محمود الجارحي يكتب: ما بين اللعبة والمنشار.. حكاية طفل الإسماعيلية التي أبكت القلوب
محمود الجارحي يكتب: ما بين اللعبة والمنشار.. حكاية طفل الإسماعيلية التي أبكت القلوب
في هدوء ثقيل يخيم على منطقة «كارفور الإسماعيلية».. تحولت الأرض إلى مسرحٍ لجريمة لا يستوعبها عقل ولا يحتملها قلب.. بين الأسفلت والمياه الراكدة.. كانت فرق البحث تمشط كل زاوية بحثًا عن أجزاء من جسدٍ صغير تمزق في لحظة جنون.
هناك خلف كارفور وأمام الكوبري وأسفل الجسر.. وجدوا ما تبقى من طفل لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره.. أشلاء متناثرة في أكثر من موضع.. بعضها عالق في بركة ضحلة.. وأخرى مدفونة في أرض فضاء.. وجزء أخير يطفو على سطح بحيرة الصيادين.. القاتل لم يكن غريبًا عن الضحية.. بل زميله وصديقه الذي لعب معه كثيرًا وضحك بجانبه على مقاعد الدراسة.. لكنه في لحظةٍ غامضة قرر أن يجسد مشهدًا شاهدَه في لعبة إلكترونية.. فاستدرجه إلى منزله بالمحطة الجديدة، وهناك تحولت براءة الطفولة إلى كابوس.. هكذا جاء في تحريات وتحقيقات الأجهزة الأمنية والقضائية.
وقف الطفل المتهم يوسف أيمن، 13 عامًا، أمام جهات التحقيق في منزله يعيد تفاصيل ما فعله وكأنه يحكي مشهدًا من فيلم، قال بصوتٍ متردد: «هو زعلني.. مسك كتر وضربني، وأنا مسكت الشاكوش وضربته على دماغه.. مات قدامي، خفت.. جبت المنشار وقطّعته علشان أعرف أشيله».
بينما كان الطفل يتحدث ويكشف عن تفاصيل جريمته.. كان فريق البحث يقف أمام كلماته واعترافاته في حالة ذهول من هدوء الطفل واعترفاته بتلك الكلمات الغربية.
لم ينته الطفل من كلامه.. اصطحبته جهات التحقيق إلى الأماكن التي أخفى فيها أشلاء صديقه.. سار وهو يشير بيده الصغيرة إلى زوايا الظلام والركن المهجور خلف المركز التجاري.. أسفل الكوبري.. عند البركة.. بجوار السور الحديدي.. وفي أرضٍ فضاء مهجورة.. كل مكان يحمل قطعة من الجريمة.. وشاهدًا على مأساةٍ كتبت نهاية طفلين في آنٍ واحد، أحدهما فقد حياته.. والآخر فقد إنسانيته.
بينما كان فريق البحث يكمل فحص منزل المتهم في «المحطة الجديدة».. عثرت القوات على ملاءة ملطخة بالدماء وقبعة صغيرة تخص المجني عليه.. بينما كانت الحقيبة المدرسية - التي كانت يومًا تحمل الكتب - كانت تحمل أشلاء صديقه.
التحقيقات كشفت عن أن الطفل تأثر بلعبة عنيفة وفيلم أجنبي عن قاتل متسلسل، فقرر أن يقلّد ما شاهده، لم يكن بدافع السرقة أو الانتقام، بل بدافع فضولٍ، وأوضحت التحقيقات أن المتهم يعيش في ظروف أسرية مضطربة.
وجهت النيابة العامة بسرعة عرض المتهم على الطب النفسي الشرعي لبيان مدى سلامة قواه العقلية، فيما قررت حبسه 4 أيام على ذمة التحقيقات واستكمال تمثيل الجريمة في المواقع التي أرشد عنها بنفسه.
وبقيت الإسماعيلية مذهولة.. مدينة كاملة وقفت مذهولة أمام مأساة لم تعرف مثلها من قبل.. طفلان من عمر الزهور.. أحدهما فقد حياته، والآخر فقد نفسه إلى الأبد.. بين الدماء والأشلاء ضاعت البراءة.. وتحوّل اللعب إلى مأتم، والضحكة إلى صرخةٍ مكتومة.. رحل الأول إلى ربه.. ودخل الثاني في ظلامٍ لا يُعرف له مخرج.









