن كل شىء يمكن أن يحدث، أن قيود عالم الواقع يمكن أن تنكسر ولو للحظات قصيرة فيه. الاستعراضات والاهتمام الإعلامى، «الشو» القائم على بيع الأحلام أو المتاجرة بالأوهام. كلها عوامل تجتذب لهذا «السيرك» كل من يتخيل أنه يملك شيئاً ما ليقدمه، مقابل أشياء كثيرة ليحصل عليها.

تصل إثارة هذا السيرك إلى ذروتها فى الفقرة الختامية فيه، لحظة الوصول إلى الانتخابات الرئاسية الأمريكية التى تحدد من هو صاحب منصب أقوى «رجل» على وجه الأرض كما يصفونه. حتى الآن لم تحمل سيدة ما هذا اللقب، الذى ظل قاصراً على رجال يُتقنون اللعب أولاً فى كل فقرات السيرك السياسى الأمريكى الأخرى، أو يملكون فقرة خاصة بهم تفوق فى إبهارها أو صدمتها كل ما رآه المشاهدون من قبل.

مَن يصل إلى هذه الفقرة الختامية، فقرة الانتخابات الرئاسية، إما أن ينجح فيخطف الأنفاس، أو يفشل فيلفظ أنفاسه السياسية الأخيرة على الأرض، وسط صيحات الاستهجان من الجمهور.

المرشحة الرئاسية السابقة: مشاعرى لم تكن متناقضة أبداً تجاه أمن إسرائيل وأؤمن بأن لها الحق فى الرد على فظائع «٧ أكتوبر»

«كامالا هاريس»، مرشحة الحزب الديمقراطى فى الانتخابات الأمريكية الأخيرة ضد مرشح الحزب الجمهورى، الرئيس الحالى «دونالد ترامب»، ونائبة الرئيس السابق «جو بايدن»، كانت ممن وصلوا إلى هذه الفقرة الختامية، ولفظت أنفاسها السياسية الأخيرة فيها بسرعة فاقت سرعة وصولها إليها.

لم تكن تملك سوى ١٠٧ أيام فقط لإعداد وإطلاق حملة رئاسية بدت أقرب إلى «ملحق» لحملة الرئيس السابق «بايدن» الذى ظل متمسكاً بترشحه عن الحزب الديمقراطى لفترة أطول مما ينبغى، على الرغم من ضعفه الواضح وحالته الصحية التى ظهرت تفاصيل تدهورها فيما بعد. لكن الحزب الديمقراطى الأمريكى فشل فى اختبار «بايدن» وفى ملحق «هاريس»، بينما صعد الرئيس «ترامب» إلى سدة الحكم للمرة الثانية فى تاريخه، وهو يلوِّح بـ«قبضة النصر» تحيةً لمؤيديه، وتهديداً لمعارضيه.

شراسة ردَّة فعل «نتنياهو» وعدد النساء والأطفال الفلسطينيين الأبرياء الذين قُتلوا أضعفا من موقف إسرائيل الأخلاقى دولياً ، كتاب جديد عن طبقة «الواحد فى المائة» التى تحيا على القمة

فشلت «كامالا هاريس» فى فقرة السيرك السياسى الأمريكى الختامية، لكنها لم تكن قد أهَّلت نفسها لما يواجهه الخاسر فى هذه الفقرة. الخاسر تدهسه أقدام الأفيال، وتُلهبه سياط مُروِّضى الوحوش، ويضحك عليه المهرجون. ثم تنحسر الأضواء وتتوقف الموسيقى، ويغادر المشاهدون الساحة التى يتم تنظيفها من كل أثر لجهد وعرق ودماء الفاشلين، استعداداً ليوم جديد، بلاعبين آخرين، ووجوه متغيرة للرابحين والخاسرين فى ذلك السيرك الذى لا يتوقف عن الحركة والصخب.

