يسرا زهران تكتب: داخل عالم الأثرياء «السوبر» الذين يمتلكون الدنيا (الحلقة الثانية)

كتب: أحمد فكري

يسرا زهران تكتب: داخل عالم الأثرياء «السوبر» الذين يمتلكون الدنيا (الحلقة الثانية)

يسرا زهران تكتب: داخل عالم الأثرياء «السوبر» الذين يمتلكون الدنيا (الحلقة الثانية)

يقولون إن نسبة «الأثرياء السوبر»، أغنى الأغنياء على وجه الأرض، لا تزيد على ١٪ من سكانها، لكنهم يحتلون المساحات الأكبر فى مدنها، ويستهلكون القدر الأكبر من مواردها، ويسببون الضرر الأكبر لبيئتها وأهلها!.

يحكون عنهم وعن عالمهم كما لو كانوا من عالم الأساطير. يعيشون حياتهم «العادية» فوق جزر خاصة يملكونها وسط المحيط، ويلتقى شبابهم للتعارف فى عرض البحر على متن اليخوت الخاصة، يعتاد أطفالهم على امتلاك مساحات واسعة للرياضة واللعب منذ صغرهم، تعكس فى أذهانهم المساحات الفاصلة بينهم وبين من لا ينتمى إليهم. الأهم أنهم يعشقون امتلاك مناطق لا يصل إليها الآخرون، حتى إن «كبيرهم»، الملياردير الأمريكى «إيلون ماسك» لا يريد أن يقيد نفسه بحدود الأرض، ويسعى لامتلاك كوكب «المريخ»!.

بين أفراد تلك الطبقة التى تحيا فى طبقات الجو العليا، تجد أصحاب شركات التكنولوجيا العملاقة التى وصلت ثرواتهم إلى أرقام خيالية، وبعض أصحاب عائلات الأعمال الشهيرة الأكثر نفوذاً وثراءً فى مجتمع الأعمال. قد تجد أيضاً بعض الحاصلين على جائزة «نوبل»، أو المفكرين الذين وضعوا نظريات أو ألّفوا كتباً غيّرت تفكير العالم فى مرحلة ما، وحققوا بها شهرة واسعة تجعل الجامعات العالمية تتسابق لاستضافتهم بشكل مستمر. بينهم تجد بعض الرياضيين العالميين المحترفين الذين تتساوى شهرتهم مع ثرواتهم، والمشاهير فى المجالات الفنية المختلفة الذين تصل شهرتهم إلى كل بقاع الأرض، وبعض من المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعى على مستوى العالم.

تلك الطبقة الجديدة من الأثرياء «السوبر» لا يهتم أفرادها بفكرة تكديس الثروات بالقدر الذى يهتمون فيه بالحصول على امتيازات لا يحصل عليها غيرهم. مفتاح الانضمام إليهم ليس امتلاك الأموال السائلة وإنما النفوذ الثقافى والاجتماعى أيضاً. ومن هنا أصدر عنهم الباحث الأسترالى «كلايف هاميلتون» مؤخراً، بالتعاون مع زوجته «ميرا» كتاباً يلخص حالهم قبل مالهم، حمل عنوان «القلائل من ذوى الامتيازات»، حاول فيه أن يقرأ ما يدور فى عقولهم وقلوبهم قبل أن يفتش عن أرصدة حساباتهم، وأن ينظر إلى ما وراء تفاصيل حياتهم البراقة بدلاً من الانخداع بها.

الأثرياء «السوبر» يعيدون تشكيل قمة العالم التى يتربعون عليها، ويرسمون جغرافيا جديدة على أرضه.

يسرا زهران

جغرافيا تقوم على فكرة إيجاد عالم خاص بهم داخل العالم، ومدن لهم فى عالم موازٍ للعالم الذى نعيش فيه، رغم أننا نتشارك فى هوائه وسمائه وأرضه. لكنهم يحرصون جيداً على تذكير من حولهم، بالطريقة التى يصممون بها الضواحى والأحياء السكنية التى يعيشون فيها، ويقيمون بها حواجز فاصلة بينهم وبين غيرهم، أنه ليس كل من يتنفس هذا الهواء، سواء.

