وليد خيري يكتب: محتوى تحت المجهر: ثلاث نساء ومكتبة.. بودكاست في «الديوان»

كتب: محرر

وليد خيري يكتب: محتوى تحت المجهر: ثلاث نساء ومكتبة.. بودكاست في «الديوان»

وليد خيري يكتب: محتوى تحت المجهر: ثلاث نساء ومكتبة.. بودكاست في «الديوان»

هنا، في هذه الزاوية، نغوص معا في بحر المحتوى الرقمي المتلاطم. لا نبحث عن الإبهار السريع ولا عن الضجيج العابر؛ بل نسعى للبحث عن تلك الحكايات الأصيلة التي تستحق أن تستلهم منها أجيال، تلك التي تُحول الشغف إلى كيان راسخ. هذا شغلي الشاغل عند مراجعة أي فيديو أو بودكاست: أن أصل إلى الفكرة الثمينة المختبئة خلف عدسة الكاميرا أو الميكروفون، أن أستلهم من قصص النجاح التي سبقت عصر السوشيال ميديا، لأقدم محتوى يواكب الزمن دون أن ينسحق أمام إيقاعه. وفي قلب هذا البحث عن الأصالة، تتربع قصة مكتبة "ديوان" التي روتها شريكاتها المؤسسات في بودكاست "في الديوان"، قصة لا تزال دافئة وحميمية كأول كتاب اشتريته من هناك.

إنها حكاية ثلاث نساء رائدات: نيهال شوقي و هند واصف و نادية واصف، قررن أن يترجمن حبهن للثقافة إلى مكان له روح. لم يكن المشروع وليد دراسة جدوى عميقة، بل وليد لحظة محورية مشتركة، لحظة توقف جماعي عن العمل دفعتهن للتساؤل عن المشروع الذي يمكن أن يولد من شغفهن. كان الإجماع هو "مكتبة"، لكنها مكتبة تحمل رؤية تتجاوز مفهوم البيع والشراء. كانت رؤية تتحدى الفصل التقليدي بين الثقافات، وتؤمن بأن الفكر والعلم "مالوش جنسية"، وأن العالم كله مفتوح للتعلم منه. لقد كن يردن خلق فضاء ثقافي لا يعترف بالحدود، ولا يخشى التنوع.

هذا الحلم لم يكتمل إلا بفلسفة فريدة، جوهرها "الكيوريشن" أو التنسيق الفني. كانت الفكرة أن الكتاب ليس مجرد سلعة، بل قطعة فنية منتقاة، يجب أن تُعرض باحترام وعلى أسس من الذوق والرؤية الشخصية. كل رف في "ديوان" كان يحمل هوية ورسالة، وهذا الإخلاص في الانتقاء هو ما منح المكان شخصيته الآسرة. ثم جاءت الخطوة الأكثر جرأة: دمج المكتبة بـ "الكافيه". لقد كان هذا القرار بمثابة ثورة هادئة في المفهوم الثقافي المصري، يحول المكتبة من مكان للشراء إلى مساحة للجلوس، للقراءة الهادئة، للهمس بالآراء، وللحوار العميق.

بالنسبة لي آنذاك، كقارئ شاب عايش تلك اللحظات في مطلع الألفية، كانت مكتبة الزمالك، بفرعها الأنيق المليء بالنور والموسيقى الهادئة، أكثر من مجرد مكان. كانت واحة للروح، ملاذا يسمح لك بالدخول إليه والاستغراق فيه دون قيود. أتذكر جيدا تلك الأيام البعيدة زمنيا القريبة قلبيا، التي كنت أدخل فيها لأجلس بهدوء، أفتح كتابا ضخما، أغوص في صفحاته لساعات طوال، بينما رائحة الكتب والبن الممزوجة بالصمت المقدس تملأ المكان. كنت أقرأ صفحات وفصولا كاملة، أرتوي من المعرفة دون أن أضطر لدفع ثمن الكتاب، ويكفيني الشعور بالذنب الجميل الذي يدفعني لطلب فنجان قهوة مرة كل ثلاث أو أربع زيارات، كنوع من الوفاء الصامت لهذه الثقافة المجانية التي منحتها لي "ديوان". لقد كانت المكتبة تتعامل معنا باحترام شديد، مانحة لزوارها شعورا عميقا بالترحيب والأمان، شعورا أكدت عليه المؤسسات بقولهن إن الناس كانت "تأتي لترتاح هنا". هذا الدفء الحميمي هو سر بقاء "ديوان" في ذاكرة جيل بأكمله.