صدمة السقوط المروِّعة أفقدت «كامالا هاريس» النطق لفترة طويلة بعد نتائج الانتخابات الرئاسية. حملة التمزيق التى طالتها، خاصة من وسائل الإعلام الأمريكية المعروفة بتأييدها للحزب الجمهورى، أو التى تسعى لإصلاح علاقاتها وكسب ودِّ الرئيس السابق والمنتخب من جديد «دونالد ترامب»، علَّقت عليها كل أسباب فشل الحزب الديمقراطى فى الانتخابات. قالت إن الحزب رشح «هاريس» لكسب أصوات النساء وذوى الأصول غير الأمريكية، فكشفت الاستطلاعات عن تزايد نسبة المؤيدين من هذه الفئات لـ«ترامب»! راهنوا عليها لتقديم صورة جديدة للديمقراطيين، أكثر حيوية وتقبُّلاً للآخر، فخسر الحزب تأييد ولايات كانت تصوِّت له تاريخياً لصالح مرشح الحزب المنافس. صارت «هاريس» تجسيداً حياً لمدى انفصال الحزب الديمقراطى عن الواقع، واعتناقه قيماً لا علاقة لها بما يدور فى عقول وقلوب غالبية الأمريكيين، وتعالت الأصوات تطالب القائمين على هذا الحزب بضرورة إعادة النظر فى الطريقة التى يُديرون بها أمورهم داخل كواليس الحزب، وفى أساليب تواصلهم مع الجماهير.

وهنا اشتعلت معركة جانبية أخرى داخل أجنحة الحزب الديمقراطى نفسه. ترشيح «كامالا» للانتخابات كان أقرب إلى عملية ولادة متعسرة تم انتزاع الموافقة عليها انتزاعاً من بين أنياب بعض الوجوه المؤثرة فى الحزب، الذين لم يتسامحوا أبداً مع ما حدث، فبدأ توجيه الضربات للمرشحة تعيسة الحظ من داخل حزبها بشراسة توازى شراسة الضربات الموجَّهة إليها من خارجه.

«هاريس»: «نتنياهو» أراد أن يرى «ترامب» على الطرف المقابل له لأنه سيؤيد اقتراحاته المتطرفة حول مستقبل سكان غزة ويضيف خطته الخاصة إليها

وهنا لم يعُد أمام «هاريس» التى فشلت فى فقرة السيرك السياسى الأمريكى الختامية، إلا أن تدور على مَن تبقَّى من المتفرجين، ممن شاهدوا أداءها التعيس فى تلك الفترة الزمنية القصيرة لحملتها الانتخابية (١٠٧ أيام)، ممن تعاطفوا معها أو سخروا منها أو رأوا أنها تستحق ما هو أكثر أو انتابهم الفضول لمعرفة كواليس ما حدث، لتلوِّح أمامهم بكتاب من تأليفها صدر يوم الثلاثاء الماضى فى الأسواق العالمية حاملاً عنواناً يماثل المدة التى قضتها فعلياً تحت الأضواء: «١٠٧ أيام»، بسعر لا يزيد على عشرين دولاراً أمريكياً.

فى ذلك الكتاب الذى يلخص رحلتها القصيرة أصلاً، حاولت «هاريس» أن تُلملم أوراقها وأفكارها المبعثرة، أن تعالج آثار الحروق التى اكتوت بها على أيدى رجال حملة منافسها «المحترفين»، الذين تصيَّدوا بخبرة عالية كل سقطة أو زلة لسان من المرشحة غير المتمرسة، ليضربوها بها كل مرة فى مقتل. حاولت «هاريس»، فيما يشبه رد الفعل المتأخر، أن ترد على الطعنات التى وجَّهها فريق حملة «ترامب» لها خلال الانتخابات، لتأتى صفحات كتابها، التى تزيد على الثلاثمائة، دليلاً إضافياً على عدم قدرتها على التغلب على منافسها العتيد، لا على أرض الواقع، ولا أمام الكاميرات، ولا حتى عندما ينفتح أمامها المجال لتحكى ما حدث من زاويتها هى على الورق.

