محمود الجارحي يكتب: دلجا الموجوعة.. حين بكى القانون في قاعة المحكمة
محمود الجارحي يكتب: دلجا الموجوعة.. حين بكى القانون في قاعة المحكمة
في قاعة المحكمة.. ساد صمتٌ ثقيل لم يقطعه سوى صوت بكاءٍ خافتٍ من الصفوف الخلفية، حين وقف ممثل النيابة العامة يتلو كلماته.. كانت الوجوه واجمة.. والعيون تترقب العدالة التي تأخرت على قريةٍ صغيرةٍ ذاقت مرارة الفقد سبع مرات..
دلجا.. تلك القرية التابعة لمحافظة المنيا.. القرية التي كانت تعرف ضحكات الأطفال.. باتت اليوم تحفظ نحيب الأمهات ووجع التراب الذي ضمّ ستة صغار ووالدهم في أيامٍ معدودة.
لم تكن المرافعة في تلك الجلسة مجرد نص قانوني يُتلى أمام هيئة المحكمة.. بل كانت صرخة ضميرٍ خرجت من قلبٍ أثقله المشهد.. صرخة حملها ممثل النيابة وهو يقول: «نقف اليوم بين عدالتكم الموقّرة محمّلين بأمانةٍ تهتزّ لها الجبال وتئنّ لها القلوب.. أمانة دماءٍ زكيةٍ أُريقت ظلمًا وعدوانًا.. وطفولةٍ بريئةٍ اغتيلت على حين غِرّة، وأبٍ أُطفئت أنفاسه قبل أن يُكمل رسالته».
كانت الكلمات أشبه بنعَيٍ جديدٍ لأرواحٍ لم تهدأ بعد.. تعيد إلى القاعة أصداء الجريمة التي هزّت ضمير مصر.. وتذكّر الجميع بأن خلف أوراق القضية قلوب ما زالت تنزف.. وأمٌ فقدت كل شيء في لحظة غدر.
شهدت محكمة جنايات دير مواس بجنوب محافظة المنيا مشهدًا مؤثرًا خلال نظر ثاني جلسات القضية المعروفة إعلاميًا بـ«قضية أطفال دلجا»، المتهمة فيها سيدة بقتل أطفال زوجها الستة وزوجها بالسم.. حين ألقى المستشار أحمد عبد الخالق، ممثل النيابة العامة بجنوب المنيا، مرافعته التي مزجت بين قوة القانون وحرارة الإنسانية، مؤكدًا أن النيابة تقف اليوم أمام المحكمة «محملة بأمانة ثقيلة تهتز لها الجبال وتئن لها القلوب».
وقال ممثل النيابة في مرافعته أمام هيئة المحكمة:
«نقف اليوم بين عدالتكم الموقّرة محمّلين بأمانة تهتزّ لها الجبال، أمانة دماءٍ زكية أُريقت ظلمًا وعدوانًا، وأمانة طفولة بريئة اغتيلت على حين غِرّة، وأمانة أبٍ كان لفلذات كبده سندًا وعونًا، فإذا بحياته تُطفأ فجأة، ويُوارى جسده قبل أن يُكمل رسالته».
وخلال المرافعة، عرض ممثل النيابة تفاصيل القضية في قصيدة مؤثرة عبّر فيها عن مأساة قرية دلجا، فقال:
«فِي بيتِ وُدٍّ كان يمرحُ الصغار، ستةٌ كزهرٍ في عمرِ النهار، يلهون في كنفِ الأمان، والضحكُ ينثالُ كالماءِ الغزّار، فإذا بخبزٍ يُرسلهُ غدرٌ بوجهٍ مستعار، خبزٌ أتى، لكنه سمٌّ خفيّ، والسمُّ في الأحشاء نار».
وأضاف خلال مرافعته التي ساد خلالها الصمت قاعة المحكمة:
«يا ويح أمٍّ فقدت أطفالها بين يديها جثثًا مثل الغصون.. تناديهم: قوموا لصدري، إنه فارغٌ إلا من دمع العيون،
والخبزُ رمزُ العيشِ قد غُدرَ به، وصار كالسيفِ يُخفي المنون،أيُّ جرمٍ فاحشٍ أن يُذبح الأطفالُ بالسمِّ الدفين؟».
ثم اختتم قائلاً:
«إنها الغيرة التي اشتعلت في قلبٍ فاسدٍ، فكانت الخيانة والغدر، فهَيَّأت سمًّا في رغيف قاتلٍ لتفني به أطفالًا أبرياء، فخانت الأمانة، وارتكبت فعلاً تهتز له الضمائر وتبكي له الإنسانية».
وعقب انتهاء المرافعة قررت هيئة المحكمة في نهاية الجلسة إحالة أوراقها لفضيلة المفتي، لاستطلاع الرأي الشرعي في إعدامها، وحددت جلسة الدور الأول من نوفمبر وموعدها 8 نوفمبر لإيداع التقرير والنطق بالحكم مع حبسها لهذا الموعد، والحكم حضوريا بإجماع آراء الأعضاء.
تفاصيل القضية
نظرت الدائرة الأولى بمحكمة جنايات دير مواس ثاني جلسات القضية رقم 13282 لسنة 2025 جنايات دير مواس، والمقيدة برقم 2579 لسنة 2025 كلي جنوب المنيا، والمتهمة فيها «هاجر. أ. ع. م»، 26 عامًا، والمحبوسة على ذمة القضية، بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار باستخدام مادة «الكلوروفينابير» السامة، خلال الفترة من 6 إلى 25 يوليو 2025، بدائرة مركز دير مواس بمحافظة المنيا.
وتواجه المتهمة كذلك تهمة الشروع في قتل «أم هاشم أحمد عبد الفتاح»، زوجة المجني عليه الأولى، عمدًا مع سبق الإصرار، باستخدام المادة السامة نفسها، بعد أن دسّت لها الخبز المسموم لتناوله مع أبنائها.