هى ظاهرة بدأ علماء الاجتماع وخبراء البيئة ينتبهون إليها منذ ما يقرب من عشرين عاماً. الفترة التى يرجح فيها الظهور الفعلى لهذه الطبقة التى منحت طابعاً جديداً لفكرة الثراء. لا يعتمد كثيراً على تكديس الأموال بقدر ما يعتمد على فكرة التميز، ولا يحرص على استعراض الثروات بالقدر الذى يحرص فيه على الخصوصية.

مناطقهم مصممة كى تُشعر من ليس منهم بأنه دخيل ومنبوذ ولا مكان له وسطهم

«كلايف هاميلتون» فى كتابه عن الأثرياء «السوبر»، هؤلاء القلائل من ذوى الامتيازات، يقول إن من يخططون ويدرسون جغرافيا المدن، لا ينتبهون كثيراً إلى حجم المساحات الضخمة التى يحتلها الأثرياء «السوبر» داخل المدن والعواصم المعاصرة. ويتابع: «إن تلك النخبة من أصحاب الثروات، يحتلون مساحات شاسعة، بدءاً من بيوتهم الأقرب إلى القصور، التى تُبنى على أراضٍ ممتدة وشاسعة فى الضواحى ذات الشوارع العريضة، أو الشقق التى تحتل عادة الطوابق العليا بأكملها، خاصة فى البنايات المميزة، أو الجزر الخاصة التى يمتلكونها، أو منازلهم الريفية المقامة فوق مزارع فسيحة، أو مكاتبهم الواسعة، والأفدنة العديدة التى تقام فوقها المدارس التى يذهب إليها أبناؤهم، وحتى بعد الموت، فى المقابر الضخمة التى يقيمونها لأنفسهم ولعائلاتهم!».

الأثرياء «السوبر» يخشون «تدنيس» مناطقهم لو دخلت إليها النوعيات الخاطئة من الأثرياء

ما يتحدث عنه «هاميلتون» يعنى أن هذه الطبقة تشغلها من الناحية النفسية فكرة احتلال أكبر قدر من المساحة. هى ليست مجرد أمتار أو كيلومترات على الأرض، ولكنها «مراكز» تستهلك قدراً كبيراً من الموارد حتى تعمل وفق رغبة أصحابها. ويتساءل «هاميلتون»: «هل فكّر أحد فى مدى تأثير نمط الحياة الخاص بالأثرياء «السوبر» فى الدول الغنية على البيئة المحيطة بمن حولهم؟ فى كم الموارد الطبيعية التى تستهلكها هذه الطبقة من أجل إرضاء أمزجتهم؟».

نائبة أسترالية: لا جدوى من اختلاط أطفال الفقراء بأطفال الأغنياء وهم لا يقدرون على شراء أحدث الأحذية الرياضية وأجهزة «الآيفون» مثلهم

الإجابة، كما يقول مؤلف الكتاب الأسترالى: «إن المعلومات حول ذلك الأمر شحيحة. لكن هناك دراسة تُظهر مدى مسئولية تلك النخبة من الأثرياء عن أزمات المياه فى مناطق متعددة حول العالم. وجدت تلك الدراسة أنه فى مدينة «كيب تاون» فى جنوب أفريقيا مثلاً، فإن طبقة «الأثرياء السوبر» فيها تستهلك قدراً من المياه يفوق ما يستهلكه الفقراء فى المدينة بخمسين ضعفاً لتلبية رفاهيات حياتهم».