فى مذكراتها، فهمت «هاريس»، على ما يبدو، ما لم تفهمه خلال حملتها الانتخابية، وهو مدى فاعلية اللعب على وتر الحماس الدينى لدى الناخبين الأمريكان الذين صوَّتوا بكثافة لصالح «ترامب». قالت فى مذكراتها: «إنه فى كل ليلة من تلك الأيام المائة وسبعة، كانت الصلاة التى أرددها قبل النوم هى أن أسأل الرب ما إذا كنت قد فعلت كل ما يمكن لى فعله لهذا اليوم؟». لكن ما الذى يمكن أن تفيد به هذه العبارة القصيرة أمام «الواقع» الذى فرضته الدعاية الانتخابية المضادة لـ«هاريس» التى تصر على أنها قد طردت اثنين من أحد تجمعاتها الانتخابية لأنهما كانا يمجدان الرب

القصة حدثت قبل ١٩ يوماً من الانتخابات الرئاسية، تحكيها «هاريس» لتبرئ ساحتها، لكنها تُظهر لنا كيفية التلاعب بالمواقف واجتزاء العبارات من سياقها فى ألاعيب الانتخابات الأمريكية. تحكى «هاريس» أنها كانت فى طريقها لجامعة «ويسكونسن» الأمريكية لإلقاء أحد خطاباتها لمناهضة سياسة «ترامب» حول حق الإجهاض، فوجدت اثنين يهتفان ضدها: «كامالا كاذبة! أنت تكذبين»، فابتسمت لهما وقالت: «أعتقد أنكما فى التجمع الخطأ».

لم تتخيل «كامالا» بعدها أن يخرج الاثنان فى تقرير فى إحدى القنوات الإخبارية بعدها ليقولا إنها طردتهما بعد أن ظلا يصيحان قائلين: «المجد ليسوع». تقول «هاريس» فى مذكراتها: «سيكون الأمر خطراً على الديمقراطية عندما تقوم المؤسسات الإخبارية التى يُفترض منها أن تعمل على دعم الحقائق بتشويه هذه الحقائق لأسباب حزبية. بسبب هذا التقرير الإخبارى، صار هناك «واقع» على الإنترنت يقول إننى طردت اثنين من الشباب من أحد التجمعات الانتخابية الخاصة بى لأنهما يمجدان الرب، وهو ما أضاف المزيد لذلك الخط الذى تنتهجه نفس القناة الإخبارية التى قالت إننى رفضت حضور عشاء خاص بإحدى المنظمات الخيرية الكاثوليكية بسبب عدائى للكاثوليكية وللمسيحية كما يزعمون. إن الديمقراطية معقدة، لكن من السهل تهديدها بواسطة التحيزات والأكاذيب الفاضحة والمؤسسات الإعلامية التى تسمح بها».

المحيطون بـ«بايدن» لم يعجبهم تزايد شعبيتى واعتبروا أن تألقى يعنى انطفاءه هو

هذا الأسلوب البسيط الأقرب إلى السذاجة السياسية الذى تتحدث به «كامالا» عن تحريف وسائل الإعلام للحقائق خلال الانتخابات (الذى هو أمر واقع منذ ظهور وسائل الإعلام فى أمريكا!) يظهر عشرات المرات فى كتابها وهى تتحدث عما هو «مفترض أن يكون» فى مقابل ما يحدث فعلاً. تحاول أن ترسم لنفسها صورة كرمز كان يسعى للحفاظ على المثاليات، ويعبِّر عن الامتزاج والتصالح بين الأعراق المختلفة فى أمريكا. لكنها، فى الوقت نفسه، تفقد أعصابها تماماً بمجرد أن يوجه لها منافسها ضربة فى هذه النقطة.