لكن خلف هذا الجمال الهادئ، كانت تقف قصة نضال لا تُروى إلا للخاصة. لقد كانت رحلة "ديوان" شاقة، لم تكن مفروشة بالورود بل كانت بحسب تعبيرهن "نضالا في صحرا". تحديات التشغيل كانت هائلة: غياب أنظمة محاسبية متخصصة للمكتبات، مما اضطرهن إلى ابتكار حلول يدوية مضنية، ومعاناة حقيقية في تأمين الكتاب العربي من خارج البلاد. والأصعب من ذلك كان التسويق في زمن ما قبل السوشيال ميديا، حيث كانت "الشنطة" التي يحملها القارئ هي الوسيلة الوحيدة لنشر اسم المكتبة وأخبارها. كانت هذه التجربة تتطلب عملا شاقا ومجهودا بدنيا عظيما، وهو ما عبرت عنه إحدى المؤسسات بأن فلسفة "العمل بذكاء وليس بجهد" لا تنطبق على تجربتهن، مؤكدة أن "تعب الديوان يستاهل جدا" رغم كل شيء.

ومثل أي مشروع رائد، مرت "ديوان" بلحظات اختبار قاسية. الأزمات المالية الكبرى التي ضربت البلاد، مروراً بثورة يناير، وصولا إلى تحديات جائحة كورونا، كلها كشفت "مكان الكتاب ده كسلعة فين في ذهن الناس في اللحظة دي". لكن هذه النوازل لم تكسر الكيان، بل كان فرصة لإعادة التقييم والتطور. وتوج هذا المسار بدخول المغامرة الكبرى: عالم النشر. وهي خطوة لم تكن سهلة، بل قوبلت بالتردد والخوف من تشتيت الرؤية الأساسية للمكتبة. ومع ذلك، كان الهدف طموحا ونبيلا: الحصول على حقوق نشر أعمال الأديب العالمي نجيب محفوظ.

هذه الخطوة لم تكن لتتم لولا وجود الإيمان بالرؤية من الأطراف كافة، ولا لولا ظهور شخصيات محورية. وهنا يأتي ذكر الكاتب أحمد القرملاوي، مدير النشر في ديوان، الذي كان دفعة قوية نحو إنجاح هذا المشروع الضخم. خبرته وحبه العميق لأدب محفوظ، الذي وصفته المؤسسات بأنه "موسوعة في نجيب محفوظ"، شجعتهن على المضي قدما، مُحولا الشك إلى يقين. لقد كان أحمد القرملاوي حلقة وصل ضرورية بين حلمهن وخوض غمار النشر المعقد.

تقدم لنا تجربة "ديوان" مادة تجربة إنسانية نسائية لا تنسى. إنها ليست مجرد قصة مكتبة ناجحة، بل دليل حي على أن الشغف المؤسس، حين يُبنى على رؤية واضحة وعاطفة صادقة، يمكنه أن يتجاوز كل التحديات. هي رسالة للجميع: اصنعوا محتواكم بروح المكان الآمن، بروح الحب. وتختتم المؤسسات حوارهن بأجمل اعتراف: "ديوان بالنسبة لي قصة حب يعني كلها من أولها لآخرها"، "مكان فيه أمان كبير قوي". وهذا هو الإرث الحقيقي: أن تكون قصتك مكانا آمنا للآخرين.


مواضيع متعلقة