الأسوار المحيطة بأحياء الأثرياء «السوبر» تحولت إلى حواجز تجعل المجتمعات منقسمة على نفسها بشكل حاد

ويواصل «هاميلتون»: «دائماً هناك حاجة لمزيد من الأراضى الزراعية لإطعام كل واحد من الأثرياء السوبر، وتوفير الموارد المطلوبة لصنع النبيذ الذى يشربونه، بالإضافة إلى قدر أكبر من المياه لرى حدائقهم وملء حمامات السباحة الخاصة بهم. هناك حاجة للتنقيب عن مزيد من المعادن لتصنيع السيارات الفاخرة التى يركبونها ولبناء البيوت الضخمة التى يسكنون فيها. بالإضافة طبعاً إلى الأثر بالغ الضرر الذى يتركونه على المناخ بسبب أنماط استهلاكهم الكبيرة. إن الملياردير الواحد من هؤلاء الأثرياء السوبر مسئول عن مليون ضعف من الانبعاثات الكربونية (التى تتسبب فى تلوث البيئة والهواء) عما يتسبب فيه الشخص العادى، بسبب طائراته الخاصة ويخوته التى تصدر كمّاً من الانبعاثات يفوق كل ما يتسبب فيه من حولهم».

طبقة «الأثرياء السوبر» تستهلك قدراً من المياه يفوق ما يستهلكه الفقراء فى المدينة بخمسين ضعفاً

لكن لا شىء يظهر فيه «هوس» الأثرياء السوبر بفكرة احتلال المساحات الواسعة أكثر من فكرة المناطق السكنية المميزة التى تقتصر عليهم ولا يدخلها غيرهم.

على امتداد العالم كله، تظهر تلك الحالة التى شبّهها «هاميلتون» بعملية إضفاء «هالة من القداسة»، تشبه تلك التى كانت تمنح للمعابد القديمة، التى لا يدخلها إلا قلة مختارة ومنتقاة من البشر. هذه المرة، فإن العصر الحديث يضيف هذه «الهالة من القداسة» على مناطق سكنية مميزة، لا يجرؤ أحد غير نخبة الأثرياء «السوبر» على الاقتراب منها، أو مجرد التفكير فى السكن فيها. يستخدمها الأثرياء «السوبر» من أجل مزيد من التمييز والفصل بينهم وبين باقى الناس، ومن أجل مزيد من الإحساس بالتميز الذى لا يترددون فى دفع أى مقابل مادى من أجل الحصول عليه.

ما الفلسفة الكامنة وراء دفع مبالغ طائلة من المال لشراء «مساحة» فى قلب حى الأثرياء المميزين؟ هى ليست مجرد وسيلة للتباهى والاستعراض بقدر ما هى وسيلة لإظهار الانتماء الرمزى لهذه الطبقة المميزة. إن الإقامة فى التجمعات السكنية التى تقيم فيها تلك النخبة المنتقاة من الأثرياء السوبر، ودفع مبالغ طائلة لشراء مكان وسطهم، تعنى إمكانية تحويل الموارد المادية التى يمتلكها المرء إلى مكاسب من نوع آخر، مثل تكوين علاقات مع الوجوه الأبرز فى المجتمع، أو بناء شبكات من المصالح والمنافع المتبادلة التى تصبح جزءاً من الإرث الذى يمرره الآباء إلى أبنائهم داخل هذه الطبقة لتأمين مستقبلهم فيما بعد.

وهذا لا يمكن أن يحدث إلا بأن تكون هذه المناطق والتجمعات السكنية «حصرية»، لا يدخلها إلا أبناء طبقة الواحد فى المائة من الأثرياء «السوبر»، من خلال أساليب تنقية ومعايير اختيار لا تُعد ولا تحصى، مصممة كلها لإبقاء «الدخلاء» بعيداً، غير مسموح لهم بالاختلاط مع «أهل القمة» الجدد، أو «تدنيس» مناطقهم السكنية الجديدة «المقدسة»!.