يسرا

تروى «كامالا»، التى وُلدت لأم هندية وأب من جامايكا وتزوجت من أمريكى يهودى، عن ذلك التعليق الذى قاله «ترامب» خلال السباق الانتخابى عندما سئل ما إذا كان أحد أسباب ترشيح «كامالا» عن الحزب الديمقراطى هو كونها امرأة سوداء» («كامالا» قالت دائماً خلال حملتها الانتخابية إن أمها ربَّتها لتكون سيدة سوداء فخورة بنفسها). فردَّ «ترامب» بعبارته التى أصبحت مشهورة فيما بعد قائلاً: «لم أكن أعرف أنها سوداء، كنت أتصور دائماً أنها هندية حتى عدة سنوات مضت عندما تبيَّن فجأة أنها قد أصبحت سوداء، والآن تريد أن يعرفها الناس على أنها سوداء!».

«ترامب» قال لى: ابنتى «إيفانكا» من كبار المعجبين بك.. والناس قالوا لى إن لديه القدرة على إظهار جانب أكثر دفئاً بل حتى أن يكون ساحراً

أحد أسباب نجاح «ترامب» هو قدرته على التعبير عن أفكار معقَّدة بعبارات مبسَّطة تصل مباشرة للناخب العادى الذى يستهدفه. وأحد أسباب نجاح «باراك أوباما» (بغضِّ النظر عن مواقفه كرئيس أسبق للولايات المتحدة) براعته فى اللعب بورقة امتزاج الأعراق المختلفة فيه. أما «كامالا» فلم تعرف كيف تلعب لعبة «أوباما» ولا كيف تتحدث ببساطة وفاعلية «ترامب». كل ما فعلته هو أن استشاطت غضباً وعادت لطريقتها فى الكلام حول ما «ينبغى أن يكون» وهى تقول منفعلة فى مذكراتها: «عندما سمعت بتعليق «ترامب» للمرة الأولى، تواصلنا مع «برايان فالون» (أحد كبار مساعديها فى حملتها الانتخابية) لنبحث كيفية الرد. كان «برايان» يريد منى أن أرد بخطبة كبيرة حول هويتى العرقية، مثل الخطاب الذى ألقاه «أوباما» يوماً ما. لكننى كنت غاضبة إلى حد أننى لم أمنع نفسى وقلت له: هل تمزح معى؟. لم أكن لألتقط الطعم الذى ألقاه «ترامب»، وقلت لـ«برايان» إنه يكذب طوال الوقت، ويُلقى بتصريحات مثيرة حتى يُشتت الانتباه عن القضايا الحقيقية. اليوم هو يريدنى أن أثبت هويتى العرقية، ماذا بعد ذلك؟ هل سيقول إننى لست امرأة وسأُضطر ساعتها أن أظهر ما يثبت ذلك؟. وصمت «برايان» على الطرف الآخر من الهاتف، وشعرت أنه يمكننى أن أحس بحمرة الخجل الشديدة فى وجهه».

وربما كانت «كامالا» تنتظر نفس هذه «الحمرة» من الخجل فى وجه «ترامب» وهى تحكى عن تواصلها معه بعد محاولة الاغتيال الفاشلة التى تعرَّض لها، فى حادثة تُظهر بوضوح مدى الفارق فى «الحنكة» بين من أصبح رئيساً للولايات المتحدة ومن كانت تنافسه. «ترامب» لم يجد أى مشكلة فى مجاملة «كامالا» وإلقاء عبارات لطيفة على مسامعها بينما حملته تُمزِّقها شرَّ ممزَّق من جميع الاتجاهات (المعتاد فى السياسة!). أما «كامالا» نفسها، فظلت تحكى عن «إنسانيتها وتحضُّرها» فى هذا الموقف و«اندهاشها» من هذه الطريقة ذات الوجهين قائلة: «عندما اتصلت بـ«ترامب» لأعرف كيف حاله قال لى: أنا بخير، أتمنى ألا يحدث لك هذا أبداً، إنه ليس إحساساً جيداً. كلنا نكون فى هذا الموقف الدقيق، سواء كنا رؤساء أو نواب رؤساء. أمر لطيف للغاية منك أنكِ اتصلت، لقد قمت بعمل جيد فعلاً. مشكلتى الوحيدة أنه سيكون من الصعب علىَّ الآن أن أغضب منك، ماذا سأفعل؟ كيف أقول أشياءً سيئة عنك الآن؟».

