فلسطيني في غزة: أشتري كيلو الطحين بـ100 شيكل.. والحصول على وجبة يكلف 100 دولار
فلسطيني في غزة: أشتري كيلو الطحين بـ100 شيكل.. والحصول على وجبة يكلف 100 دولار
كتب - محمد علي حسن وماريان سعيد:
وسط حطام حاول إعماره 10 مرات، ومنعه تكرار القصف الإسرائيلى الوحشى على المدينة الصامدة يقف لؤى خشان وفى عينيه بقايا بيوت لم يعد لها وجود، وعلى كتفيه أثقال نزوح لا تنتهى، منذ عام 2003، لكنه مرابط فى غزة وفى كل مرة من العشر مرات يترك خلفه عمراً من الذكريات، ويخسر من الناحية المادية آلاف الشواكل، فالخسارات الفادحة باتت ضريبة يومية للبقاء على قيد الحياة.
روى «لؤى» قصته بصوت مثقل، وكأن الكلمات تستعصى على الخروج قائلاً: «خلال السنتين الأخيرتين وحدهما، تعرضنا للقصف المباشر خمس مرات على الأقل، فقدتُ ابنى الوحيد أُصيبت ابنتاى بجراح واندثر بيتى فوق ما فيه، حتى محلى الذى كان للحياة والأفراح صالون تجهيز العرائس ومحل تأجير فساتين الزفاف صار أثراً، حتى الفيلا التى ورثتها عن والدى تعرضت للسرقة، وبعدها دُمرت بأشجارنا، وآبارنا، بالكامل، والحمد لله على كل حال».
استعاد «لؤى» ذكرياته وهو يسرد أوضاعاً ثقيلة على رجل عاش كريماً مع أسرته بعد أن حولته الحرب إلى نازح فى خيمة متواضعة بلا طعام ولا حياة، فالحرب لا تتوقف آثارها عند الدمار المادى فقط، بل تفتح جرحاً أعمق وهو «الدمار النفسى» الذى لا يوصف كل ليلة تحت وابل القذائف، والهلع الذى ينهش الأرواح وكل يوم يموت الجميع ألف مرة من الخوف قبل أن يأتى الموت نفسه.

وتابع: «الجوع فصل آخر من المأساة، لأشهر طويلة لا نملك طحيناً، ولا أرزاً، ولا عدساً، ولا خضراوات ولا فواكه، ولا ألباناً ولا دجاجاً وإن وجدت وجبة، فعليك أن تدفع مائة دولار لتأكل مرة واحدة فقط، والمعاناة فى غزة متكاملة لأن الغاز غير متوافر، ونعيش على الحطب وإشعال النار، وكيلو الحطب صار بتسعة شواكل لا كهرباء، ولا ماء نظيف، ولا بيئة صحية، نعيش فى الشوارع وعلى شاطئ البحر، والخيام فوق بعضها كأنها قلوب مختنقة».
وأضاف: زوجت المرضعة التى لا تجد ما تأكله لترضع طفلها، وابنتى الصغيرة تشدنى من ثيابى قائلة بابا، بدى دجاجة، أو لحمة، أو لبن، أو جبنة، أو حتى حبّة طماطم ولا أجد ما أقدمه لها سوى اعتذار صامت ودمعة حارقة، فلا شىء بيدى سوى قسمة أرغفة الخبز على أفراد العائلة، بعدما أشترى كيلو الطحين بمائة شيكل، أى ما يعادل 30 دولاراً» وواصل: «الوضع صعب جداً، كل أسرة تبحث عن لقمة تسد بها جوع أولادها، ولا توجد سيولة فى البلد، وإذا أردت أن تحصل على نقود، عليك أن تدفع نصفها مقابل أن تخرج النصف الآخر».
ووسط كل هذا الخراب، يردد «لؤى» عبارة واحدة هى الحمد لله، وكأنه يحاول أن يقيم جسراً هشاً بين الجحيم والرجاء، والموت المستمر برغبة عميقة فى البقاء على أرضه وأرض أجداده التى لا يريد سوى أن يقدمها لأولاده كريمة حرة.