يحكى «هاميلتون» فى الكتاب عن الأساليب التى تحرص بها هذه الطبقة السوبر على الحفاظ على خصوصية وحصرية المناطق التى تختارها للسكنى قائلاً: «هذه الحالة من «الحصرية» لا تتم المحافظة عليها فقط من خلال التكلفة الباهظة لمجرد الدخول إلى هذه المناطق السكنية. ولا حتى من خلال هيبة المنازل الضخمة، والأسوار العالية، والسيارات الفارهة وكاميرات المراقبة المتناثرة فى كل مكان، وإنما أيضاً لأن هناك «جواً» خاصاً يحيط بها. «جواً» يعطى الانطباع بأنها مناطق تثير الإبهار ولا يمكن الاقتراب منها بالنسبة لمن خارجها. هذا الجو يعطى الغرباء أو الدخلاء عليها الإحساس بأنهم ليسوا فى المكان المناسب لهم».

ويواصل: «بالإضافة إلى التكلفة الباهظة التى تتطلبها الإقامة فى هذه الأماكن، تعطى هذه المناطق السكنية إحساساً بالتميز والمكانة. إن المشاهير والوجوه البارزة والمؤثرة فى صنع القرار السياسى أو مجتمع الأعمال، ورؤساء الشركات الكبرى، أو الرياضيين المحترفين، كلهم ممن يتابع الناس أخبارهم وصورهم، وعادة ما تتم الإشارة إلى المناطق والأحياء التى يختار هؤلاء المشاهير أن يعيشوا فيها، وفى بعض المناطق حتى تدفع الأفواج السياحية أموالاً مقابل أن يروا الأماكن التى كان يعيش فيها هؤلاء المشاهير من قبل».

أكثر تلك الضواحى تميزاً كما يقول «هاميلتون»: «تضفى على كل من يسكن فيها إحساساً بالأهمية والفخر الشديد، كأنهم بالفعل يعيشون فى مكان مقدس. لكن هذا المكان نفسه يمكن أن يتم «تدنيسه» لو أن النوعية الخاطئة من الناس نجحت بشكل ما فى الدخول إليه. لذلك، ومنذ أن يتم الإعلان عن بيع الوحدات فى المناطق السكنية التى تستهدف الأثرياء السوبر، يتم استخدام كلمات وأسلوب تُشعر هؤلاء الذين يستهدفهم الإعلان بمدى تميزهم واستحقاقهم أن يعيشوا فى مكان لا يقل عنهم تميزاً. نفس هذا الإحساس يتم توصيله بأساليب أخرى، مثل عدم الإعلان عن السعر إلا عندما يصبح المشترى جاهزاً للشراء بالفعل، أو بعد أن يتم «الحكم» من أصحاب المشروع السكنى على المشترى المحتمل بأنه «ملائم»، فيتم تنظيم جولة «شخصية» له، لكى يقوم بمعاينة «خاصة» للمنطقة السكنية دون أن يزاحمه أو يضايقه أحد وهو يختار المكان الذى يناسب هواه».

كل هذه الأساليب والترتيبات تسعى لتوصيل فكرة واحدة يهتم بها الأثرياء السوبر أكثر من أى شىء آخر، هى فكرة «الاستبعاد». أن من ليس منهم لن يكون معهم. إن المناطق السكنية المخصصة للأثرياء السوبر لا تقول بشكل فج إنه لا أحد يدخلها إلا الأثرياء وأصحاب المكانة العالية، لكنها ترسل فى دعايتها دائماً رسالة واضحة بما يكفى: إذا كان من يرغب فى شراء وحدة سكنية فى تلك المنطقة لا يرى أنه ينتمى لهذه الفئة «السوبر»، فسوف يشعر حتماً أنه فى المكان الخطأ لو دخل إليها.