وردَّت «كامالا» ضاحكة على «ترامب»: إذن لا تفعل ذلك. فقال لها: سوف أخفِّف من حدَّة الأمر.

وتواصل «كامالا» فى كتابها: «أدركت أنه من المهم بالنسبة لنا أن نكون متحضِّرين، خاصة فى لحظة كهذه، وبينما كنت أُنهى المكالمة قال «ترامب» لى فجأة: هل تعلمين أن ابنتى «إيفانكا» من كبار المعجبين بك؟ وبعد بضع كلمات عن مدى تقدير «إيفانكا» لى بدأ يتحدث عن زوجى «دوج» قائلاً لى: بلِّغى سلامى لزوجك، إنه يبدو كشخص جيد حقاً».

وتتابع «كامالا» كلامها عن «ترامب» قائلة: «كان يتعامل بود. هذا الرجل الذى وصفنى بأننى غبية وكسولة ومجنونة ومتأخرة عقلياً. الرجل الذى لمح إلى أننى أشرب الكحول وأتعاطى المخدرات، وقال عنى إننى ماركسية وفاشية. لقد قال لى الناس إن لديه هذه القدرة، عند التعامل وجهاً لوجه، على إظهار جانب أكثر دفئاً، وإنه يمكنه حتى أن يكون ساحراً. لم أصدِّق الأمر، لكننى الآن كنت أختبره بنفسى. أذكر أن «جيسون كارتر» كان يقول عن جده الرئيس الأسبق «جيمى كارتر» إنه كان نفس الشخص أياً كان مَن معه وأياً كان المكان الذى يقف فيه، وإن هذا هو معنى النزاهة. أما «ترامب» فكان يُجسِّد نقيض ذلك. كنت أجهِّز نفسى لمحادثة هاتفية مع «مستر هايد» (الشرير)، لكن كان «الدكتور جيكل» (الطيب) هو من ردَّ على التليفون».

لكن إذا كانت «كامالا» تتهم «ترامب» بأنه «ذو وجهين»، واحد طيب وآخر شرير، فإنها فى مذكراتها، كما كانت خلال فترة حملتها الرئاسية، تحاول بلا جدوى أن تلعب على كل الحبال، وأن تسترضى الجميع، دون أن تكسب أحداً.

فى هذا السيرك السياسى، هى أقرب للاعبة «ترابيز» غير محترفة. ما إن تمسك بحبل حتى تتركه سعياً وراء حبل آخر. ووسط كل تلك القفزات بين كل تلك الحبال، تظل تسقط فى المنتصف دون أن تُكمل مشواراً واحداً لآخره، أو تثبت على موقف واحد حتى النهاية.

خسرت أصوات المحافظين التقليديين، لكنها لم تكسب أصوات التقدميين الليبراليين. أرادت أولاً أن تختار، كما تقول فى مذكراتها، نائب رئيس مثلىَّ الجنس، رغبة منها فى إظهار نفسها كوجه أمريكا الجديد الذى يتسامح مع الأقليات أياً كان نوعها، ثم تراجعت وأعلنت عن اختيار نائب محافظ لها سعياً لاجتذاب أصوات الناخبين التقليديين، لأنها وجدت أنهم قد لا يتحمسون كثيراً «لامرأة من أصول هندية متزوجة من يهودى ولها نائب مثلى الجنس». تحاول التأكيد فى صفحات كتابها على مدى ولائها للرئيس السابق «جو بايدن» بينما لا تقدر على إخفاء غضبها واتهامها له بأنه المسئول عن فشلها فى حملتها الأخيرة. تتغزل فى بعض قادة العالم وتُعدد نجاحاتهم فى تطوير بلادهم، وفى الفقرة التالية مباشرة تتحدث بلسان منتقديهم ومعارضيهم حتى لا تخسر أحداً منهم.

