«منزوعة السلاح».. سيناريو الدولة الفلسطينية محدودة السيادة والأمن

كتب: محمد علي حسن

«منزوعة السلاح».. سيناريو الدولة الفلسطينية محدودة السيادة والأمن

«منزوعة السلاح».. سيناريو الدولة الفلسطينية محدودة السيادة والأمن

رغم مقاومة رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو منذ سنوات طويلة فكرة حل الدولتين، يواصل المجتمع الدولى الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة، ومع اقتراب سيناريو ما بعد وقف الحرب، يلوح فى الأفق احتمال إنشاء دولة فلسطينية مستقلة ومنزوعة السلاح تعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل، استناداً إلى نماذج دولية سابقة.

باحث فى الشئون العربية: الاحتلال لا يتعامل مع حل الدولتين كمشروع استراتيجى بل كأداة تفاوضية

الدكتور هشام البقلى، الباحث فى الشئون العربية، أكد لـ«الوطن» أن حل الدولتين ظل لأكثر من ثلاثة عقود العنوان الرسمى لأى تسوية سياسية للصراع الفلسطينى - الإسرائيلى، ورغم الدعم الدولى الواسع، لم يتحول هذا الحل إلى واقع ملموس، بل أصبح أكثر تعقيداً بفعل التوسّع الاستيطانى، والانقسام الفلسطينى الداخلى، والتحولات الإقليمية والدولية، ومع تصاعد التوترات الميدانية وتراجع الثقة بين الأطراف، تبقى سيناريوهات حل الدولتين محاطة بالتحديات، وإن ظل النقاش حولها قائماً كخيار وحيد يحظى بشرعية دولية.

وفى استعراضه للسيناريوهات المحتمَلة لتنفيذ حل الدولتين، قال «البقلى» إن السيناريو الأول هو التقليدى أو الكلاسيكى، والذى يقوم على إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، عاصمتها القدس الشرقية، مقابل اعتراف فلسطينى بإسرائيل كدولة ذات سيادة وأمن، يتضمّن هذا السيناريو انسحاباً تدريجياً من الضفة الغربية وغزة، مع ترتيبات أمنية خاصة، وتبادلاً محدوداً للأراضى لتعويض المستوطنات الكبرى، كما يشمل ترتيبات خاصة للقدس تضمن السيادة الفلسطينية على الأحياء الشرقية، مقابل بقاء السيطرة الإسرائيلية على الغربية، إلى جانب حل عادل لقضية اللاجئين عبر التعويض والعودة الرمزية، إلا أن هذا السيناريو يبدو شبه مستحيل اليوم، فى ظل رفض إسرائيل العودة إلى حدود 1967 وتمسّكها بالقدس «الموحّدة»، إضافة إلى اعتبار اليمين الإسرائيلى الحاكم أن الدولة الفلسطينية تُمثل خطراً وجودياً.

أما السيناريو الثانى فهو «الدولة الفلسطينية محدودة السيادة»، الذى تروج له بعض الطروحات الغربية والإسرائيلية، ويقوم على إنشاء كيان فلسطينى منزوع السلاح، تحت سيطرة أمنية إسرائيلية على الحدود والمعابر، مع بقاء الكتل الاستيطانية الكبرى تحت السيادة الإسرائيلية، ومنح الفلسطينيين سيادة شكلية على مناطق متقطعة أشبه بالكانتونات.

ويرى «البقلى» أن هذا السيناريو قد يُفرض بالقوة أو عبر ضغوط اقتصادية ودبلوماسية، لكنه لن يحظى بشرعية فلسطينية أو عربية، وقد يؤدى إلى انفجار جديد بدلاً من تحقيق الاستقرار.

الكونفيدرالية تلغى حق تقرير المصير وتواجه رفضاً فلسطينياً واسعاً والحل المرحلى يثير مخاوف تكرار تجربة «أوسلو»

السيناريو الثالث، وفقاً لـ«البقلى»، هو الكونفيدرالية، أو الحل الإقليمى، حيث طرحت بعض الدراسات الغربية والعربية فكرة الكونفيدرالية بين الأردن وفلسطين أو بين إسرائيل وفلسطين، على أن يتم تقاسم المسئوليات الأمنية والاقتصادية، ويعنى ذلك وجود كيان فلسطينى داخلى يرتبط أمنياً واقتصادياً بالأردن أو إسرائيل، مع تقاسم القدس إدارياً ودينياً، وبقاء المستوطنات مرتبطة بشبكة طرق خاصة، هذا السيناريو قد يلقى دعماً دولياً، باعتباره حلاً وسطاً، لكنه يواجه رفضاً فلسطينياً واسعاً، باعتباره إلغاءً لحق تقرير المصير.

أما السيناريو الرابع، فهو الحل التدريجى المرحلى، الذى يقوم على تطبيق حل الدولتين عبر مراحل زمنية تبدأ بوقف الاستيطان وتجميد البناء، ثم إعلان دولة فلسطينية بحدود مؤقتة، تليها مفاوضات نهائية حول القضايا الجوهرية، مثل القدس، واللاجئين، والمستوطنات، إلا أن هذا السيناريو يواجه شكوكاً كبيرة بسبب تجربة اتفاق أوسلو، التى أثبتت أن الحلول المرحلية تتحول إلى دائمة، وتُستغل من قِبل إسرائيل لتثبيت وقائع جديدة على الأرض.

وفى ما يتعلق برد فعل الاحتلال الإسرائيلى، أوضح الباحث فى الشئون العربية، أن إسرائيل لا تتعامل مع حل الدولتين كمشروع استراتيجى، بل كأداة تفاوضية أو وسيلة لإدارة الصراع، فاليمين الحاكم بقيادة نتنياهو يرفض أى دولة فلسطينية، ويطرح بدائل مثل الحكم الذاتى الموسّع أو السلام الاقتصادى، أما المعارضة الإسرائيلية، فقد تقبل مبدئياً بحل الدولتين، لكن بشروط أمنية صارمة تجعل الدولة الفلسطينية بلا سيادة حقيقية. فى المقابل، تميل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى الحفاظ على الوضع القائم خشية الفوضى، لكنها لا ترى بديلاً مستداماً سوى صيغة من صيغ الانفصال عن الفلسطينيين.

ويضيف الباحث فى الشئون العربية أن تعامل الاحتلال مع أى مبادرة سيكون غالباً عبر المماطلة السياسية، وإطالة أمد المفاوضات، ورفض القضايا الجوهرية، مع استمرار التحكم الأمنى، والسيطرة على المعابر والحدود، وزيادة الضغط الاقتصادى، واستخدام المساعدات والضرائب كأدوات ابتزاز، إلى جانب العمل على تعزيز الانقسام بين غزة والضفة لمنع قيام كيان فلسطينى موحد.

واختتم «البقلى»، قائلاً: «لهذا يمكن القول إن حل الدولتين يظل ممكناً من الناحية النظرية، لكنه يواجه عملياً انسداداً شبه كامل، فالسيناريوهات المطروحة تتراوح بين دولة مشوهة، أو كونفيدرالية، أو حل مرحلى، وجميعها تصطدم برفض فلسطينى أو تعنّت إسرائيلى. أما الاحتلال، فسيواصل التعامل مع أى مبادرة باعتبارها فرصة لإدارة الصراع وليس لإنهائه. وفى غياب ضغط دولى حقيقى وإرادة فلسطينية موحّدة، سيظل الحديث عن حل الدولتين مجرد شعار، بينما الواقع على الأرض يتجه نحو تكريس نظام الأبارتهايد كبديل غير معلن».


مواضيع متعلقة