ويضيف «هاميلتون»: «المسألة ليست مسألة ثروة ومال، بل إنها تتعلق بمدى الرقى، ولذلك فإن من كان يطلق عليهم «أغنياء الحرب» أو «الأثرياء الجدد» لا يكون مرحباً بهم على الإطلاق وسط المناطق السكنية للأثرياء السوبر. والبعض منهم حتى يشعر بالقلق من دخول بعض الأثرياء الأجانب من دول أخرى وسطهم حتى وإن كانوا بنفس درجة ثرائهم. لقد تطورت هذه المناطق السكنية الفاخرة بحيث يشير اسمها وحده للعالم كله، إلى أن نوعية خاصة فقط من البشر هم من يقدرون من الناحية النفسية على أن يعيشوا فيها. أما الذين لا ينتمون لهذه الطبقة، حتى وإن كانوا يملكون القدرة المادية على شراء مكان لهم فيها، فهم يشعرون بأن هذا المكان طارد لهم، وبالرهبة من الجو العام فيه، وبأنهم منبوذون أو مستبعدون ممن يعيشون فى داخله».

كثيرون كما يقول «هاميلتون»، يمكنهم «شراء» أماكن وسط الأثرياء السوبر، لكنهم لا يشعرون براحة لدفع الثمن الحقيقى الذى يتطلبه العيش وسطهم. الحياة فى المناطق الراقية لتلك الطبقة تتطلب الكثير من العمل والجهد حتى يصبح أحدهم مقبولاً لدى أصحابها، وليس الكل مستعداً لبذل كل هذا الجهد. آخرون، حتى لو توفر لديهم المال اللازم، لا يريدون لأطفالهم أن يتربوا فى هذه البيئة المتعالية، المنفصلة عن العالم الطبيعى والعادى، التى لن يتشربوا منها إلا الإحساس بالتميز وبأن لهم الحق فى الحصول على أى شىء.

لكن ما الذى يشعر به من ينجح بالفعل فى الدخول والحياة فى تلك المناطق السكنية التى يستبعد منها غالبية الشعب، أو الشعوب؟

يقول «هاميلتون»: «إن لهذه الأماكن الحصرية فى حد ذاتها «سمعة» وصيتاً يضفى على من يسكن فيها إحساساً بالكبرياء والرضا عن الذات، فى الوقت الذى تتيح له فيه الحصول على قدر كبير من النفوذ الاجتماعى. إن من يسكن فى أماكن هذه النخبة يجد أمامه الفرصة لتكوين صداقات مع جيران فى أعلى مراكز القوة فى مختلف المجالات: ما بين أصحاب شركات ونواب برلمانيين، وقضاة وغيرهم. هؤلاء الأثرياء السوبر الذين يتربعون على قمة العالم الخارجى يستثمرون أيضاً أوقاتهم وأموالهم على نحو مختلف داخل مناطقهم السكنية، كأن يصبحوا مثلاً أعضاء فى مجالس إداراتها، أو بالتبرع بمبالغ طائلة لمدارس أطفالهم فيها، أو حتى القيام بأنشطة خيرية ومجتمعية فيها مثل تنظيف الحدائق. شبكات كاملة من الصداقات والعلاقات تتشكل فى تجمعات المناطق السكنية التى يعيش فيها الأثرياء السوبر، مثل النوادى الرياضية وملاعب التنس أو الكريكت، أو حمامات السباحة وغيرها».

إلا أن المركز الأكثر نشاطاً فى تكوين هذه العلاقات بين الأثرياء السوبر، هو مدارس أطفالهم.

تلك المدارس القائمة وسط المناطق التى لا يقترب منها إلا الأثرياء السوبر كما يقول «هاميلتون»: «تعتبر فرصة لأطفالهم لكى يُكوِّنوا شبكة من العلاقات التى ستدوم معهم طيلة أعمارهم فيما بعد. هذه الحالة تظهر بوضوح فى أحد أرقى الأحياء فى السويد، التى لا ينكر سكانها أنهم يستخدمون مدارس أطفالهم الراقية ذات التكاليف الباهظة لكى يكوّنوا شبكات علاقاتهم الاجتماعية لهم ولأبنائهم. يهتم الآباء فى حى الأثرياء هذا، وفقاً لما يقوله أحد المدرسين، بمن الذى يجلس فى الصف إلى جوار أبنائهم، ويمارسون ضغوطاً متنوعة على إدارات المدارس لكى يضعوا أبناءهم فى الفصول التى تسمح لهم بالاقتراب من «الصديق الصحيح» الذى سيساعدهم فى المستقبل».