نفس هذه الحالة من التردد والتقلب ومحاولة اللعب الفاشلة على كل الحبال نلاحظها فى موقف أكثر حدَّة، لا تصلح فيه الحلول الوسط ولا التردد السياسى عندما يصل جنون الأطراف فيه إلى حد التطرف، وهو العدوان الإسرائيلى على غزة.

حاول أن تحافظ على سلامة قواك العقلية وأنت تقرأ كلمات «كامالا» عن الحرب فى غزة وتحاول أن تستخلص منها موقفاً واضحاً أياً كان. تقول وهى تتحدث عن ذلك التشابك بين الموقف فى غزة والانتخابات الرئاسية الأمريكية قبل انسحاب «جو بايدن» من السباق: «كانت استطلاعات الرأى الخاصة بـ«جو» (بايدن) سيئة فيما يتعلق بمسألة السن، وبدأ الهجوم عليه بسبب ما بدا كأنه «شيك على بياض» (أو تفويض كامل) لـ«بنيامين نتنياهو» فى غزة. وبينما كانت الاستطلاعات تُظهر أن شعبيتى تزداد، بدا أن المحيطين بـ«بايدن» لا يُعجبهم هذا التناقض الواضح. وفى ولاية «ألاباما» ألقيت خطاباً قوياً عن الأزمة الإنسانية فى غزة. كان الأشخاص الذين بلغ بهم اليأس مبلغه يتعرَّضون لإطلاق النار أثناء اندفاعهم نحو شاحنة تحمل طعاماً. وتحدثت عن العائلات التى وجدت نفسها مجبرة على تناول ورق الشجر أو طعام الحيوانات، عن النساء اللاتى يلدن بغير رعاية طبية، والأطفال الذين يموتون بسبب سوء التغذية والجفاف. وأعدت التأكيد على دعمى القوى لأمن إسرائيل، وطالبت حركة «حماس» بإطلاق سراح الرهائن وقبول اتفاق وقف إطلاق النار. وانتشر ذلك الخطاب سريعاً عبر وسائل التواصل، لكن الجناح الغربى فى البيت الأبيض (الدائرة المحيطة بـ«بايدن») لم يكونوا مسرورين، وتمَّت معاقبتى لأننى، على ما يبدو، ألقيت ذلك الخطاب بشكل جيد أكثر من اللازم. كان تفكيرهم أننى لو تألقت فسيعنى هذا انطفاء «بايدن».

قبل أن تتصوَّر أن «كامالا» كما كان يروِّج بعض مؤيديها تساند حقوق الفلسطينيين، اقرأ ما تقوله عن إسرائيل: «كنت فى طريقى لاجتماع مع «بنيامين نتنياهو» الذى كنت أشعر نحوه بمشاعر متناقضة. لكن مشاعرى لم تكن متناقضة أبداً تجاه أمن إسرائيل. أنا أؤمن بأن إسرائيل لها الحق فى الرد على فظائع «٧ أكتوبر». إلا أن شراسة ردَّة فعل «نتنياهو»، وعدد النساء والأطفال الفلسطينيين الأبرياء الذين قتلوا، وفشله فى وضع حياة الرهائن كأولوية كلها قد أضعفت من موقف إسرائيل الأخلاقى دولياً، وصنعت حالة من المعارضة الغاضبة داخل إسرائيل نفسها. الأشخاص الذين هم مثلى، ممن يتفهَّمون أهمية الوطن اليهودى، ويقدِّرون إسرائيل كحليف وكديمقراطية، يؤمنون بصدق بأن حجم ردَّة الفعل ومنع وصول الغذاء والرعاية الطبية للمدنيين (فى غزة) يسبب ضرراً جسيماً لإسرائيل. لقد كنت موجودة فى كل مكالمة هاتفية بين «بايدن» و«نتنياهو» منذ السابع من أكتوبر، والتقيت بآباء الرهائن الأمريكيين المحتجزين. كان الكثيرون فى إسرائيل يخشون أن أولوية «نتنياهو» هى الحفاظ على بقائه السياسى وليس معاناة أطفالهم الأسرى».

