طوفان الاعتراف بفلسطين.. تحول عالمي يعزل إسرائيل

كتب: محمود العيسوي

طوفان الاعتراف بفلسطين.. تحول عالمي يعزل إسرائيل

طوفان الاعتراف بفلسطين.. تحول عالمي يعزل إسرائيل

مع اختتام اجتماعات الدورة الـ80 للجمعية العامة للأمم المتحدة فى نيويورك، برزت القضية الفلسطينية مرة أخرى فى قلب النقاش الدولى، ليس فقط بسبب استمرار الحرب فى غزة، وما خلّفته من مأساة إنسانية غير مسبوقة، بل أيضاً بفعل التحول الدبلوماسى الأهم منذ عقود، والذى يتمثل فى اعتراف أربع دول غربية كبرى، تشمل كلاً من بريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا، بدولة فلسطين، هذا التطور لم يكن مجرد قرار شكلى أو خطوة رمزية، بل مثّل نقلة نوعية فى الموقف الدولى من الصراع، إذ كسر احتكار إسرائيل وحلفائها الغربيين للرواية الدبلوماسية، وأعاد ترتيب موازين القوى داخل المؤسسات الأممية، لاسيما فى ظل الدعم الذى حظيت به فلسطين من غالبية ساحقة من دول الجنوب العالمى.

تناولت صحيفة «ذا كونفرسيشن» هذا التحول الدبلوماسى فى تقرير، جاء فيه أنه طوال سنوات مضت، كانت كل دورة للجمعية العامة تنتهى بقرارات رمزية لصالح فلسطين، تتعلق بحق تقرير المصير، أو رفض الاستيطان، لكنها لم تكن تغيّر من ميزان الاعتراف الدولى شيئاً يذكر، لكن دورة 2025 جاءت مختلفة، فقد خرجت منها «فلسطين» وقد حصلت على دعم غير مسبوق، من قوى طالما اصطفّت وراء إسرائيل، وفى مقدمتها لندن وباريس وأوتاوا وكانبيرا.

أهمية هذا الاعتراف لا تكمن فى الأرقام وحدها، إذ سبقتها 152 دولة اعترفت بفلسطين، بل فى الوزن السياسى والاقتصادى لهذه الدول الأربع، وفى كونها من الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة وإسرائيل داخل الغرب، وجاء الاعتراف هنا بمثابة كسر لمعتقد سياسى دام عقوداً، ورسالة واضحة بأن استمرار الاحتلال لم يعد قابلاً للتسويق أمام الرأى العام الغربى، ولا أمام النخب السياسية.

وتابعت الصحيفة أنه منذ الإعلان عن هذه الاعترافات، بدت إسرائيل فى مأزق دبلوماسى غير مسبوق، فالتحالف الذى طالما استندت إليه فى المؤسسات الدولية بدأ يتصدع، وأقرب شركائها صاروا يتبنون مواقف تضعها فى خانة الدولة المنبوذة، وقد تجلى ذلك خلال مناقشات الجمعية العامة، حيث وجدت تل أبيب نفسها فى مواجهة خطاب دولى موحد تقريباً، يعتبر الاحتلال والاستيطان عائقاً رئيسياً أمام السلام، هذه العزلة لا تعنى بالضرورة تغييراً سريعاً فى موازين القوة على الأرض، لكنها تُضعف القدرة الإسرائيلية على تبرير سياساتها، وتجعل دفاع الولايات المتحدة عنها أكثر تكلفة سياسياً وأخلاقياً، فواشنطن بدت وكأنها تقف وحيدة فى مواجهة العالم، وهى العضو الدائم الوحيد فى مجلس الأمن الذى لا يزال يرفض الاعتراف بفلسطين.

ولإدراك قيمة هذه الاعترافات، لا بد من العودة إلى جذور المسألة الفلسطينية، فمنذ حرب يونيو 1967، عندما سيطرت إسرائيل على الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، وُضع الشعب الفلسطينى تحت منظومة احتلال عسكرى، أحكمت السيطرة على تفاصيل حياته اليومية، فى تلك المرحلة، حاولت إسرائيل، عبر تصريحات قادتها، إنكار وجود شعب فلسطينى بالأساس، فى محاولة لتبرير مشروعها التوسعى، لكن الفلسطينيين لم يتأخروا فى إعادة تنظيم أنفسهم حول فكرة الدولة، ففى 1969 تبنى المجلس الوطنى الفلسطينى مشروع إقامة دولة ديمقراطية علمانية على كامل أرض فلسطين التاريخية، يعيش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود بحقوق متساوية.