إن الآباء يفكرون فى مدارس أطفالهم بنوع من التفكير الاستراتيجى. ما الذى ينبغى فعله الآن للوصول إلى أفضل النتائج فى المستقبل. بالتالى تصبح الإقامة وشراء مسكن فى حى من أحياء الأثرياء السوبر الذى عادة ما يضم فيه مدارس أطفالهم، هو نوعاً من الاستثمار طويل الأمد.

مجرد الإقامة فى هذا الحى الذى يسمع أغلب الناس عنه دون أن يجرؤ معظمهم على مجرد الاقتراب منه تمنح صاحبها امتيازات قد لا تتوافر لآخرين عندما يتعلق الأمر بالتنافسية فى سوق العمل.يحكى «هاميلتون» عن فتاة تنتمى لهذه الطبقة، وتحيا فى واحدة من أرقى الضواحى فى أستراليا وأكثرها ثراءً. تقدمت هذه الفتاة للعمل فى أحد البنوك الكبرى، وعلى الفور تم قبولها للعمل فيه، وعلى الفور أيضاً، كان كبار عملاء البنك من ذوى الثراء السوبر يتقبلونها بمجرد أن يعرفوا اسم المكان الذى تحيا فيه.

هذه المنطقة السكنية الراقية تقع على طرف نقيض من منطقة سكنية أخرى كانت تقيم فيها فتاة أخرى تشغل منصباً مماثلاً لمنصب تلك الفتاة التى يحكى عنها «هاميلتون»، والتى تؤكد له أنه كان هناك فارق ملحوظ فى طريقة تعامل بعض العملاء من الأثرياء السوبر مع كل منهما. كان العملاء الأثرياء يوجهون أسئلة ذات طابع ودود وحميم لفتاة الحى الراقى، ويتعاملون معها بود ولطف ملحوظين، أو يقدمون لها هدايا فى نهاية العام، فى الوقت الذى يتعاملون فيه بنوع من البرود مع فتاة الحى العادى. وبالطبع شعرت تلك الفتاة «العادية» بنوع من الاستبعاد بسبب الطريقة التى كان يتحدث بها الأثرياء السوبر ويتعاملون بها مع زميلتها التى يعتبرونها «منهم» أمام عينيها، على الرغم من أن كلتيهما تشغل نفس المنصب فى نفس البنك. إلا أن الأمر، كما تقول فتاة الحى الراقى لـ«هاميلتون»: «يتعلق بنوع من التقارب الذى يجعل هؤلاء العملاء يشعرون أنهم قادرون لسبب ما، على التواصل معى مباشرة وبلا حواجز، بشكل شبه فورى، على العكس مما كان يحدث مع الفتاة الأخرى».

وهو ما جعل البعض يقولون إنه فى سوق العمل الآن، فإن وضع اسم منطقة سكنية فاخرة كمحل للإقامة، يفتح وحده العديد من الأبواب المغلقة فى عالم الأثرياء وذوى النفوذ.

لا أحد يستطيع أن يوجه اللوم لهؤلاء الأثرياء السوبر لأنهم يشعرون براحة أكثر فى التعامل مع من ينتمون إلى عالمهم. إن مجرد الإقامة فى هذه الأحياء الراقية تكون عند أصحابها ثقافة مشتركة ونظرة معينة إلى العالم «الخارجى» قد لا يشاركهم فيها آخرون.

المؤسسات الكبرى التى تتعامل بشكل وثيق مع الأثرياء السوبر، مثل البنوك العالمية الكبرى، أدركت ذلك الأمر وتعاملت معه بواقعية واضحة: منحت الأفضلية لأبناء هذه الطبقة لكى يعملوا بها لأنهم سيكونون أكثر قدرة، بطبيعة الحال ودون بذل كثير من الجهد، فى التواصل والتفاهم مع عملائهم الذين ينتمون لنفس المستوى، هذا إن لم يكونـوا أصلاً من زملائهم فى تلك المدارس الراقية التى شكلوا فيها شبكة علاقاتهم الاجتماعية منذ صغرهم.