وتواصل: «كان «نتنياهو» مصمماً على التقليل من «جو بايدن»، على الرغم من أنه كان واحداً من أقوى حلفاء إسرائيل. لكن هذا الولاء لم يكن يعنى شيئاً بالنسبة لـ«نتنياهو» الذى كان يريد أن يرى «ترامب» جالساً على الطرف الآخر المقابل له. ليس «جو» (بايدن)، ولا أنا. كان «نتنياهو» يريد الشخص الذى سيوافق على كل اقتراحاته المتطرفة حول مستقبل سكان غزة، ثم يضيف إليها خطته الخاصة للاستحواذ على الأرض بواسطة أصدقائه المقربين من المطوِّرين العقاريين».

هل كان الأمر سيختلف لو وصلت «هاريس» إلى الحكم؟ هل كان الوضع فى غزة سيصبح أكثر رحمة بالفلسطينيين؟ هل كانت تملك ما يكفى لفرض حل عادل للجميع؟

«فقرات» معدودة فى كتاب «هاريس» عن معاناة أهل غزة تقابلها «صفحات» تُظهر مدى التزامها التام بالدفاع عن إسرائيل. تقول «هاريس» بعباراتها المطاطة المعهودة: «التوصُّل لأى سلام دائم يحتاج للتخلى عن الخطاب المتطرف الذى يستخدمه الطرفان. كنت أريد أن أعترف بمدى تعقُّد المنطقة وتاريخها، لكن على ما يبدو، قليلون فقط هم مَن لديهم الرغبة فى الاستماع لروايتين مأساويتين فى نفس الوقت، أو أن يشعروا بالأسى إزاء المعاناة الإنسانية لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين، والأصوات العالية من الجانبين كانت تدَّعى أنه لا يوجد أبرياء على الطرف الآخر، وهو موقف أرى أنه غير إنسانى. ومنذ بداية حملتى الانتخابية، حاول المحتجون الذين شعروا أننا لم نقُم بما يكفى تجاه أهالى غزة أن يعطلوا تجمعاتى الانتخابية. فى مرَّة صاحت مجموعة منهم: «كامالا، لن تستطيعى الاختباء. نحن لن نصوت لصالح الإبادة». شعرت بالقلق من تهديدهم بسحب تصويتهم وتساءلت: لماذا لا يحتجون ضد «ترامب» فى تجمعاته الانتخابية؟».

أمام «كامالا» عمرها كله لتبحث عن إجابات لأسئلتها، بعد أن تنتهى جولة الدعاية لكتابها الجديد، لكنها لن تنجح فى تحقيق مكاسب بأثر رجعى أمام «نجم» الحدث، ذلك الرابح الفعلى فى الانتخابات الأمريكية، الذى لا يقبل أن ينافسه أحد فى جذب الأضواء، ولا يكفُّ عن تصدُّر العناوين بتصريحاته التى تريد أن تقلب العالم وتعيد تشكيله من جديد. وبعد أيام، ستعود «كامالا هاريس» إلى تلك الزاوية المنسية والمهملة فى ركن التاريخ التى تحمل لافتة لا ينتبه إليها كثيرون ممَّن يدخلون إلى سيرك السياسة الأمريكى تقول: «غير مسموح بدخول الهواة. لا أحد ينجو هنا إلا المحترفون!».


مواضيع متعلقة