لاحقاً، شكّلت اتفاقيات أوسلو (1993-1995) منعطفاً بارزاً، إذ اعترفت إسرائيل بمنظمة التحرير ممثلاً للشعب الفلسطينى، وأُنشئت السلطة الفلسطينية لإدارة شئون مدنية محدودة، لكن الاتفاق لم ينص صراحة على إقامة الدولة، بل أبقى السيطرة الفعلية بيد إسرائيل، ومع مرور الوقت، تعمق الاحتلال عبر الاستيطان والجدار الفاصل والسيطرة على الموارد والمعابر، فيما تحولت السلطة الفلسطينية إلى كيان إدارى محدود الصلاحيات.

واعتبرت «ذا كونفرسيشن» أن كل ذلك شكّل خلفية مباشرة لقرار بريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا بالاعتراف بدولة فلسطين، فهذه الدول لم تعد قادرة على تبرير صمتها أمام الرأى العام المحلى، الذى صدمته مشاهد الدمار فى غزة، ولا أمام مجتمع دولى يطالب بإنهاء الاحتلال، ورغم القيمة السياسية والمعنوية لهذه الاعترافات، يبقى السؤال الجوهرى قائماً: «هل تكفى الرمزية لصناعة الدولة؟»، الجواب، كما يؤكد الخبراء، هو «لا»، فالدولة لا تُبنى بالاعترافات وحدها، بل تحتاج إلى سيادة حقيقية على الأرض والموارد والمعابر، وإلى إرادة سياسية دولية تفرض على إسرائيل إنهاء احتلالها، لكن الرمزية نفسها ليست بلا قيمة، فكل اعتراف جديد يفتح أمام الفلسطينيين مجالات أوسع للتعاون الدبلوماسى والاقتصادى والقانونى، ويعزز حضورهم فى المؤسسات الدولية، ويبعث برسالة قوية إلى إسرائيل، بأن العالم لم يعد يقبل استمرار سياساتها التوسعية.

بالنسبة للولايات المتحدة، يمثل هذا التطور تحدياً صعباً، فبينما تصر الإدارة الأمريكية على التمسك بعدم الاعتراف بفلسطين خارج إطار مفاوضات السلام، تجد نفسها الآن معزولة عن أقرب حلفائها الغربيين، هذا الوضع يعكس تراجعاً واضحاً فى القدرة الأمريكية على توجيه دفة السياسة الدولية، ويضاعف من الضغوط الداخلية، حيث تزداد الأصوات المنتقدة لدعم إسرائيل فى الكونجرس والشارع الأمريكى، صحيح أن واشنطن لم تغيّر موقفها بعد، لكن استمرارها فى هذا النهج سيجعل دفاعها عن إسرائيل أكثر تكلفة، خاصة فى ظل تصاعد الانتقادات بشأن ازدواجية المعايير الأمريكية فى قضايا حقوق الإنسان والسيادة.

واختتمت الصحيفة تقريرها بالقول إن الاعتراف الغربى الأخير بفلسطين لم يكن نهاية الطريق، بل بداية فصل جديد من النضال الدبلوماسى، إنه تحوّل يكرّس الحقوق الوطنية للشعب الفلسطينى، ويقوّض شرعية الاحتلال فى نظر العالم، لكنه فى الوقت ذاته، يذكّر بأن الطريق نحو الدولة المستقلة لا يزال طويلاً ومعقداً.

فالمعركة المقبلة لن تكون حول الاعتراف فقط، بل حول فرض إنهاء الاحتلال على الأرض، وتأمين السيادة الفلسطينية الكاملة إلى جانب إسرائيل، وحتى يتحقق ذلك، ستظل الاعترافات الدولية أداة ضغط معنوى، لكنها مع تراكمها قد تصبح جزءاً من معادلة سياسية جديدة، تدفع باتجاه حل عادل وشامل للصراع.


مواضيع متعلقة