اسم الحى الراقى الذى يكتبه الواحد منهم فى بطاقته قد تتم ترجمته إلى منصب مهم فى نفس البطاقة. هذا قد لا يسبب مشكلة واضحة بين أبناء هذه الطبقة أنفسهم، لكن الأمر يختلف تماماً عندما تبدأ المقارنة بينهم وبين أبناء الآخرين.

الملياردير الواحد مسئول بسبب طائراته ويخوته الخاصة عن مليون ضعف من الانبعاثات الكربونية الملوِّثة للبيئة أكثر من الشخص العادى

هذه هى اللحظة التى يدرك فيها الناس أن الأسوار المحيطة بأحياء الأثرياء السوبر ليست مجرد جدران عالية، وإنما تحولت إلى حواجز تجعل المجتمعات منقسمة على نفسها بشكل حاد. انتبه الناس إلى هذه النقطة، على الأقل فى أستراليا التى ينتمى إلىها «كلايف هاميلتون»، عندما وقفت النائبة الأسترالية المحافظة التى كانت يوماً ما وزيرة للإسكان «ويندى لوفيل» عام ٢٠٢٢، لتقول ما كان يدور فى أذهان كثيرين من طبقتها المميزة لكن «دون أن يجرؤ أحد منهم على التلفظ به» على حد تعبير «هاميلتون» الذى يتابع: «وقفت النائبة البرلمانية أمام زملائها فى البرلمان الأسترالى كى تقول صراحة إنه: لا توجد جدوى من وضع الأسر البسيطة ذات الدخل المحدود وسط أرقى المناطق السكنية فى أستراليا، حيث لن يقدر أطفالهم على الاختلاط مع باقى الأطفال ولا على الذهاب إلى نفس مدارسهم، ولن تكون لديهم القدرة على امتلاك أحدث موديلات هواتف «الآيفون» أو الأحذية الرياضية. علينا أن نتأكد أن الناس قادرون بالفعل على الاندماج فى الحى السكنى الذى يسكنون فيه، وأنهم يحظون بفرص جيدة، وأن الآخرين لا يقللون منهم بسبب ظروفهم».

ويواصل «هاميلتون»: «على الرغم من أن النائبة المحافظة، التى تنتمى إلى طبقة مميزة، كانت تحاول صياغة عباراتها التى تعارض أى نوع من الاختلاط الاجتماعى بين الأثرياء وغيرهم فى أحيائهم الراقية، كما لو كانت من باب الاهتمام والحرص على أطفال الفقراء، إلا أن ما بدا واضحاً هو رغبتها فى فرض حدود وإقامة حواجز مع «الآخر»، وهى الرغبة التى يشاركها فيها غالبية الأثرياء من طبقتها المميزة. وبالطبع لم تسلم النائبة المحافظة من اتهامات لها بالترويج لتصورات نمطية غير صحيحة عن الفقراء الذين يتمتعون، وفقاً لمقال نشر رداً على كلام النائبة «بسمات شخصية وقيم تفوق ما يمكن أن يكون موجوداً لدى سكان الضواحى الثرية. إلا أن هذه السياسية التى تعد من ذوى الامتيازات ليس لديها إمكانية فهم ذلك».

لكن من عارض النائبة السياسية لم يعرف الحياة فى المكان الذى عاشت فيه، ولم يفهم أن لهؤلاء الأثرياء السوبر تركيبة نفسية خاصة، ونظاماً مختلفاً فى التعامل ليس فقط مع الفراغ الذى يشغلونه، وإنما أيضاً فى علاقتهم مع الوقت، وتعاملهم، أو بمعنى أدق، عدم تعاملهم مع أى أمر يحتاج إلى الانتظار.

لكن هذه قصة أخرى.


مواضيع متعلقة