أوهام «الشرق الأوسط الجديد» تتحول إلى «كابوس» يؤرق الإسرائيليين
أوهام «الشرق الأوسط الجديد» تتحول إلى «كابوس» يؤرق الإسرائيليين
تتزايد قناعة دول الشرق الأوسط بأن إسرائيل أصبحت الخطر المشترك الجديد لها، فحرب الإبادة الجماعية المستمرة فى قطاع غزة، والسياسات العسكرية التوسعية، والنهج العدائى الذى تتبناه الحكومة اليمينية المتطرفة، برئاسة بنيامين نتنياهو، تعيد تشكيل المنطقة بطرق لم يتوقعها كثيرون، وقد أثار العدوان الإسرائيلى الذى استهدف عدداً من القادة السياسيين لحركة «حماس»، فى العاصمة القطرية الدوحة، بينما كانوا يستعدون لمناقشة عرض من الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، لوقف الحرب، جعل من الدولة الخليجية سابع دولة تتعرض لاعتداءات إسرائيلية منذ هجمات 7 أكتوبر 2023، وهو الأمر الذى تسبب فى «صدمة» لدى دول الخليج، وألقى بظلال من الشك على مصداقية المظلة الأمنية الأمريكية.
ووفق تقرير نشرته مجلة «فورين أفيرز» هذا الأسبوع، فقد تفاخر القادة الإسرائيليون، على مدى العامين الماضيين، باغتيال قيادات «حزب الله» فى لبنان، وبالضربات المتكررة على أهداف فى اليمن، بالإضافة إلى توجيه ضربات موجعة لإيران، غير أن هذه الأفعال، بدلاً من أن تعزز النفوذ الإسرائيلى، أو تحسن علاقاته مع الدول العربية، التى طالما كانت متوجسة من إيران ووكلائها، جاءت بنتائج عكسية، فالدول التى كانت ترى فى إسرائيل «شريكاً محتملاً»، باتت تنظر إليها كـ«قوة خطرة غير موثوقة وغير مأمونة الجانب».
ومع اقتراب حرب الإبادة الجماعية التى يشنها جيش الاحتلال الإسرائيلى على الشعب الفلسطينى فى قطاع غزة، من دخول عامها الثالث، أعلن الرئيس ترامب، ورئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلى عن «خطة سلام» جديدة، احتفيا بها كـ«اختراق كبير يعيد الاستقرار إلى المنطقة»، رغم أن فرص نجاحها تبدو ضئيلة، ما دامت إسرائيل مستمرة فى سياساتها العدوانية، وتتجاهل المطالب والمخاوف المشروعة للفلسطينيين، ورغم ترحيب بعض القادة الإقليميين بالإعلان، إلا أن الخطة تبدو غير قادرة على إصلاح ما أفسدته حرب العامين الماضيين، فقبل هجمات أكتوبر 2023، كانت إسرائيل، بدعم أمريكى قوى، تأمل فى إعادة صياغة المنطقة لصالحها، مقدمة نفسها كحليف للحكومات العربية، فى مواجهة خصومها، وعلى رأسهم إيران، لكن النتيجة الآن أنها عزلت نفسها، وجعلت الدول العربية تتردد فى تحمل الكلفة السياسية والسمعة السيئة للتقارب معها، وحوّلت شركاء الأمس إلى خصوم متوجسين.
وأشارت، فى تقريرها، إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، سواء داخل الأراضى الفلسطينية المحتلة أو خارجها، دفعت العديد من دول المنطقة إلى تنويع شركاتها الأمنية، والاستثمار فى استقلالية قرارها السياسى بل والعسكرى، فضلاً عن الابتعاد عن «مسار التطبيع»، كما أن مجموعة واسعة من المشروعات التى كانت تخطط لها إسرائيل لتطبيع علاقاتها مع عدد من الدول العربية، بمساعدة أمريكية وأوروبية وهندية، باتت مهددة بالفشل، واعتبرت الصحيفة أن هذه النتائج لا تشكل خبراً سيئاً لإسرائيل فحسب، بل للولايات المتحدة أيضاً، فالدعم الأمريكى غير المشروط لتل أبيب، يقوض مكانة واشنطن فى المنطقة، وإذا كانت تهديدات إيران قد دفعت دول المنطقة فى السابق إلى الالتصاق بالخط الأمريكى، فإن شبح إسرائيل العدوانية يدفعها اليوم إلى الابتعاد عن الولايات المتحدة.
وأكدت «فورين أفيرز» أنه على واشنطن أن تستيقظ أمام التحولات الجارية فى الشرق الأوسط، فالإطار المقترح مؤخراً لن يُصلح بمفرده العلاقات الممزقة بين إسرائيل ودول المنطقة، وإذا رفضت الولايات المتحدة كبح جماح إسرائيل، ولم تبحث عن حل سياسى عادل للقضية الفلسطينية، فإنها تخاطر بإضعاف علاقاتها مع شركاء إقليميين رئيسيين، وفقدان نفوذها على النظام الإقليمى الناشئ، كما أن تجاهل القضية الفلسطينية، وترك إسرائيل تواصل عدوانها دون محاسبة، سيغذى موجة جديدة من التطرف تهدد المصالح الأمريكية، واستقرار المنطقة والأمن العالمى.
وعلى مدى أكثر من عقدين، نجحت إسرائيل فى إيجاد أرضية مشتركة مع عدد من الدول العربية، وكانت مصر أول دولة عربية توقع اتفاقية سلام معها فى عام 1978، وقد صمد السلام بين البلدين لنحو أربعة عقود، رغم غياب علاقات مجتمعية عميقة، ولكن كل ذلك تبدل بعد هجمات 7 أكتوبر 2023، فقد دفعت الحملات العسكرية الإسرائيلية القاهرة إلى تغيير موقفها، وفى سبتمبر الماضى، وصف الرئيس عبدالفتاح السيسى إسرائيل بـ«العدو»، فى تحول لغوى غير مسبوق فى الدبلوماسية المصرية، كما خفّض مستوى التعاون الأمنى معها، وأجرى مناورات بحرية مشتركة مع تركيا شرق المتوسط، فى خطوة رمزية تعكس تقارباً جديداً. وقبل الحرب، رأت بعض الدول الخليجية فى إسرائيل «شريكاً مفيداً» ضد التهديد الإيرانى، حيث دفعت الممارسات الإقليمية لإيران، التى تتمثل فى دعم جماعات مسلحة فى العراق ولبنان وسوريا واليمن، إضافة إلى سعيها لامتلاك برنامج للتسلح النووى، العديد من قادة الخليج إلى التقارب مع إسرائيل، كما أسهمت الأحداث الأمنية والسياسية، التى شهدتها عدة دول عربية فى عام 2011، وأدت إلى صعود «الإسلام السياسى»، فى تعزيز التقارب مع إسرائيل، إذ خشيت تلك الدول، ومعها إسرائيل، من تهديد الأنظمة القائمة، وجاءت «اتفاقيات أبراهام» عام 2020، برعاية أمريكية، فى هذا السياق، بهدف احتواء إيران، وحماية الأنظمة.
لكن اليوم، ومع دخول «حرب غزة» عامها الثالث، ينهار منطق التطبيع، فالعقيدة الإسرائيلية الجديدة، التى تسمح بانتهاك سيادة دول أخرى متى شاءت، تجعل معظم دول المنطقة تشعر بعدم الأمان، كما أن حجم الدمار الذى تركته آلة الحرب الإسرائيلية فى قطاع غزة، وتوسيع المستوطنات بالضفة الغربية بغطاء دينى، وتكرار الاعتداءات والتوغلات العسكرية فى كل من سوريا ولبنان، جعلت الحفاظ على علاقات علنية مع إسرائيل عبئاً سياسياً واستراتيجياً، وتؤكد استطلاعات الرأى هذا الاتجاه، فبحسب «الباروميتر العربى»، لا تتجاوز نسبة دعم التطبيع فى أى بلد 13%، وانخفضت فى المغرب مثلاً من 31% عام 2022، إلى 13% بعد هجمات أكتوبر 2023.
واعتبرت «فورين أفيرز» أن الغارات الإسرائيلية على الدوحة تصيب قادة الخليج بـ«صدمة» وتلقى بظلال من الشك على مصداقية «المظلة الأمنية الأمريكية».
وأضافت أن السعودية، التى كانت تحت ضغط أمريكى كبير للتطبيع، باتت مترددة أكثر، ليس فقط بسبب الكلفة الداخلية، بل أيضاً لشكوكها فى موثوقية إسرائيل كحليف، وكذلك الإمارات، الحليف الأقرب لإسرائيل فى الخليج، دفعت ثمناً معنوياً وسياسياً لتبرير «اتفاقيات أبراهام»، بينما قادتها يتحدثون صراحة عن إفراغ غزة وضم الضفة، أما قطر، فبعد العدوان على الدوحة، تصدرت الموقف العربى المناهض لإسرائيل، بينما ظلت الكويت وعُمان على مسافة حذرة من أى ارتباط يمكن أن يضر بشرعية أنظمتها، أو يثير شعوبها، وبدورها غيّرت تركيا موقفها، فبعد سنوات من خلافات لفظية مع إسرائيل دون اعتبارها خصماً مباشراً، جاء العدوان على غزة ليضعها فى خانة العداء، فقد علّقت أنقرة تجارتها مع تل أبيب، وأغلقت مجالها الجوى أمامها، كما أثارت الأفعال الإسرائيلية فى سوريا قلقاً عميقاً لديها، إذ تهدد استقرار حدودها الجنوبية الطويلة وتدفق اللاجئين.